روايات وقصص

الجزء الرابع والاخير

الجزء الرابع والأخير: بعد 10 أيام… عيلتي كلها رجعت تتوسل ليا!

فضلت باصة للموبايل، مش قادرة أصدق الصورة اللي وصلتني.

كانت صورة لرسالة إلكترونية بين جاسر وشخص تاني، ومعاها مستندات تخص شركات عمر، وتحويلات مالية محتاجة تفسير.

لكن اللي صدمني فعلًا كان اسم الشخص الموجود في الرسالة.

أبويا… الحاج محمود.

الرجل اللي رباني، واللي كنت فاكرة إنه مهما حصل مش ممكن يبيع بنته أو يعرّض حفيدته للخطر.

الرسالة كانت بتوضح إن أبويا كان على علم بمحاولات نقل بعض الصلاحيات المالية، وإنه وافق على مساعدة جاسر في ترتيب أمور الرحلة.

أما الجملة اللي كانت تحت الرسالة، فكانت أقسى من أي حاجة قرأتها قبل كده:

«بعد ما نسيب مريم في المكان ده، مش هيكون عندها أي وسيلة تتواصل بيها مع حد. هنكسب وقت كفاية نخلّص الإجراءات، وبعدها نقدر نقول إنها اختارت تبعد عن العيلة بنفسها».

حسيت إن نفسي اتسحب من صدري.

هما مش بس سابوني أنا وبنتي في الغابة.

هما كانوا عايزين يستغلوا غيابنا علشان يفرضوا أمرًا واقعًا في الشركات، ويخلّوا الناس تصدق إني أنا اللي انسحبت من حياتي القديمة بإرادتي.

اتصلت بالأستاذ فؤاد فورًا، وبعتله الصور والرسائل اللي وصلتني.

قال لي:

— يا مريم، احتفظي بكل حاجة زي ما هي. متحاوليش تتواصلي معاهم أو تواجهيهم بنفسك. هنراجع المستندات، وهنسلّم الأدلة للجهات المختصة علشان يتم التحقيق بصورة قانونية.

لأول مرة من بداية الكابوس، حسيت إن فيه حد بيساعدني من غير ما يطلب مني مقابل.

لكن كان عندي سؤال واحد مكنتش قادرة أتجاهله.

إزاي أبويا قدر يعمل كده؟

الحقيقة اللي ظهرت بعد اختفائنا

بعد ما خرجت أنا وليلى من الغابة، تم نقلنا لمكان آمن، وبدأت الجهات المختصة تجمع المعلومات عن ظروف اختفائنا.

كنت محتاجة أرتاح، وأطمن على بنتي، لكنني كنت عارفة إن الموضوع مش هينتهي بمجرد إننا رجعنا سالمين.

كان لازم أعرف الحقيقة كاملة.

خلال الأيام التالية، ظهرت معلومات مهمة من مراجعة حسابات الشركة، ومن الرسائل والمستندات اللي تم تسليمها للتحقيق.

اتضح إن فيه خلافات مالية قديمة، وإن جاسر كان بيحاول يحصل على صلاحيات أوسع داخل الشركة، رغم إنني رفضت التوقيع على أي تفويض يسمح له بالتصرف في ممتلكاتي.

وكانت فيه مستندات تحمل توقيعًا منسوبًا لي، ولم أكن قد وقّعتها.

أما التحويلات المالية، فكانت محل مراجعة للتحقق من أسبابها والمسؤولين عنها.

لكن المفاجأة الأكبر ظهرت لما تم فحص الرسائل المرتبطة بترتيب رحلة التخييم.

الرسائل أظهرت إن الرحلة لم تكن مجرد نزهة عائلية عادية، وإن فكرة جمع الموبايلات في صندوق واحد كانت مقصودة.

كان الهدف حرماننا من التواصل مع أي حد خلال فترة وجودنا هناك.

ولما سأل المحققون عن الورقة اللي سابها جاسر على الترابيزة، قدمتها باعتبارها جزءًا من الأدلة.

احتفظوا بها، وبدأوا يفحصوا الخط والظروف المحيطة بكتابتها.

لكنني لم أكن محتاجة تقريرًا علشان أعرف مين كتبها.

كنت أعرف خط أخويا من وأنا طفلة.

كنت أعرف طريقته في كتابة الحروف، وعنفه في رسم الشرطات، وحتى الطريقة اللي كان بيضغط بيها بالقلم على الورق.

كل ده كان جزءًا من ذاكرة سنين طويلة.

والأصعب إن الشخص اللي كتب لي «ثقي فيّا» كان هو نفسه اللي حرمني من أبسط وسائل الأمان.

اليوم العاشر… الباب اللي اتفتح على مفاجأة

بعد عشرة أيام من الليلة اللي اتسابنا فيها وسط الغابة، كنت قاعدة في بيت مؤقت آمن مع ليلى.

كانت بنتي بدأت تستعيد هدوءها، لكنني لاحظت إنها بقت بتخاف كل ما حد يقول إنه هيسافر أو يخرج من البيت.

في صباح اليوم العاشر، كنت بجهز لها الفطار لما سمعت صوت عربيات بتقف قدام المكان.

بصيت من الشباك.

اتجمدت مكاني.

عربية أبويا.

وعربية جاسر.

وعربية تالتة كانت فيها أمي ونهى.

كلهم رجعوا.

بعد عشرة أيام كاملة، ظهروا قدامي وكأنهم جايين من رحلة عادية، مش من واقعة ترك أم وطفلة في مكان معزول.

سمعت خبطًا على الباب.

فتحت، لكنني وقفت عند العتبة، ومنعتهم من الدخول.

أمي كانت أول واحدة تتكلم.

— مريم يا بنتي، الحمد لله إنك بخير!

مدّت إيديها علشان تحضني، لكنني رجعت خطوة لورا.

قلت بهدوء:

— إنتوا جايين هنا ليه؟

أبويا حاول يتكلم بنبرة الأب الحنون.

— إحنا عارفين إن اللي حصل كان غلط، وإننا خوّفناكي. بس إحنا عيلتك، ومهما حصل لازم نفضل مع بعض.

بصيتله طويلًا.

— عيلتي؟

الكلمة خرجت من فمي كأنني بتذوقها لأول مرة.

— العيلة هي اللي بتسيب طفلة عندها عشر سنين من غير أكل كفاية ولا تليفون ولا وسيلة تطلب بيها المساعدة؟ العيلة هي اللي تمشي بعربياتها وخيامها وتسيبنا وسط الغابة، من غير حتى ما تتأكد إننا هنقدر نعيش لحد ما حد يلاقينا؟

أمي بدأت تبكي.

— والله يا بنتي، الموضوع مكنش المفروض يوصل لكده.

سألتها:

— أمال كان المفروض يوصل لإيه يا أمي؟ كنتوا مستنيين إيه يحصل لنا؟

محدش رد.

جاسر تقدم خطوة، ووشه كان شاحبًا.

— مريم، اسمعيني. الموضوع خرج عن السيطرة. إحنا كنا عايزينك تهدي وتبعدي شوية عن المشاكل، لكن محدش كان عايز يأذيكي.

بصيتله في عينيه.

— عايزني أصدق إنك أخدت كل العربيات والأكل والتليفونات، وسيبتني أنا وبنتي في الغابة، علشان تساعدني أهدى؟

نزل عينيه للأرض.

قلت:

— إنت كتبت بنفسك: «ده ضروري علشان نبدأ من جديد». قولي بقى، مين اللي كان المفروض يبدأ من جديد؟ أنا؟ ولا إنت؟

نهى كانت واقفة ورا جاسر، بتفرك إيديها بعصبية.

أما أبويا، فكان بيبص ناحية الطريق، كأنه مستني حد يظهر.

وفجأة، جاسر قال الجملة اللي كشفت لي السبب الحقيقي لزيارتهم:

— مريم، لازم تساعدينا قبل ما الموضوع يكبر أكتر. المحامي جمّد الإجراءات، والشركة واقفة، وفيه تحقيقات بدأت. إحنا ممكن نخسر كل حاجة.

ساعتها فهمت.

هما مرجعوش علشاني. رجعوا علشان ينقذوا نفسهم.

مكنش أول سؤال سألوني عنه هو إذا كانت ليلى لسه بتصحى من النوم مفزوعة.

ولا إذا كنت أنا قدرت أنام بعد اللي حصل.

ولا إذا كنا محتاجين علاجًا أو مساعدة.

كل اللي شاغلهم كان الشركة والفلوس والتحقيق.

قلت له:

— إنتوا فاكرين إنني هساعدكم بعد كل اللي عملتوه؟

جاسر رد بسرعة:

— إحنا إخوات، ومهما حصل، لازم نقف جنب بعض.

ضحكت بمرارة.

— لما كنت محتاجة أخويا، سابني في الغابة. ولما بنتكلم عن الفلوس، فجأة افتكرت إننا إخوات؟

في اللحظة دي، ظهرت ليلى ورايا.

كانت ماسكة دبدوبها الصغير، وبصت لأمي وأبويا.

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى