
الجزء الثاني والاخير اللحظة اللي أحمد اكتشف فيها إنه خسر كل حاجة! جريت على السلم، وقلبي بيدق بسرعة، لحد ما وصلت لباب العمارة. لقيت بابا وماما واقفين جنب العربية، وماما بتحاول تحط باقة الورد على الكنبة الخلفية، بينما بابا كان ماسك علبة التورتة وساكت تمامًا. أول ما شافوني، ماما حاولت تبتسم، لكن عينيها كانت مليانة دموع.
قالت لي بصوت مهزوز:
— إيه يا حبيبتي؟ إنتِ نزلتي ليه؟ ارجعي لضيوفك، إحنا بس حبينا نفرحك بعيد ميلادك، لكن واضح إننا جينا في وقت مش مناسب.
الكلام نزل على قلبي زي السكينة.
قربت منها، وحضنتها بقوة، ودموعي نزلت من غير ما أقدر أتحكم فيها.
— وقت مش مناسب إيه يا ماما؟! هو فيه وقت مش مناسب أشوف فيه أمي وأبويا؟ إنتوا عملتوا إيه علشان يحصل لكم كده؟
بابا حاول يهدّيني، وقال بهدوء:
— خلاص يا سارة، ما تعمليش مشكلة في يوم عيد ميلادك. إحنا مش عايزين نبوّظ عليكِ فرحتك.
بصيت له وأنا مش مصدقة إنه، حتى بعد الإهانة اللي اتعرض لها، لسه بيفكر في راحتي أنا!
— فرحتي إيه يا بابا؟! إنتوا أصحاب الشقة دي، وجايين تزوروا بنتكم، وجوزي يقفل الباب في وشكم؟! ده إزاي يحصل وأسكت عليه؟
بابا بص للأرض، وبعد لحظات قال:
— يا بنتي، إحنا مش زعلانين علشان الباب اتقفل في وشنا. إحنا زعلانين علشان حسينا إن وجودنا مش مرغوب فيه عندك.
الجملة دي كانت أقسى من أي إهانة سمعتها في حياتي.
مسكت إيد ماما وقلت لها:
— إنتوا مش هتمشوا من هنا. هتطلعوا معايا، وهتقعدوا في بيتكم، واللي مش عاجبه يحل عننا.
ماما حاولت تعترض:
— يا سارة، الناس اللي فوق كتير، ومش عايزين نحرجك قدامهم.
ابتسمت وسط دموعي وقلت:
— اللي المفروض يتكسف هو اللي أهانكم، مش إنتوا.
أخدت التورتة من إيد بابا، وماما شالت الورد، وطلعنا سوا.
وأنا في الطريق، افتكرت حاجة مهمة جدًا.
الشقة اللي كنا عايشين فيها ماكنتش مجرد شقة أهلي سايبينها لنا.
كان فيه اتفاق واضح بيني وبين بابا وماما من أول يوم: إننا نعيش فيها مؤقتًا لحد ما نشتري بيتنا، وإن محدش مننا يتصرف فيها كأنها ملكه.
لكن أحمد، مع مرور الوقت، بدأ يتعامل مع المكان وكأنه صاحب البيت، لدرجة إنه كان بيسمح لنفسه يقرر مين يدخل ومين يخرج.
واللي حصل النهارده أثبت لي إنه مش بس نسي حدود دوره، ده كمان نسي مين الناس اللي وقفوا جنبه من البداية.
—
أول ما دخلت الشقة، الأصوات سكتت فجأة.
كل العيون اتجهت ناحيتي، وبعدها ناحية بابا وماما اللي كانوا داخلين ورايا.
أحمد وقف مكانه، والابتسامة اختفت من على وشه.
— إنتِ رجعتيهم ليه؟!
بصيت له بثبات وقلت:
— رجعت مين؟! دول أبويا وأمي، يا أحمد!
حماتي قامت من مكانها، وبصت لماما من فوق لتحت، وقالت بنبرة متعالية:
— هو إحنا هنفضل في الجو ده؟! يا جماعة، إحنا عاملين عزومة عائلية، ومش ناقصة مجاملات مالهاش لازمة.
ما استحملتش.
لفّيت ناحيتها وقلت:
— مجاملات؟! دي أمي وأبويا يا طنط نادية، مش ناس غريبة جاية تستأذن على باب بيتكم!
ردت عليّ ببرود:
— يا حبيبتي، محدش قال إنهم ناس غريبة، لكن فيه فرق بين الزيارات العادية والمناسبات اللي ليها مستوى معين.
ضحكت ضحكة قصيرة من شدة الغضب.
— مستوى إيه اللي بتتكلمي عنه؟! مستوى الأخلاق؟ ولا مستوى الفلوس؟ ولا مستوى إن الواحد يكرم الناس اللي وقفوا جنبه بدل ما يهينهم؟
أحمد قرب مني، وحاول يتكلم بصوت واطي:
— سارة، مش وقته الكلام ده. عندنا ضيوف، وعايزك تدخلي المطبخ شوية لحد ما الناس تمشي.
بصيت له باستغراب.
— أدخل المطبخ؟! بعد ما طردت أبويا وأمي من البيت؟!
قال بعصبية:
— ما تكبريش الموضوع! أنا كنت بهزر معاهم، وهما أكيد فهموا غلط.
بابا، اللي كان ساكت طول الوقت، رفع عينه وبص له وقال بهدوء:
— يا ابني، أنا راجل كبير، وعارف كويس الفرق بين الهزار والإهانة. إحنا جينا نبارك لبنتنا، وماكناش مستنيين منك غير كلمة طيبة.
أحمد اتوتر، خصوصًا لما لاحظ إن بعض ضيوفه بدأوا يبصوا له باستغراب.
لكن حماتي تدخلت بسرعة:
— يا جماعة، خلاص بقى! إحنا مش هنحوّل عيد ميلاد البنت لمحكمة. اللي حصل حصل، وكل واحد يرجع مكانه.
في اللحظة دي، قررت إني أنهي المسرحية كلها.
حطيت علبة التورتة على السفرة، وطلعت موبايلي من شنطتي.
أحمد بص لي وقال:
— إنتِ بتعملي إيه؟
رديت بهدوء:
— هعمل حاجة كان المفروض أعملها من زمان.
فتحت تطبيق البنك، وورّيته التحويل اللي عملته الصبح.
— الـ18 ألف جنيه اللي طلبتهم مني، كنت عايزة أعرف هتصرفهم في إيه. دلوقتي، بعد ما شفت الحفلة دي، عايزة أعرف الحقيقة قدام كل الناس.
اتلخبط، وقال بسرعة:
— الفلوس دي مصاريف الحفلة، وإنتِ عارفة إن كل حاجة غليت!
بصيت للأكل الغالي، وللديكورات، وللهدايا اللي كانت متحطوطة جنب حماتي.
وبعدين قلت:
— يعني إنت طلبت مني أخرج من بيتي، وخلّيتني أحوّل لك فلوس، وبعدها نظّمت حفلة لأهلك وأصحابك، من غير ما تعزم حد من ناحيتي، ولما أبويا وأمي جم، طردتهم؟! وكل ده بتسميه مفاجأة عيد ميلادي؟
ماعرفش يرد.
لكن المفاجأة الأكبر كانت لسه جاية.
—




