عام

الجزء الاول بقلم محمد عبده

كان صوت المستشفى حواليّ عالي، لكني ما كنتش سامعة غير دقات قلبي.

رفعت عيني ناحية سلمى.

قالت بهدوء:

“اقري يا ياسمين.”

فتحت الورقة بالكامل.

وكان أول سطر واضح جدًا:

“لو بتقري الكلام ده بعد ما أموت، يبقى الخطة اللي كنت بحاول أوقفها فشلت.”

وقفت عند الجملة دي.

إيه الخطة؟

ومين اللي كان عمر بيحاول يوقفه؟

كملت القراءة:

“أول حاجة لازم تعرفيها… أنا ما اتجوزتش سلمى علشان أحميها من الناس.”

بصيت لسلمى.

“أنا اتجوزتها علشان أحمي الحقيقة.”

حسيت إن نفسي اتقطع.

كملت:

“من أول يوم دخلت فيه سلمى حياتنا، وأنا كنت شايف حاجة محدش غيري لاحظها.”

“والدتها ما كانتش شخصًا غريبًا عن عيلتنا.”

بصيت ناحية أمي.

كانت قاعدة بعيد، وعينيها في الأرض.

سألتها:

“ماما… إنتِ تعرفي والدة سلمى؟”

رفعت رأسها بسرعة.

ولثواني، ما قالتش أي كلمة.

ثم قالت:

“مين قالك الكلام ده؟”

ما رديتش.

رجعت أبص للرسالة.

عمر كان كاتب:

“كنت في السابعة لما سلمى جت بيتنا لأول مرة، لكني ما فهمتش الحقيقة وقتها.”

“بعد سنين، وأنا في الجامعة، لقيت صندوق قديم في المخزن.”

“جواه صور ومستندات ورسائل.”

“ومن بين الحاجات دي، لقيت صورة لست شابة شايلة طفلة صغيرة.”

وبعدها كتب:

“الست دي كانت والدة سلمى.”

شهقت من الصدمة.

سلمى كانت واقفة جنبي، وملامحها ثابتة.

قلت لها:

“إنتِ كنتِ عارفة؟”

ردت:

“عرفت جزء من الحقيقة بس.”

كملت قراءة الرسالة.

“اكتشفت إن والدة سلمى كانت بتحاول ترجع بنتها، لكن حد منعها.”

“وفي نفس الفترة، حصلت مشكلة كبيرة بين عيلتنا وعيلتها.”

“أنا بدأت أبحث بهدوء، وكل ما كنت أكتشف حاجة، كنت ألاقي اسم واحد بيتكرر.”

وقفت.

اسم مين؟

قلبت الورقة.

كان فيه سطر واضح:

“اسم أبي.”

رفعت عيني ناحية والدي.

كان واقف عند الباب.

نظر لي، وكأنه فهم إني عرفت.

قلت:

“بابا… إنت كنت تعرف والدة سلمى؟”

ما ردش.

لكن أمي بدأت تبكي.

سلمى اقتربت مني وقالت:

“كملي الرسالة.”

كملت.

“أنا ما كنتش عايز أصدق إن أبي له علاقة بالموضوع.”

“لكن المستندات كانت بتقول إن فيه أوراق اتغيرت، وتوقيعات اتعملت، وحاجات حصلت من غير علم والدة سلمى.”

“والأخطر من كده… إن سبب كل ده ما كانش المال.”

اتوترت.

إذا لم يكن المال، فما السبب؟

قرأت السطر التالي:

“كان فيه شخص عايز يخفي حقيقة تخص ولادة سلمى.”

بصيت لسلمى.

قالت بصوت خافت:

“أنا طول عمري كنت فاكرة إني اتولدت كفيفة… لكن عمر اكتشف إن الموضوع مش بالبساطة دي.”

قلت:

“يعني إيه؟”

سلمى سكتت لحظة.

ثم قالت:

“عمر كان شاكك إن فيه تقرير طبي قديم اتغير.”

رجعت للرسالة.

“وجدت تقريرًا طبيًا قديمًا يؤكد أن حالة سلمى كانت مختلفة عن المعلومات الموجودة في ملفها الرسمي.”

“ولما بدأت أسأل عن الطبيب اللي كتب التقرير… اكتشفت إنه اختفى من المدينة من سنين.”

اتسعت عيناي.

لكن المفاجأة الأكبر كانت في السطر التالي:

“قبل ما أقدر أوصل له، شخص ما عرف إني بدور وبدأ يهددني.”

