
الجزء الثاني والاخير نكمل من اللحظة اللي وقفت عندها أبويا بصلي مستغرب. «يعني إيه القهوة موجودة؟»
رديت بهدوء: «يعني تقدر تعملها لنفسك.» فضل واقف مكانيه. أنا كنت مستنية الانفجار. لكن الغريب إنه ما انفجرش. بس ضحك ضحكة قصيرة وقال: «إنتِ فاكرة إنك بقيتي حد مهم عشان اتخرجتي؟» حطيت السكر في فنجاني.
«لأ.»
«أمال؟»
«أنا بس بطلت أعمل حاجات مش مسؤوليتي.»
دخلت أمي المطبخ وهي لابسة روب البيت.
«في إيه؟»
أبويا أشار لي.
«بنتك مش عايزة تعمل القهوة.»
أمي بصتلي.
«مايا، اعمليها وخلاص. أبوكي نازل الشغل.»
قلت:
«وأنا كمان عندي شغل.»
«إنتِ لسه ما لقيتيش شغل.»
بصيت لها.
«أنا عندي شغل من سنتين.»
سكتت.
أبويا قال:
«شغل الكافيه يعني؟»
«وشغل المحاسبة.»
«ده مش شغل بجد.»
ابتسمت.
«تمام.»
أخدت شنطتي.
وقبل ما أخرج، أمي نادتني:
«إنتِ رايحة فين؟»
«الشغل.»
«والغدا؟»
«مش هقدر أعمله النهارده.»
أبويا ضحك بسخرية.
«هترجعي.»
بصيت له.
«ممكن.»
«ممكن؟»
«أيوه.»
وبعدين خرجت.
أول مرة في حياتي أخرج من البيت من غير ما أكون شايلة قائمة طلبات في إيدي.
ركبت المترو ناحية وسط البلد.
كان عندي شغلانة المحاسبة في مكتب صغير في شارع قصر النيل.
لكن قبل ما أوصل، رن موبايلي.
أمي.
رفضت المكالمة.
بعدها بثواني رسالة.
«إنتِ زعلانة مننا؟»
ما رديتش.
رسالة تانية.
«أبوكي عصبي شوية بس إنتِ عارفة قلبه.»
قفلت الشاشة.
بعد دقيقة، وصلتني رسالة من سارة.
«على فكرة محتاجة منك تدفعيلي رسوم تجديد الرخصة النهارده.»
بصيت للرسالة.
ضحكت.
مش لأنها مضحكة.
لكن لأنهم لسه مش فاهمين.
كتبت:
«لا.»
ثلاث حروف.
وأرسلتها.
جالي رد بعد ثواني.
«لا إيه؟»
«مش هدفع.»
«إنتِ بتهزري؟»
«لأ.»
«إنتِ أختي.»
«عارفة.»
«يعني المفروض تساعديني.»
كتبت:
«ساعدي نفسك.»
وسبت الموبايل.
وصلت المكتب.
مديري، الأستاذ سامح، كان واقف جنب مكتبي.
«مايا، كنت مستنيكي.»
«في مشكلة؟»
«لا. بالعكس.»
طلع ملف من على المكتب.
«العميل الكبير وافق على العقد الجديد.»
فتحت الملف.
كان عقد محاسبة لشركة مقاولات متوسطة.
«وده هيكون شغلك الأساسي من الشهر الجاي.»
بصيت له.
«يعني؟»
«يعني بدل ما تشتغلي بالساعات، هتشتغلي معانا بدوام كامل.»
حسيت بحاجة غريبة في صدري.
«والمرتب؟»
قال رقمًا جعلني أسكت لثواني.
كان تقريبًا ضعف اللي كنت باخده.
«لو موافقة، هنبدأ أول الشهر.»
مسكت القلم.
ووقعت.
بعدها مباشرة رن موبايلي.
أمي مرة تانية.
رفضت.
وبعدها جت رسالة.
«إنتِ لازم ترجعي البيت بعد الشغل. عندنا موضوع مهم.»
ما اهتمتش.
كنت لأول مرة بعيش يومًا كاملًا من غير ما أكون مشغولة بإرضاء حد.
لكن الساعة 6:17 مساءً، وأنا خارجة من المكتب، لقيت 9 مكالمات فائتة.
كلهم من أبويا.
فتحت آخر رسالة.
«ارجعي البيت فورًا.»
مفيش شرح.
مفيش طلب.
أمر.
رجعت البيت الساعة 7:10.
أول ما فتحت الباب، عرفت إن فيه حاجة غلط.
أمي وأبويا كانوا قاعدين في الصالة.
وسارة كانت واقفة جنبهم.
والتلاتة كانوا مستنييني.
أبويا قال:
«اقفلي الباب.»
قفلت الباب.
«في إيه؟»
حط ورقة قدامه على الترابيزة.
«إنتِ وقّفتي الدفع؟»
بصيت للورقة.
كانت فاتورة الإنترنت.
«أيوه.»
«ليه؟»
«لأن الإنترنت مش باسمي.»
«بس إحنا بنستخدمه كلنا.»
«وأنا كنت بدفعه لوحدي.»
أمي تدخلت:
«يعني هتقطعي الإنترنت عن بيتك؟»
«ده مش بيتي لوحدي.»
أبويا ضرب بإيده على الترابيزة.
«إنتِ بتلعبي بالنار.»
بصيت له بهدوء.
«أنا مش بلعب.»
سارة قالت:
«بصي، أنا مش فاهمة إيه اللي حصل لك من يوم السبت.»
رديت:
«أنا فهمت حاجة.»
«إيه؟»
«إني كنت بعمل دور مش دوري.»
أمي قالت:
«إحنا عيلتك.»
«وعشان كده أنا ساعدتكم.»
«وهنفضل عيلتك.»
«وأنا مش قلت غير كده.»
أبويا وقف.
«يبقى ترجعي كل حاجة زي ما كانت.»
«لأ.»
الصمت نزل على الصالة.
سارة بصت لأمي.
أمي بصت لأبويا.
أبويا قال:
«إنتِ نسيتي مين اللي رباكي؟»
«لأ.»
«مين اللي أكلِك وشربك؟»
«عارفة.»
«مين اللي سمحلك تعيشي هنا؟»
«وكنت بدفع مقابل ده.»
«ده واجبك.»
بصيت له.
«طيب… مساعدتي ليكم كانت واجبي برضه؟»
ما ردش.
طلعت موبايلي.
فتحت القائمة اللي عملتها.
«فاتورة الكهرباء… أنا اللي بدفعها.»
قلبت الشاشة.
«الإنترنت… أنا.»
«التأمين… أنا.»
«أوراق العيادة… أنا.»
«حساب المرور… أنا.»
«تجديد ترخيص سارة… أنا.»
سارة قاطعتني:
«ما تكبريش الموضوع.»
«أنا مش بكبره. أنا بس بقول مين كان بيعمل إيه.»
أبويا قال:
«يعني عايزة فلوسك؟»
هزيت رأسي.
«لا.»
«أمال عايزة إيه؟»
«ولا حاجة.»
استغرب.
«ولا حاجة؟»
«عايزة كل واحد يتحمل مسؤولية نفسه.»
سارة ضحكت.
«دي مش هتحصل.»
بصيت لها.
«هتحصل.»
في اللحظة دي، جرس الباب رن.
أبويا فتح.
كان مندوب من شركة الكهرباء.
قال:
«مساء الخير. فيه متأخرات على العداد.»
أبويا بص له باستغراب.
«متأخرات؟»
المندوب قال:
«أيوه، الدفع كان باسم الآنسة مايا، وهي قدمت طلب إيقاف الخدمة من الحساب الشخصي.»
أبويا لف وبصلي.
أمي شهقت.
«إنتِ عملتي إيه؟»
قلت:
«أنا ما قطعتش كهربا البيت.»
المندوب وضح:




