
في اللحظة دي، جرس الباب رن مرة تانية.
أحمد بص ناحية الباب بضيق، وقال:
— هو إحنا هنفضل طول الليل نفتح ونقفل؟!
أنا مشيت وفتحت بنفسي.
كان واقف قدامي أستاذ شريف، محامي بابا وماما، ومعاه ملف كبير.
أول ما شافني، سلّم عليّ، وبعدها بص لبابا وقال:
— مساء الخير يا أستاذ محمود. حضرتك طلبت مني أعدّي عليك النهارده، وقالت لي مدام فاطمة إنكم موجودين هنا.
أحمد اتغيّر لون وشه.
— محامي؟! هو فيه إيه بالظبط؟
بابا رد بهدوء:
— مفيش حاجة تخوف يا ابني. الأستاذ شريف كان جاي علشان موضوع خاص بالشقة.
حماتي قامت من مكانها بسرعة:
— موضوع إيه؟! شقة إيه؟! هو فيه حد هيطرد حد من بيته؟
المحامي فتح الملف، وطلع منه مجموعة أوراق.
قال بوضوح:
— الشقة دي مسجلة باسم الأستاذ محمود وزوجته، ومفيش أي عقد تمليك أو تنازل عنها لأي شخص آخر. واللي حصل النهارده خلّى أصحاب الشقة يعيدوا النظر في السماح باستمرار الإقامة فيها.
أحمد اتوتر وقال:
— يعني إيه؟! إحنا عايشين هنا بقالنا سنين!
رد المحامي:
— بإذن أصحاب الشقة، ووفق الاتفاق اللي تم بينكم من البداية. وده مش معناه إن الملكية انتقلت ليكم.
حماتي بصت لابنها بصدمة، وبعدها بصت لي وكأنها بتحاول تستوعب إن الشقة اللي كانت بتتعالى فيها على أهلي هي في الحقيقة ملكهم.
لكن أحمد حاول يستعيد السيطرة وقال:
— حتى لو الشقة ملكهم، دي مشاكل عائلية، ومش من حق حد يتدخل فيها بالطريقة دي!
المحامي قفل الملف وقال:
— محدش بيتدخل في حياتكم الخاصة. لكن أصحاب الملك من حقهم يراجعوا أي اتفاق يسمح باستخدام ملكهم، وفق الإجراءات القانونية.
ساعتها، بصيت لأحمد وقلت:
— إنت طول الوقت كنت بتتكلم عن الأصول والمستوى الاجتماعي، وكنت فاكر إنك أعلى من أهلي علشان عندك كلام كتير عن المظاهر. لكن الحقيقة إن أهلي ساعدوك من غير ما يطلبوا منك مقابل، وإنت رديت الجميل بالإهانة.
أحمد بدأ يتكلم بسرعة:
— سارة، إنتِ فاهمة الموضوع غلط! أنا كنت مضغوط، وأمي هي اللي أصرت على الحفلة بالشكل ده، وأنا ماكنتش أقصد أزعّل حد!
بصيت له بوجع وقلت:
— يعني لما طلبت مني الفلوس، كنت فاهم؟ ولما طردت أبويا وأمي، كنت فاهم؟ ولما قلت عليهم إنهم جايين يستغلوا العزومة، كنت برضه مش فاهم؟
ما لاقاش إجابة.
أما حماتي، فكانت بتحاول تغيّر الموضوع، وتقول إن كل اللي حصل مجرد سوء تفاهم، وإن العيلة لازم تتسامح.
لكن محدش كان مستعد يسمع كلامها.
الضيوف بدأوا يقوموا من أماكنهم، وكل واحد بيحاول ينسحب من الموقف المحرج.
وفي أقل من عشر دقايق، الصالة اللي كانت مليانة ضحك وموسيقى بقت شبه فاضية.
فضل أحمد واقف في النص، محاط بالأطباق الغالية والديكورات اللي دفع تمنها من فلوسي، وهو مش قادر يبص في عين أي حد.
وقبل ما آخر ضيف يمشي، قربت منه وقلت بصوت هادي:
— أنا مش هقرر مصير حياتي معاك وأنا متعصبة. لكن فيه حاجة لازم تفهمها كويس: إهانة أهلي مش غلطة بسيطة، والاعتذار لوحده مش كفاية علشان يرجّع الثقة اللي ضاعت.
أحمد بص لي بخوف، وسأل:
— إنتِ تقصدي إيه يا سارة؟
بصيت لبابا وماما، وبعدها رجعت بصيت له.
— قصدي إن اللي حصل النهارده هيغيّر كل حاجة بينا.
لكن في اللحظة اللي أحمد افتكر فيها إن أكبر مشكلة عنده هي الشقة والفلوس، رن موبايلي برسالة جديدة من البنك.
فتحت الرسالة، وقرأت محتواها مرتين.
وبعدين رفعت عيني ناحية أحمد.
لأن التحويل اللي طلبه مني الصبح ماكانش مجرد فلوس حفلة، زي ما كان بيقول…
كان فيه سر تاني متعلق بالـ18 ألف جنيه، سر اكتشفته بالصدفة، ولو اتأكدت منه، مش بس علاقتنا هي اللي هتتغير، ده كمان كل اللي أحمد كان بيحاول يخبيه عن عيلته هينكشف!
يتبع في الجزء الأخير…
الجزء الثالث والأخير
طلب مني 18 ألف جنيه في عيد ميلادي، لكن اللي اكتشفته خلّاه يتمنى لو إنه ما عرفنيش أبدًا!
فضلت واقفة في مكاني، ماسكة الموبايل، وبقرأ الرسالة اللي وصلتني من البنك.
كان مكتوب فيها إن فيه عملية شراء تمت باستخدام البطاقة المرتبطة بحسابي، بقيمة 18 ألف جنيه، في أحد محلات المجوهرات في الإسكندرية.
رفعت عيني ناحية أحمد.
— إنت قلت لي إنك محتاج الفلوس علشان تحضّر لي مفاجأة عيد ميلادي، صح؟
رد بسرعة:
— أيوه طبعًا! هو فيه إيه تاني؟
ورّيته الرسالة وقلت:
— طب ممكن تشرح لي ليه الفلوس اتصرفت في محل مجوهرات، مع إن مفيش أي هدية ليا هنا؟
اتغيّرت ملامحه للحظة، لكنه حاول يتماسك.
— أنا اشتريت لك هدية، بس كنت مخبيها علشان المفاجأة تفضل كاملة.
بصيت حواليّ على السفرة، وعلى الضيوف اللي مشيوا، وعلى حماتي اللي كانت واقفة بعيد وبتراقبنا.
وبعدين قلت:
— حلو أوي! وريني هديتي بقى.
اتلجلج أحمد، وبدأ يدور في جيوبه، وبعدها قال:
— مش معايا دلوقتي، سيبتها في العربية.
كنت عارفة إنه بيكدب.
لكن بدل ما أضغط عليه، فتحت الموبايل، وراجعت تفاصيل العملية.
المفاجأة كانت إن الفلوس اتدفعت مقابل شراء سلسلة ذهبية، والفاتورة الإلكترونية كانت متسجلة باسم شخص تاني.
اسم حماتي، نادية!
بصيت لها مباشرة.
— ممكن أفهم ليه السلسلة اللي اتشرت بفلوسي اتسجلت باسم حضرتك؟
وشها اتغيّر، وبصت لأحمد بسرعة.
— إنتِ بتقولي إيه يا بنتي؟! دي هدية من ابني ليا بمناسبة إني تعبت في تجهيز الحفلة!
الجملة دي كانت كفاية علشان أفهم الحقيقة.
أحمد ماكانش بيحضّر لي مفاجأة.
هو كان بيستخدم فلوسي علشان يشتري هدية لأمه، ويعمل حفلة يتباهى فيها قدام قرايبه، وبعدها يقنعني إن كل اللي عمله كان عشاني.
بصيت له وقلت:
— يعني إنت طردتني من شقتي، وطلبت مني 18 ألف جنيه، وخلّيتني أقضي ساعات بره، علشان تشتري هدية لأمك من فلوسي، وتعمل حفلة لأهلك، وفي الآخر تطرد أبويا وأمي لما جم يفرحوا بيا؟
أحمد رفع صوته:
— إنتِ مكبرة الموضوع ليه؟! دي أمي، ومن حقي أفرّحها!
رديت عليه بهدوء:
— ومن حقي أنا كمان أعرف فلوسي بتتصرف في إيه. ومن حقي أحتفل بعيد ميلادي مع أهلي، ومن حقي إن محدش يهين أبويا وأمي في بيتهم.
حماتي تدخلت بعصبية:
— إنتِ بتتكلمي عن الفلوس كأنها أهم حاجة في الدنيا! إحنا عيلة واحدة، والمفروض كل حاجة تبقى مشتركة!
بصيت لها وقلت:
— فعلًا، العيلة الواحدة بتشارك بعضها، لكن المشاركة مش معناها إن طرف يدفع، والطرف التاني يستغلّه ويهينه.
وبعدين التفت لأحمد.
— لو كنت قلت لي من البداية إنك عايز تشتري هدية لأمك، كنت هفكر وأقرر إذا كنت أقدر أساعدك ولا لأ. لكن إنك تكذب عليّ، وتستخدم عيد ميلادي حجة، فده شيء تاني تمامًا.
أحمد سكت.
ولأول مرة من سنين، ماعرفش يرد عليّ بكلمتين يخرج بيهم نفسه من الموقف.
—