بدأت أتنفس بسرعة.

عمر كان بيتعرض لضغط طول الوقت، وإحنا ما كناش عارفين.

كملت:

“كنت أقدر أسيب الموضوع كله.”

“كنت أقدر أتجاهل الأوراق وأعيش حياتي بشكل طبيعي.”

“لكن كان فيه سبب واحد خلاني أكمل.”

“سلمى.”

نظرت إليها.

كانت دموعها بتنزل من غير صوت.

عمر كتب:

“سلمى عاشت عمرها كله وهي فاكرة إن أمها تخلت عنها.”

“لكن الحقيقة إن أمها حاولت ترجع لها.”

“أنا ما قدرتش أسمح إن سلمى تكمل حياتها وهي شايلة ذنب حاجة ما عملتهاش.”

ثم كتب جملة جعلتني أتوقف تمامًا:

“أنا اتجوزت سلمى لأن وجودي جنبها كان الطريقة الوحيدة اللي أقدر بيها أحميها من الشخص اللي كان بيحاول يسكت كل واحد يقترب من الحقيقة.”

رفعت رأسي بسرعة.

“يعني جوازكم كان جزء من خطة؟!”

سلمى هزت رأسها.

“في البداية… أيوه.”

اتصدمت.

لكنها أكملت:

“وبعدها، عمر حبني بجد.”

نظرت إليها.

وقالت وهي تبكي:

“الخطة بدأت كحماية… لكن مع الوقت بقت حياة حقيقية.”

وفجأة، دخلت ممرضة وقالت:

“ياسمين، والدتك محتاجة تخرج شوية. حالتها تعبت.”

بصيت لأمي.

كانت بتحاول تخبي وشها.

لكن قبل ما تخرج، وقفت عند الباب وقالت بصوت ضعيف:

“عمر كان لازم يبعد عن الموضوع ده.”

سألتها:

“ليه؟”

ما ردتش.

خرجت.

فضلت أنا وسلمى لوحدنا.

قلت لها:

“إيه اللي حصل لعمر؟”

سلمى مسحت دموعها.

“قبل ما يدخل المستشفى بيوم، عمر قال لي إنه أخيرًا عرف مين كان بيحاول يمنعه.”

قلت بسرعة:

“مين؟”

سلمى فتحت فمها عشان تتكلم…

لكنها توقفت.

وفجأة سمعنا صوت شيء وقع في الممر.

خرجنا بسرعة.

ولقينا والدي واقف عند الباب.

لكن الموبايل اللي كان في إيده وقع على الأرض.

نظر إليّ، ثم قال:

“ياسمين… عمر ما ماتش فجأة زي ما قالوا لك.”

سكت لحظة.

ثم أضاف:

“قبل ما يدخل العملية، قال لي اسم الشخص اللي كان بيخاف منه.”

تقدمت نحوه.

“مين؟”

نظر إلى سلمى.

ثم قال:

“الشخص ده… كان موجود في المستشفى ليلة وفاة عمر.”

سلمى شحبت.

أما أنا، فبدأت أدرك إن الشخص اللي كنا بندور عليه ربما كان أقرب إلينا مما تخيلنا.

لكن أبي قال جملة أخيرة جعلتني أتجمد:

“وأنا شفته بعيني… وهو خارج من غرفة عمر قبل العملية بوقت قصير.”

“مين كان؟”

ظل أبي صامتًا لثوانٍ…

ثم أشار إلى نهاية الممر.

“اسألي والدتك.”
الجزء الرابع
اتجمدت مكاني.

بصيت لأبويا، وبعدها بصيت ناحية أمي اللي كانت واقفة في آخر الممر.

كانت ساكتة تمامًا.

لكن نظرتها كانت كفاية تقول إن فيه حاجة كبيرة مستخبية.

قربت منها بسرعة.

“ماما… بابا بيقول إنك تعرفي مين كان عند عمر قبل العملية. مين الشخص ده؟”

أمي ما ردتش.

قربت منها أكتر وقلت:

“أنا مش هقدر أستحمل أسرار أكتر من كده. عمر مات، وأنا من حقي أعرف الحقيقة.”

أمي غمضت عينيها، ودموعها نزلت.

وبصوت مكسور قالت:

“أنا كنت بحاول أحميكم.”

صرخت:

“تحمينا من إيه؟!”

بصت لسلمى.

وقالت:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى