روايات وقصص

القصة كاملة

الجزء الثاني: الظرف اللي قلب الطاولة على أمي وأختي وقفت وسط الصالة، وبنتي نور مستخبية ورايا، وعيونها مليانة دموع، وهي بتبص على بقايا الكمان اللي كانت بتحلم تتعلم تتعلم تعزف عليه.
أما سالي، فكانت لسه ماسكة المضرب، وبتقول بنبرة ساخرة:

— إيه يا مريم؟ هتفضلي باصة لي كده كتير؟ ما هو مش كل حاجة تتجاب بالفلوس! يمكن المرة دي بنتك تتعلم إن مش كل اللي نفسها فيه لازم يبقى معاها.
أمي نادية هزّت راسها موافقة، وأضافت:
— أختك عندها حق. إنتِ اللي عودتي بنتك على الدلع، وكل ما تطلب حاجة تجيبيها لها. لازم تتعلموا إن مش كل الناس عايشة في نفس مستواكم.
بصّيت لها، وسألتها بهدوء:
— يعني إنتِ شايفة إن تكسير حاجة بنت عندها ست سنين قدام عينيها تصرف طبيعي؟
ردت أمي من غير تردد:
— لو كانت الحاجة دي سبب في إنها تتكبر على بنت خالتها، يبقى يمكن اللي حصل يكون درس مفيد ليها.
في اللحظة دي، نور شدت طرف بلوزتي، وهمست بصوت صغير:
— ماما، هو أنا عملت حاجة وحشة؟ هو عشان أنا كنت فرحانة بالكمان، طنط سالي كسرته؟
قلبي اتقبض.
نزلت لمستواها، ومسحت دموعها، وقلت لها:
— لأ يا حبيبتي، إنتِ ما عملتيش أي حاجة غلط. ومفيش حد من حقه يكسّر حاجة تخصك أو يخوفك لمجرد إنه مش عاجبه إنك فرحانة.
وبعدين قومت، ومشيت ناحية بقايا الكمان.
سالي افتكرت إني هبدأ ألمّ القطع وأنا بعيط، أو إني هترجاها تعتذر لبنتي.
لكن اللي عملته كان مختلف تمامًا.
انحنيت، وبدأت أفتش بين قطع العلبة والخشب المتناثر، لحد ما لقيت ظرفًا أبيض سميكًا، كان واقع تحت قطعة من القماش المبطن.
الظرف كان سليمًا.
طلعته، ونفضت عنه التراب، وبصّيت على اسمه المكتوب بخط أنيق.
وبعدين رفعت عيني ناحية أمي وأختي.
قلت:
— قبل ما حد فيكم يقرر مين الغلطان، أعتقد إن من حقكم تعرفوا الكمان ده كان لمين أصلًا.
سالي ضحكت.
— لمين يعني؟ مش لبنتك؟ ما إحنا عارفين!
هزّيت راسي وقلت:
— أيوه، كان لبنتي. لكن إنتِ مش عارفة مين اللي اختاره، ولا ليه اختاره، ولا إيه اللي مكتوب في الظرف ده.
مدّت سالي إيدها ناحيتي.
— هاتي أشوف!
سحبت الظرف بعيد عنها.
— لأ. الأول هقرأ اللي مكتوب فيه.
فتحت الظرف بحرص، وطلعت منه ورقة رسمية، عليها ختم الشركة المصنّعة وتوقيع صاحبها.
أول ما بدأت أقرأ، اختفت ابتسامة سالي تدريجيًا.
أما أمي، ففضلت باصة لي بقلق، وكأنها بدأت تحس إن الموضوع أكبر من مجرد كمان اتكسر.
قلت بصوت واضح:
— الكمان ده مش مجرد آلة موسيقية غالية. ده قطعة مصنوعة مخصوص، واختارها صاحب واحدة من أعرق ورش صناعة الآلات الموسيقية في أوروبا، عشان تتقدم لبنتي نور هدية.
سالي رفعت كتفها باستهانة.
— يعني إيه؟ في الآخر كمان، واتكسر. اشتري غيره وخلاص.
بصّيت لها وقلت:
— إنتِ مستعجلة أوي في الحكم. لسه ما سمعتِيش باقي الكلام.
رجعت أبص للورقة، وقرأت السطور اللي بعدها.
كان مكتوب إن الكمان اتصنع بعناية خاصة، وإنه اتختار من مجموعة محدودة من الآلات اللي بيصنعها الحرفيون يدويًا، وإن الهدية اتقدمت لنور تقديرًا لموهبتها الموسيقية المبكرة.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت في آخر الورقة.
كان فيه شرط واضح بخصوص الحفاظ على الآلة، وتوثيق حالتها، والإبلاغ عن أي تلف متعمد يلحق بيها.
رفعت عيني ناحية سالي.
— عارفة إيه اللي يخلّي الموضوع أخطر من تمن الكمان؟
سخرت وقالت:
— يا سلام! هو طلع مصنوع من الدهب يعني؟
ما رديتش على سخريتها.
حطيت الورقة فوق الترابيزة، وطلعت من جيبي هاتفي.
أمي اتوترت وسألتني:
— إنتِ بتعملي إيه يا مريم؟
قلت:
— هوريكم حاجة.
فتحت تسجيلًا محفوظًا على الهاتف، ورفعت الصوت.
في البداية، ظهر صوت سالي وهي بتتكلم بعصبية، قبل ما تضرب الكمان.
وبعدين جه صوت أمي واضحًا، وهي بتقول:

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى