
التكملة – الجزء الثاني
لم أكن أعرف كم مرّ من الوقت وأنا ملقاة على الأرض.
كل ما أتذكره أن صوت صفارات الشرطة أصبح أعلى، ثم سمعت طرقات عنيفة على باب الشقة.
“شرطة! افتحوا الباب فورًا!”
تجمدت نادية في مكانها.
لأول مرة منذ دخلت حياتي، اختفت ابتسامتها المتعالية، وظهر الخوف الحقيقي على وجهها.
نظرت ناحية الباب، ثم عادت تنظر إليّ.
“إيه ده؟ مين اللي بلغ الشرطة؟”
حاولت تحريك شفتي، لكنني لم أستطع.
اقتربت مني بسرعة، وأمسكت بكتفي وهزتني بعنف.
“إنتِ عملتي إيه يا سارة؟ إنتِ لسه عايزة تدمري ابني؟”
ثم سمعت صوتًا من الخارج:
“افتحي الباب يا مدام نادية، إحنا عارفين إنك جوه!”
ارتبكت حماتي، وبدأت تتحرك في الغرفة بجنون. وضعت الكوب فوق الطاولة، ثم التقطت منشفة وحاولت مسح آثار الشاي من الأرض.
كانت تتصرف وكأنها تستطيع محو ما حدث في ثوانٍ.
لكنها نسيت شيئًا مهمًا…
الكاميرات لم تكن تسجل الصورة فقط، بل الصوت أيضًا.
وأنا رأيت الضوء الأحمر الصغير فوق المكتبة قبل أن تفقد عيناي القدرة على التركيز.
انفتح الباب أخيرًا بعد تدخل رجال الأمن.
دخل ضابطان، وخلفهما مسعفان يحملان حقيبة الطوارئ.
صرخ أحد الضباط:
“ابعدي عنها فورًا!”
تراجعت نادية، ورفعت يديها مرتبكة.
“يا بيه، دي مراتي ابني! هي تعبت فجأة، وأنا كنت بحاول أساعدها!”
لكن أحد المسعفين كان قد انحنى بجانبي، وبدأ يفحص حالتي.
سمعته يقول لزميله بقلق:
“الحالة عندها حساسية شديدة وحروق في منطقة الصدر، لازم ننقلها فورًا.”
حاولت أن أفتح عيني وأشير إلى نادية.
لكن المسعف قال لي:
“متتكلميش، حاولي تحافظي على هدوئك.”
في تلك اللحظة، سمعت الضابط يقول لحماتي:
“مدام نادية، إحنا محتاجينك تيجي معانا القسم.”
صرخت فورًا:
“ليه؟ أنا معملتش حاجة! دي واحدة ناكرة للجميل، أنا اللي كنت بخدمها!”
لكن الضابط أخرج هاتفه، وشغّل مقطعًا قصيرًا.
كان صوتها واضحًا تمامًا:
“موتي في هدوء يا نكرة… عشان ابني ياخد فلوس التأمين.”
ثم ظهر مشهد إمالتها للكوب فوق صدري.
وضعت نادية يدها على فمها.
“ده… ده مش حقيقي! الفيديو متفبرك!”
رد الضابط بهدوء:
“هنسيب الأدلة الفنية تثبت الحقيقة.”
في المستشفى…
استيقظت بعد ساعات طويلة، وكان أول ما رأيته سقف غرفة بيضاء، وأول ما شعرت به ألم شديد في صدري.
كانت الممرضة بجانبي.
“حمد لله على سلامتك يا أستاذة سارة. الدكتور قال إنك عديتي المرحلة الحرجة.”
حاولت السؤال عن حماتي، فأجابت:
“الشرطة موجودة، وجوزك وصل من شوية.”
وقبل أن أتمكن من الرد، انفتح الباب.
دخل كريم.
زوجي الذي عشت معه خمس سنوات، والذي كنت أظن أنه أكثر إنسان يعرفني ويخاف عليّ.
اقترب من السرير، وملامحه مليئة بالغضب.
لكنه لم يسألني عن صحتي.
لم يسألني إن كنت أتألم.
لم يحتضنني حتى.
قال بصوت منخفض:
“إنتِ وصلتي أمي للقسم ليه؟”
نظرت إليه غير مصدقة.
قلت بصوت متقطع:
“أمك حاولت تقتلني يا كريم.”
هز رأسه بعصبية.
“أمي عمرها ما تعمل كده! أكيد حصل سوء تفاهم.”
ضحكت داخليًا، رغم الألم الذي كان يمزق صدري.
ثم قلت:
“طيب… إنت عرفت منين إني ألغيت التأمين؟”
تغير وجهه فجأة.
سكت لثوانٍ، ثم قال:
“إنتِ بتقولي إيه؟”
“أنا بسألك سؤال واضح… إنت كنت عارف إن وثيقة التأمين اتلغت؟”
ابتعد عن السرير خطوة.
وهنا أدركت أن هناك شيئًا أكبر بكثير مما كنت أتخيله.
أخرجت هاتفي من درج الكومود، وفتحته بصعوبة.
كان هناك إشعار من المحامي الخاص بي.
رسالة وصلت قبل دخولي المستشفى بدقائق.
“أستاذة سارة، تم استلام التسجيلات، وهناك مستندات جديدة مرتبطة بزوجك تستوجب مناقشتها فورًا. لا توقعي أي أوراق قبل مقابلتي.”
رفعت عيني إلى كريم.
كان يراقب شاشة الهاتف بقلق واضح.
سألته:
“إنت خايف من إيه بالضبط؟”
لم يرد.
لكن قبل أن يغادر الغرفة، قال جملة جعلت الدم يتجمد في عروقي:
“سارة… مهما شفتي أو سمعتي، أوعي تفتكري إن أمي كانت بتتصرف لوحدها.”
ثم خرج وأغلق الباب خلفه.
بقيت أحدق في الباب المفتوح قليلًا.
لم تكن المشكلة في حماتي وحدها…
كان زوجي يخفي شيئًا.
والأخطر أن المحامي اكتشفه قبلي.
لكن المفاجأة التي كانت تنتظرني في اليوم التالي، لم تكن مجرد دليل على تورط كريم… بل كانت مرتبطة بشخص ظننت أنه مات منذ سنوات!
يتبع…
الجزء الثالث: السر الذي أخفاه زوجي طوال خمس سنوات
في صباح اليوم التالي، كنت لا أزال في المستشفى عندما وصل المحامي الخاص بي، الأستاذ حسام.
كان يحمل حقيبة جلدية سوداء، وملامحه لم تكن مطمئنة أبدًا.
جلس بجانبي وقال:
“سارة، قبل ما أقولك أي حاجة، عايزك توعديني إنك هتسمعيني للآخر، ومش هتاخدي أي قرار قبل ما تعرفي الحقيقة كاملة.”
شعرت بالخوف.
سألته: “في إيه يا أستاذ حسام؟ كريم عمل إيه؟”
فتح حقيبته وأخرج مجموعة من الأوراق.
“إحنا بدأنا نراجع التحويلات المالية الخاصة بجوزك من حوالي ست شهور، واكتشفنا إنه كان بيحاول يحصل على مبالغ كبيرة من حسابات مرتبطة بيكي.”
قلت بدهشة: “إزاي؟ أنا عمري ما اديته توكيل على حساباتي!”
أجاب: “هو ما استخدمش توكيلك، لكنه حاول يستغل بياناتك الشخصية، وكان فيه شخص بيساعده.”
سألته: “مين الشخص ده؟”




