عام

الجزء الاول بقلم محمد عبده

“من الحقيقة.”

سلمى قربت منها وقالت:

“الحقيقة اللي خلت أمي تختفي؟”

أمي بدأت تبكي أكتر.

“أنا آسفة.”

سلمى ردت:

“أنا مش عايزة اعتذار… أنا عايزة أعرف أمي فين.”

أمي سكتت.

وهنا فهمت إن فيه حاجة أكبر من مجرد أوراق قديمة.

قلت:

“إنتِ تعرفي مكان والدة سلمى؟”

رفعت أمي عيني ناحيتي.

“أيوه.”

سلمى شهقت.

“فين؟!”

أمي ما قدرتش تبص في عينيها.

وقالت:

“في القاهرة.”

ساد الصمت.

سلمى قربت منها وهي بتترعش:

“أمي عايشة؟”

أمي هزت رأسها.

“أيوه… عايشة.”

سلمى بدأت تبكي.

كانت طول عمرها فاكرة إن والدتها اختارت تسيبها.

لكنها اكتشفت فجأة إن أمها كانت عايشة طوال السنوات دي.

قلت:

“ليه محدش قال لها؟!”

أمي ردت بصوت ضعيف:

“لأن والدك كان مقتنع إن ظهورها هيهدم العيلة كلها.”

بصيت لأبويا.

“إنت كنت عارف؟”

قال:

“كنت عارف جزء من الحقيقة.”

سلمى سألت:

“إيه اللي حصل لأمي؟”

أبويا سكت فترة طويلة.

وبعدين قال:

“والدتك كانت شاهدة على حاجة حصلت زمان… حاجة كان لازم تفضل مستخبية.”

قلت:

“إيه الحاجة دي؟”

أبويا بص لسلمى وقال:

“قبل ما تتولدي، كان فيه خلاف كبير بسبب أوراق ملكية أرض.”

سلمى سألت:

“وإيه علاقة أمي بيا؟”

رد:

“أمك اكتشفت إن فيه تزوير في الأوراق، وكانت ناوية تبلغ.”

ثم سكت.

“لكن في نفس الفترة، كنتِ لسه مولودة.”

بدأت أفهم.

كانوا بيحاولوا يمنعوها من الكلام، فتم إبعادها عن بنتها.

لكن السؤال الأهم ظل في رأسي:

“طيب عمر عرف كل ده إزاي؟”

أمي ردت:

“لأنه لقى الرسائل.”

قلت:

“رسائل مين؟”

قالت:

“رسائل أم سلمى.”

ثم أضافت:

“وعمر كان ناوي يرجع كل حاجة لأصحابها.”

في اللحظة دي، افتكرت الورقة اللي في إيدي.

فتحتها بسرعة.

كان فيه جزء تاني من الرسالة ما قرأتوش.

كملت:

“ياسمين، لو وصلتي للنقطة دي، يبقى لازم تعرفي حاجة أخيرة.”

“أنا ما كنتش خايف على نفسي.”

“كنت خايف على سلمى.”

“الشخص اللي بيحاول يوقفني مش عايز فلوس… هو عايز يمنع ظهور المستندات.”

ثم كتب:

“لو حصل لي أي شيء، دوري على الملف الأزرق.”

رفعت رأسي.

“الملف الأزرق؟”

سلمى قالت:

“عمر كان دايمًا بيقول لي إن فيه ملف لازم يفضل بعيد عن البيت.”

سألتها:

“فين؟”

قالت:

“ما أعرفش.”

لكن أمي فجأة قالت:

“أنا أعرف.”

التفتنا لها.

أمي كانت بتبص لنا بخوف.

“عمر سلّمني الملف قبل وفاته بيوم.”

صرخت:

“فينه؟!”

قالت:

“في بيتنا القديم.”

قلت:

“ليه ما قلتيش؟!”

ردت وهي بتبكي:

“لأن عمر طلب مني ما أقولش لأي حد غيرك.”

أبويا قاطعها:

“وكان لازم ندفنه معاه.”

بصيت له بصدمة.

“إنت كنت عايز تدفن الحقيقة مع عمر؟!”

قال:

“كنت عايز أحميكم.”

ردت سلمى:

“أنتوا حميتوا نفسكم… وسيبتوني أعيش عمري كله فاكرة إن أمي رفضتني.”

ما عرفش يرد.

قررنا نرجع للبيت القديم في نفس الليلة.

كنت أنا وسلمى وأمي.

أما أبويا ففضل في المستشفى.

بعد حوالي ساعة، وصلنا البيت القديم.

فتحنا الباب.

كل حاجة كانت زي ما هي.

دخلنا المخزن.

بدأنا نفتش بين الصناديق القديمة.

وبعد دقائق، سلمى لمست صندوق خشبي وقالت:

“هنا.”

استغربت.

“إزاي عرفتي؟”

قالت:

“عمر كان بيحط حاجاته المهمة هنا.”

فتحنا الصندوق.

لكن الملف الأزرق ما كانش موجود.

كان فيه بدلًا منه ظرف صغير.

فتحته.

وجدنا بداخله صورة قديمة.

الصورة كانت لوالدة سلمى وهي تحمل طفلة صغيرة.

وعلى ظهر الصورة مكتوب:

“لو وصلت الصورة دي لعمر، يبقى أنا فشلت في الرجوع لبنتي.”

سلمى انهارت من البكاء.

لكن تحت الصورة كان فيه سطر آخر:

“والشخص اللي منعني من الوصول إليها… ليس والدها.”

رفعت عيني بدهشة.

سألت أمي:

“مين إذن؟”

قبل ما ترد، سمعنا صوت مفتاح بيدور في باب البيت.

حد كان بيدخل.

أمي شحبت.

سلمى أمسكت بذراعي.

قلت:

“مين؟”

أمي همست:

“الشخص الوحيد اللي كان يعرف مكان الملف.”

الباب اتفتح.

وظهر رجل لم أتوقع أبدًا أشوفه هناك.

كان عم عمر.

وقف أمامنا، وبص للصورة في إيدي.

ثم قال بهدوء:

“كان لازم عمر يسيب الموضوع ده من زمان.”

اقترب خطوة.

“دلوقتي بعد ما مات… الدور جه عليكم.”

سلمى أمسكت بيدي.

لكن قبل ما الرجل يكمل كلامه، رن هاتفي.

رقم مجهول.

فتحت المكالمة.

وجاءني صوت رجل أعرفه جيدًا:

“ياسمين… ما تثقيش في عمك.”

اتجمدت.

كان صوت عمر.

أخويا.
الجزء الخامس

فضلت ماسكة الموبايل ومش قادرة أنطق.

الصوت اللي في السماعة كان صوت عمر بدون أي شك.

“ياسمين… اسمعيني كويس.”

بصيت لسلمى، وكانت واقفة جنبي وهي بتترعش.

عم عمر كان لسه واقف قدامنا، ووشه اتغير أول ما سمع صوت أخويا خارج من الموبايل.

قلت:

“عمر؟!”

جاءني صوته:

“أيوه… أنا.”

دموعي نزلت من غير ما أحس.

“إنت فين؟ إحنا قالوا لنا إنك…”

قاطعني:

“عارف.”

ثم سكت لحظة.

“بس الوقت مش في صالحنا.”

بصيت لعم عمر.

كان واقف ثابت، لكن واضح إنه متوتر.

قال عمر:

“ابعدي عن عمّي فورًا.”

عمّي صرخ:

“ما تسمعيش كلامه!”

عمر رد من الهاتف:

“هو عارف أنا بتكلم عن إيه.”

سلمى اقتربت من الموبايل وقالت:

“عمر… أنا سلمى.”

ساد صمت لثوانٍ.

ثم جاء صوته أكثر هدوءًا:

“عارف يا سلمى.”

بدأت سلمى تبكي.

“إنت عايش؟”

قال:

“أيوه.”

وضعت يدي على فمي من شدة الصدمة.

“طب ليه عملت كده؟ ليه خليتنا نصدق إنك مت؟”

رد:

“لأن لو الناس اللي بتدور على الملف عرفت إني عايش، مش هيسيبوا حد فيكم.”

عمّي حاول يقترب مني.

لكنني تراجعت.

قلت:

“إيه اللي حصل في المستشفى؟”

قال عمر:

“اللي حصل كان متخطط له من قبلها.”

ثم أخبرني أن الأزمة الصحية التي تعرض لها كانت حقيقية، لكنه أثناء وجوده في المستشفى اكتشف أن هناك شخصًا يحاول الوصول إلى ملفه ومستنداته.

فقرر أن يختفي بمساعدة شخص يثق به.

وقال:

“أنا ما كنتش عايز أختفي عنكم، لكن كان لازم أخلّيهم يصدقوا إني مش موجود.”

سألته:

“ومين اللي كان بيحاول يوصل للملف؟”

قال:

“مش الشخص اللي قدامك.”

بصيت لعمّي.

عمّي ابتسم بسخرية.

“شايفة؟ هو نفسه مش واثق في كلامه.”

لكن عمر قال:

“عمّي أخطأ في حاجات كتير، لكنه مش الشخص اللي بدأ القصة.”

سألته:

“يبقى مين؟”

صمت عمر.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى