روايات وقصص

قصة روعة بقلم محمد عبده

الجزء الثاني قضيت الليلة كلها تقريبًا جنب سرير ملك. ما كنتش قادرة أنام. كل ما أبص على وشها وهي نايمة، أفتكر كلامها: «كنت لوحدي.» الكلمتين كانوا بيلفوا في دماغي من غير توقف. إزاي أب وأم يسيبوا طفلة عندها خمس سنين لوحدها لمدة يومين؟ وليه محمود ما اتصلش بيها؟ وليه لما عرف إني اكتشفت اللي حصل، أول حاجة فكر فيها كانت البطاقة البنكية؟

الأسئلة كانت كتير.
لكن كان فيه سؤال واحد أهم من كل دول:
محمود كان فين فعلًا؟
الساعة كانت قربت من الفجر لما فتحت موبايلي.
لقيت رسالة من محمود:
—«متكبريش الموضوع. أنا كنت مضطر أسافر يومين، وكنت فاكر إن داليا هتعدي على ملك.»
قريت الرسالة أكتر من مرة.
«كنت فاكر إن داليا هتعدي.»
يعني هو حتى ما اتأكدش إنها وصلت؟
ما اتصلش؟
ما سألش؟
ولا شاف إن طفلة عندها خمس سنين محتاجة حد معاها؟
اتصلت بداليا.
الموبايل كان مقفول.
اتصلت تاني بعد عشر دقائق.
مفيش رد.
في الصباح، أول ما ملك فتحت عينيها، سألتني:
—ماما… بابا هييجي؟
مسكت إيدها.
—مش دلوقتي يا حبيبتي.
سكتت شوية، وبعدين سألت:
—هو زعلان مني؟
قلبي اتقبض.
—ليه يكون زعلان منك؟
ملك بصتلي، وقالت:
—عشان كسرت الكوباية.
—إمتى؟
سكتت.
وبعدها قالت:
—قبل ما يمشي.
سألتها:
—بابا قالك إيه؟
بدأت تلعب في طرف البطانية.
—قال لي لو قلتلك إنه سابني لوحدي، هيزعل.
اتجمدت مكاني.
يعني محمود كان عارف إنه سايبها لوحدها.
وكان عارف إنها ممكن تحكيلي.
ومع ذلك سابها.
قربت منها وقلت:
—ملك، بابا قالك حاجة تانية؟
هزت راسها.
—قال إن البيت مش بتاعنا.
وقتها حسيت إن فيه حاجة مش طبيعية.
سألتها:
—يعني إيه مش بتاعنا؟
قالت ببساطة:
—قال إن ناس تانية هتعيش فيه.
قلبي دق بسرعة.
ناس تانية؟
ما سألتهاش أكتر.
ما كنتش عايزة أخوفها.
لكن الجملة دي خلتني أفتكر حاجة حصلت قبل سفري بأيام.
محمود كان بيسألني بشكل متكرر عن أوراق البيت.
مرة قال:
—إنتِ مخبية عقد الملكية فين؟
ضحكت وقتها وقلت له:
—ليه؟ ناوي تبيعه من ورايا؟
ضحك وقال:
—لا يا ستي، بس بسأل.
وقتها ما اهتمتش.
دلوقتي الموضوع بقى مختلف.
بعد الظهر، خرجت من المستشفى واتجهت للبنك.
ما كنتش عايزة أواجه محمود.
كنت عايزة أعرف الحقيقة من الأرقام والأوراق.
دخلت البنك وطلبت كشف حساب كامل للحساب اللي كانت مرتبطة بيه البطاقة الإضافية.
الموظف بص في الشاشة.
وبعدين بصلي.
—حضرتك متأكدة إنك عايزة كل العمليات؟
—أيوه.
طبعلي كشف حساب طويل.
أول كام عملية كانوا طبيعيين.
أكل.
صيدلية.
مستلزمات مدرسية.
وبعدين بدأت العمليات الغريبة.
سحوبات بمبالغ كبيرة.
تحويلات.
مدفوعات لمكاتب محاماة.
ورسوم لمكتب عقاري.
وفي عملية واحدة…
فضلت أبص عليها من غير ما أصدق.
دفعة مقدمة لشراء عقار.
العقار مش باسمي.
ولا باسم محمود.
ولا حتى باسم داليا.
كان باسم شركة.
شركة النور للتطوير العقاري.
اتسندت على الكرسي.
مين دفع المبلغ ده؟
وليه من الحساب اللي أنا قلت بوضوح إن فلوسه مخصصة لملك؟
طلبت من الموظف تفاصيل العملية.
قال:
—التحويل تم إلكترونيًا من خلال الخدمة البنكية.
—مين نفذه؟
—العملية تمت من جهاز مسجل على الحساب.
قلت:
—والجهاز ده فين؟
فتح الشاشة.
وبعد ثواني قال:
—القاهرة.
أنا كنت في شمال مصر وقتها.
ومحمود كان المفروض موجود في البيت.
يعني حد دخل على حسابي من القاهرة.
وحد استخدم أموالي.
وحد كان بيجهز لشراء عقار.
خرجت من البنك وأنا حاسة إن الأرض مش ثابتة تحت رجلي.
لكن المفاجأة ما كانتش هنا.
المفاجأة الحقيقية ظهرت لما رجعت البيت.
كان فيه عربية سوداء واقفة قدام البوابة.
رجل في الأربعينات نزل منها، ولما شافني اتوتر.
قال:
—حضرتك الدكتورة سارة؟
—أيوه.
—أنا محامي.
—محامي مين؟
بص حواليه.
وبعدين قال:
—الأستاذ محمود طلب مني أقابلك.
ضحكت بسخرية.
—غريبة… جوزي مسافر، وباعث محامي يقابلني بدل ما يتصل بيا؟
مد إيده بملف.
—الموضوع بخصوص البيت.
فتحت الملف.
أول ورقة كانت نسخة من عقد.
قلبي اتوقف.
عقد بيع مبدئي للبيت.
والتاريخ كان قبل سفري بأسبوع.
بصيت للمحامي.
—إيه ده؟
قال:
—الأستاذ محمود وقع اتفاق مبدئي.
—هو يملك البيت؟
سكت.
—جاوبني.
قال بصوت منخفض:
—هو قال إن الملكية مشتركة بينكم.
ضحكت.
لكن المرة دي ما كانتش ضحكة فرح.
كانت ضحكة واحدة اكتشفت فجأة إن الشخص اللي عاشت معاه سنين…
كان بيبني كذبة كاملة.
طلعت موبايلي، وفتحت صورة عقد الملكية الأصلي اللي كان عندي.
حطيته قدامه.
—اقرأ ده.
قراه.
وبعدها تغير لون وشه.
—ده… معناه إن—
قاطعته:
—معناه إن محمود ما يملكش البيت.
سكت.
قلت:
—ومعناه كمان إن العقد اللي معاك ملوش قيمة من غير توقيعي.
هز راسه ببطء.
لكن قبل ما يمشي، سألته:
—مين المشتري؟
تردد.
—مين؟
قال:
—شركة اسمها مجموعة الأفق.
—مين أصحابها؟
ما ردش.
فبصيت في عينه وقلت:
—لو مش هتجاوبني، هعرف بنفسي.
بدأ يمشي.
لكن قبل ما يركب عربيته، رجع وقال:
—دكتورة سارة… لو مكانك، ما كنتش هواجه محمود دلوقتي.
بصيتله.
—ليه؟
قال:
—لأن الموضوع أكبر من بيع بيت.
وبعدها ركب عربيته ومشي.
فضلت واقفة مكاني.
أكبر من بيع بيت؟
دخلت البيت وقفلت الباب.
طلعت لغرفة المكتب.
بدأت أفتش في الأدراج.
ولأول مرة، ما كنتش بدور على حاجة تخصني.
كنت بدور على حاجة تثبت إن شكوكي صح.
فتحت درج محمود.
فواتير.
إيصالات.
أوراق قديمة.
وبعدين لقيت ظرف بني كبير.
جواه صور لمستندات.
وفي وسط الأوراق لقيت نسخة من عقد شراكة.
الاسم الأول كان اسم محمود.
والاسم الثاني…
اسم داليا.
لكن ده ما كانش كل شيء.
في آخر الورقة كان فيه اسم ثالث.
اسم ما عمري ما سمعته في حياتي.
طارق منصور.
وتحت الاسم كان مكتوب:
المدير التنفيذي لشركة الأفق.
فضلت أبص للورقة.
وفجأة فهمت إن داليا ما كانتش مجرد أخت بتساعد محمود.
كانت شريكته.
وفي نفس اللحظة…
سمعت صوت مفتاح بيدخل في باب البيت.
محمود رجع.
لكن المرة دي…
أنا كنت مستعدة.
حطيت الأوراق مكانها.
وقعدت في الصالة كأني ما شفتش أي حاجة.
فتح الباب.
دخل محمود بشنطة سفر.
كان فعلًا متسمّر من الشمس، ووشه هادي جدًا.
بصلي.
اتصنع الدهشة.
—سارة؟!
قلت:
—مفاجأة.
ابتسم.
—إنتِ رجعتي إمتى؟
بصيت في عينه وقلت:
—من يومين.
اتوتر للحظة.
ثم سأل:
—وملك؟
قلت:
—في المستشفى.
وشه اتغير.
لكن بدل ما يسأل عن حالتها، قال:
—وإنتِ عملتي إيه في البطاقة؟
ابتسمت بهدوء.
—لسه.
قرب مني.
—سارة، لازم نتكلم.
قلت:
—أكيد.
وسكت شوية.
ثم سألني:
—إنتِ عارفة إيه؟
ابتسمت.
—ولا حاجة.
لكن في داخلي كنت عارفة إن المعركة بدأت.
والمرة الجاية… مش هكون أنا اللي بدافع عن نفسي.
هخليه هو اللي يشرح.
لأن عندي الآن عقد البيت، وكشف الحساب، واسم الشركة، واسم شريكته…
لكن لسه ما كنتش عارفة أخطر حاجة:
ليه كانوا محتاجين البيت تحديدًا؟
والإجابة على السؤال ده كانت هتكشف سرًا أخطر من الفلوس نفسها.
يتبع…
الجزء الثالث
محمود قعد قدامي وهو بيحاول يظهر إنه هادي.
لكن أنا كنت مركزة في كل حركة بيعملها.
طريقة إيده وهو بيفك ساعة إيده.
نظراته اللي كانت بتتحرك بسرعة.
حتى ابتسامته المصطنعة.
قال:
—إنتِ رجعتي بدري ليه؟ حصلت مشكلة في المهمة؟
قلت:
—المهمة خلصت.
—طب ليه ما بلغتيشني؟
ابتسمت.
—كنت عايزة أفاجئك.
سكت.
وبعدين سأل:
—وملك؟
رديت بهدوء:
—لسه في المستشفى.
خفض عينه للأرض.
ثواني قليلة فقط.
ثم قال:
—أكيد هتبقى كويسة.
بصيت له.
—أكيد.
وبعدين سألته:
—إنت كنت فين؟
—قلتلك… كنت في إسكندرية.
—ليه؟
—شغل.
—إيه الشغل؟
بدأ يتوتر.
—سارة، مش وقت تحقيق.
ضحكت بهدوء.
—عندك حق.
وسكت.

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى