عام

الجزء الاول بقلم محمد عبده

أخويا اتجوز البنت الكفيفة اللي كانت أقرب واحدة ليه من وهما أطفال… وبعد ما ، كشفت لي السبب الحقيقي اللي خلاه يختار يقضي حياته كلها معاها.

كان أخويا الأصغر عمر عنده سبع سنين بس، لما رجع من المدرسة في يوم ومعاه بنت اسمها سلمى.

سلمى كانت فاقدة للبصر من وهي صغيرة، وعلشان الأطفال مكانوش فاهمين حالتها، كان كتير منهم بيتجنبوا اللعب معاها أو حتى الكلام معاها.

لكن عمر عمره ما عاملها إنها مختلفة عنهم.

لما عيلتنا اتعرفت على أسرة سلمى اللي كانت بتربيها، عرفنا إن والدتها الحقيقية سابتها بعد ولادتها بفترة قصيرة.

ومن اليوم ده، عمر بقى أكتر إصرارًا إنه يفضل جنبها ويحميها.

كان يمشي معاها في طريق الرجوع من المدرسة.

يشيل عنها شنطتها.

يحجز لها مكان جنبه وقت الغدا.

ويتأكد إنها عمرها ما تحس إنها لوحدها.

ومع مرور السنين، الصداقة اللي بدأت بينهم وهما أطفال تحولت بالتدريج لمشاعر أعمق.

وفي فترة الثانوية، مسك عمر إيد سلمى في يوم وقال لها وهو بيبتسم:

“في يوم من الأيام، الدبلة دي هتكون في صباعك.”

مرت السنين، وخلصوا دراستهم الجامعية، وعمر وفّى بوعده.

لما طلب إيد سلمى، أنا عيطت من الفرحة.

سلمى ما بقتش مجرد أعز صديقة لأخويا…

بقت مراته، وبقت كمان الأخت اللي طول عمري كنت بتمنى يكون عندي زيها.

كان واضح جدًا إن الاتنين متعلقين ببعض وبيحبوا بعض بصدق.

عمر كان دايمًا يوصف لها كل حاجة حواليها.

كان يحكيلها عن ألوان الغروب، وشكل الأماكن اللي أول مرة تدخلها، وتعابير وشوش الناس، وألوان الزهور اللي ما كانتش تقدر تشوفها، لكنها كانت تلمس بتلاتها بأطراف صوابعها.

وسلمى كانت بتفهم عمر بطريقة محدش فينا كان قادر يفهمه بيها.

زواجهم كان هادي، وحياتهم كانت مليانة مودة واهتمام.

لكن قبل ما يكملوا الذكرى السنوية الخامسة لجوازهم بفترة قصيرة، رنت عليّ سلمى وهي منهارة من العياط.

عمر تعب فجأة، ونقلوه المستشفى، وكان لازم يدخل عملية بسرعة.

أول ما وصلت المستشفى، لقيت سلمى قاعدة لوحدها في صالة الانتظار، ماسكة العصاية بتاعتها بإيديها الاتنين، ووشها مليان خوف.

قعدت جنبها.

وفضلنا إحنا الاتنين مستنيين…

ساعة ورا ساعة.

مرت عشر ساعات كاملة، وكل دقيقة كانت كأنها عمر كامل.

لحد ما ظهر الدكتور قدامنا.

بصيت في وشه، وفهمت الحقيقة قبل حتى ما يتكلم.

عمر ما قدرش يعدّي العملية.

الكلمة دي حطمتني.

حسيت إن الأرض اختفت من تحت رجلي، وإن كل حاجة حواليا بقت مجرد كابوس نفسي أصحى منه، لكني ما قدرتش.

وأنا لسه بحاول أستوعب إن أخويا مات، حسيت بسلمى بتمد إيدها وتمسك في كم قميصي.

قالت بصوت مرتجف:

“ياسمين… لازم نتكلم. الموضوع مهم جدًا.”

بصيت لها وأنا مش قادر أفكر.

وقلت لها:

“مش دلوقتي يا سلمى… أرجوكي.”

لكنها شدت إيدها أكتر على هدومي.

وقالت:

“لازم دلوقتي… قبل ما بابا وماما يوصلوا.”

نبرة صوتها خلتني أحس إن فيه حاجة غريبة.

سألتها:

“إنتِ بتتكلمي عن إيه؟”

أخدت سلمى نفس عميق، وبعدها قالت:

“في حاجة لازم تعرفيها عن عمر.”

قلبي بدأ يدق بسرعة.

سألتها:

“سر إيه؟”

مسكت إيدي، وكانت إيديها ساقعة بشكل غريب.

وقالت بهدوء:

“عيلتك عمرها ما فهمت السبب الحقيقي اللي خلا عمر يتجوزني.”

سكتت لحظة، وبعدين كملت:

“عمر كان عايزك تعرفي الحقيقة… بس قال إن لازم تعرفيها في الوقت المناسب.”

حسيت إن صالة الانتظار كلها بتتحرك حواليا.

حاولت أتمسك بأي تفسير منطقي وقلت:

“الموضوع له علاقة بالفلوس؟ التأمين؟ حاجة ورثها؟”

هزت سلمى راسها ببطء.

“لأ.”

وبصوت أخفض، قالت:

“الحقيقة أصعب وأوجع بكتير من كده.”

وبعدين شدت على إيدي بقوة وقالت:

“الكلام اللي هقولهولك ممكن يكسر قلبك يا ياسمين… لكن لازم تسمعيه مني.”

لفت وشها ناحية ممر المستشفى، وكأنها كانت بتسمع خطوات حد جاي.

وبعدها قالت:

“بابا وماما هيكونوا هنا خلال خمس دقايق.”

اقتربت مني، وخفضت صوتها لدرجة إني بالكاد سمعتها:

“اسمعيني كويس… ومهما حصل، أوعديني إنك مش هتقولي لحد اللي هحكيهولك، لحد ما تعرفي كل الحقيقة.”

لكن اللي قالته بعدها… كان كفيل إنه يغيّر كل حاجة كنت فاكرها عن أخويا وعن جوازه من سلمى.

🔥الجزء الثاني
فضلت باصة لسلمى وأنا مش فاهمة حاجة.

كان واضح إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد سر عائلي.

قلت لها بصوت منخفض:

“قولي يا سلمى… عمر كان مخبي عني إيه؟”

سلمى سكتت ثواني، وبعدها قالت:

“قبل ما عمر يتجوزني، كان عارف حاجة عن عيلتكم… حاجة أنا نفسي ما كنتش أعرفها في البداية.”

اتوترت أكتر.

“حاجة عن عيلتنا؟ زي إيه؟”

ردت:

“حاجة حصلت من سنين… وكانت مرتبطة بيا أنا.”

حسيت بقشعريرة في جسمي.

حاولت أفتكر أي موقف قديم ممكن يكون له علاقة بسلمى.

لكن مفيش حاجة جات في بالي.

قلت:

“أنا مش فاهمة.”

قالت وهي بتضغط على إيدي:

“عمر ما اتجوزنيش شفقة، ولا علشان كان شايف إني محتاجة حد يحميها.”

سكتت لحظة، ثم أكملت:

“هو اتجوزني لأنه كان عارف إن حياتي من وأنا طفلة اتبنت على كذبة.”

اتجمدت مكاني.

“كذبة؟”

هزت رأسها.

“أيوه.”

ثم أخذت نفسًا عميقًا وقالت:

“أمي اللي ولدتني ما سابتنيش بإرادتها.”

فتحت عيني بدهشة.

“إزاي؟!”

قالت:

“قالوا لعيلتي إنها ماتت بعد الولادة… لكن الحقيقة كانت مختلفة.”

ما قدرتش أرد.

سلمى بدأت تحكي بصوت متقطع:

بعد ولادتي بفترة قصيرة، حصلت مشاكل كبيرة بين والدتي وعائلتها.

كانت أمي بتحاول تتمسك بيا، لكن حد من العيلة أقنعها إنها مش قادرة تربي طفلة كفيفة، وإن الأفضل إني أروح لأسرة تقدر تهتم بيا.

وبعدها اختفت أمي تمامًا.

الكل قال إنها اختارت تسيبني.

لكن قبل ما تختفي، كانت سابت رسالة.

رسالة ما وصلتليش إلا بعد سنين طويلة.

قلت لها:

“وعمر عرف الكلام ده إزاي؟”

سلمى سكتت.

ثم قالت:

“هو اللي لقى الرسالة.”

حسيت إن قلبي وقع.

“فين؟”

قالت:

“في بيتكم القديم.”

رجعت بذاكرتي لسنين الطفولة.

البيت القديم اللي كنا عايشين فيه قبل ما ننتقل للإسكندرية.

كان فيه مخزن صغير محدش بيدخله تقريبًا.

قلت:

“إيه علاقة الرسالة ببيتنا؟”

قالت:

“لأن والدتي كانت تعرف والدتك.”

وقبل ما أستوعب كلامها، سمعت صوت خطوات جاية من آخر الممر.

سلمى قربت مني بسرعة وقالت:

“لسه ما خلصتش.”

بصيت ناحية الممر.

كان والدي ووالدتي داخلين المستشفى.

وقتها سلمى سكتت تمامًا.

والدتي قربت مننا، وكانت عينيها مليانة دموع.

حضنتني بقوة.

لكن لما مدت إيدها عشان تحضن سلمى، حصل شيء غريب.

سلمى تراجعت خطوة.

والدتي وقفت مكانها.

للحظة قصيرة جدًا، شفت نظرة خوف في عيني أمي.

نظرة ما فهمتهاش وقتها.

والدي سأل:

“الدكتور قال إيه؟”

رديت وأنا بحاول أتماسك:

“عمر مات.”

والدتي انهارت في البكاء.

أما والدي، ففضل واقف ساكت.

لكن سلمى كانت بتسمع كل حاجة.

وبعد دقائق، والدي خرج عشان يتكلم مع الدكتور.

وأمي فضلت معانا.

كنت عايزة أسألها عن كل حاجة، لكني افتكرت كلام سلمى.

“ما تقوليش اللي هحكيهولك لحد ما تعرفي كل الحقيقة.”

فضلت ساكتة.

بعد وقت قصير، سلمى قالت إنها محتاجة تدخل الحمام.

ساعدتها لحد باب الممر، وبعدها رجعت لوحدي.

كنت لسه بفكر في كلامها لما موبايلي اهتز.

رسالة وصلت لي من رقم مش مسجل.

فتحتها.

وكان مكتوب فيها:

“لو عايزة تعرفي الحقيقة عن عمر وسلمى… ما تثقيش في أي حد من عيلتك.”

تجمدت وأنا بقرأ الرسالة مرة تانية.

وبعدها وصلت رسالة تانية:

“عمر ما ماتش بسبب اللي قاله الدكتور.”

وقفت من مكاني.

إيدي بدأت ترتعش.

بصيت ناحية باب الحمام، لكن سلمى ما كانتش خرجت.

رجعت أبص للموبايل.

رسالة ثالثة وصلت:

“أخوكي كان بيحقق في حاجة خطيرة قبل موته… وكان قريب جدًا من اكتشاف الحقيقة.”

رفعت عيني ناحية الممر.

في اللحظة دي، خرجت سلمى.

بصت لي، وقالت:

“وصلتك رسالة؟”

اتصدمت.

قلت:

“إنتِ عرفتي منين؟”

اقتربت مني ببطء.

وقالت:

“لأن الشخص اللي بعتها… هو نفس الشخص اللي كان بيراقب عمر من شهور.”

وقبل ما أسألها مين، سمعنا صوت والدي من آخر الممر:

“ياسمين!”

لفيت بسرعة.

كان واقف بعيد، وملامحه متغيرة.

لكن اللي لفت انتباهي إن في إيده ظرف أبيض.

نظر إلى سلمى.

ثم قال:

“الظرف ده كان عند عمر… ومكتوب عليه اسمك.”

سلمى ما ردتش.

ولأول مرة منذ وفاة أخويا، شفت على وشها خوف حقيقي.

مد والدي الظرف ناحيتي.

“عمر كان موصي إني أسلمهولك بعد وفاته.”

أخذته منه.

وكان على الظرف جملة واحدة بخط أخويا:

“إلى ياسمين… افتحي الظرف لوحدك، ومتصدقيش أي حاجة تسمعيها قبل ما تقري اللي جواه.”

بصيت لسلمى.

ثم لأبي.

وبدأت أفتح الظرف…

لكن أول ورقة ظهرت أمام عيني جعلتني أشعر إن حياتنا كلها كانت مبنية على سر أكبر مما تخيلت.

لأن أول سطر كان مكتوب فيه:

“ياسمين… لو الورقة دي وصلتلك، يبقى أنا غالبًا مش موجود… وسلمى هي الشخص الوحيد اللي لازم تثقي فيه.”

رفعت عيني ناحية سلمى.

وقتها فهمت إن موت عمر لم يكن نهاية الحكاية…

بل كان بداية الحقيقة.

الثالث
فضلت ماسكة الورقة وإيدي بتترعش.

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى