
الجزء الثاني الرسائل التي قلبت حفل الزفاف ظل ياسر ممسكًا بيدي، لكنه لم يعد ينظر إليّ. كانت عيناه تتحركان بين الضيوف ووالدته. ثم اهتز هاتفه. نظر إلى الشاشة. وتجمد. —ما هذا؟ —همس. لم أجب. فتح الرسالة. كانت تحتوي على ملف مرفق. ثم ظهر اسم أحد أعضاء مجلس إدارة مؤسسة المنشاوي.
رفع الرجل رأسه ونظر مباشرة إلى نوال.
—هل هذا صحيح؟
لم تتحرك نوال من مكانها.
—لا أعرف عمّا تتحدث.
قال الرجل:
—التحويلات المالية؟
ساد الصمت.
لم يعد أحد يهتم بفستاني.
كل الأنظار اتجهت نحو الصف الأول.
اقترب ياسر مني.
—سلمى، ماذا فعلتِ؟
ابتسمت بهدوء.
—أنا؟ لم أفعل شيئًا.
—إذن لماذا وصلت هذه الملفات إلى أعضاء مجلس الإدارة؟
نظرت إليه طويلًا.
—لأنني لم أعد أريد أن أكون المرأة التي تصمت حتى لا تخسر عائلتها.
اتسعت عيناه.
—أي ملفات؟
قبل أن أجيبه، وقف رجل آخر من أعضاء مجلس الإدارة.
كان الدكتور سامح فؤاد، أحد أقدم أصدقاء والد ياسر.
قال بصوت مرتفع:
—نوال، أريد تفسيرًا الآن.
نهضت نوال ببطء.
كانت لا تزال تحاول المحافظة على هدوئها.
—سامح، هذا سوء فهم.
—سوء فهم؟
رفع هاتفه.
—هناك عشرات المستندات أمامي.
ثم نظر إلى بقية أعضاء المجلس.
—والأخطر أن المستندات تحمل توقيعات وتحويلات مالية باسم المؤسسة.
بدأت الهمسات تنتشر بين المدعوين.
شعرت نورهان تمسك بذراعي من الخلف.
همست:
—سلمى… ماذا فعلتِ؟
قلت دون أن أنظر إليها:
—بدأت فقط.
في تلك اللحظة اقترب مني والدي.
—ابنتي، هل كنتِ تعرفين أن هذا سيحدث؟
نظرت إليه.
—كنت أعرف أن الحقيقة ستظهر.
—لكن لماذا اليوم؟
ابتسمت بحزن.
—لأنهم اختاروا اليوم ليهينوني أمام الجميع.
وقبل أن يكمل والدي كلامه، صرخ ياسر:
—كفى!
التفت الجميع إليه.
كان وجهه متوترًا.
—هذه حفلة زفافي، وليس اجتماعًا لمجلس الإدارة!
قال الدكتور سامح:
—بل أصبحت اجتماعًا للمجلس عندما ظهرت مستندات تتعلق بأموال المؤسسة.
صرخت نوال:
—هذه مؤامرة!
ثم أشارت إليّ.
—هي من فعلت هذا! منذ البداية وهي تحاول الانتقام مني.
ضحك أحد الحاضرين بسخرية.
—الانتقام؟
نظر إلى فستاني.
—أعتقد أن من يجب أن يشرح ما حدث للفستان أولًا هو أنتِ.
ساد الصمت.
لأول مرة فقدت نوال السيطرة على تعبير وجهها.
اقتربت منها.
لم أرفع صوتي.
قلت:
—لماذا أزلتم طرحة أمي قبل إفساد الفستان؟
تجمدت.
لاحظت ذلك.
كان مجرد جزء من الثانية.
لكنني رأيته.
ياسر أيضًا رآه.
التفت إليها.
—أمي… ماذا تقصد سلمى؟
—لا شيء.
—هل كنتِ في جناح العروس؟
—بالطبع لا!
قلت بهدوء:
—إذن كيف عرفتِ أن الفستان كان في الجناح؟
لم تجب.
بدأت الهواتف تخرج من جيوب أصحابها مرة أخرى.
لكن هذه المرة لم تكن هناك رسائل جديدة.
بل كانت هناك مقاطع فيديو.
أحد العاملين في الفندق أرسل تسجيلًا إلى هاتف الدكتور سامح.
ظهر فيه شخص يدخل إلى الممر المؤدي إلى جناح العروس.
كان يرتدي زي عامل نظافة.
وبعد دقائق خرج وهو يحمل دلوًا فارغًا.
اقترب الدكتور سامح من الشاشة.
—هذا الشخص…
توقف.
ثم نظر إلى نوال.
—إنه يعمل لديكِ، أليس كذلك؟
قالت بسرعة:
—لا أعرفه.
لكن ياسر عرفه.
—أمي…
لم ترد.
قال بصوت أعلى:
—أمي، من هذا الرجل؟
هنا تدخلت.
—لا تسأليها عن الرجل يا ياسر.
نظر إليّ.
قلت:
—اسألها لماذا اتصلت به صباح اليوم.
اتسعت عيناه.
—كيف تعرفين؟
أخرجت هاتفي.
—لأنني حصلت على سجل المكالمات.
ثم عرضت الشاشة أمامه.
رقم نوال.
مكالمة في الساعة 12:41.
ومكالمة أخرى في الساعة 1:08.
وثالثة بعد ذلك بعشرين دقيقة.
كان وجه ياسر قد فقد لونه تمامًا.
—أمي… هل فعلتِ هذا؟
نوال لم تجب.
بدلًا من ذلك، بدأت بالبكاء.
لكنني كنت أعرف دموعها.
لم تكن دموع الندم.
كانت دموع شخص أدرك أن خطته فشلت.
ثم حدث شيء لم أتوقعه.
دخل مدير القاعة مسرعًا.
اقترب من الدكتور سامح، وهمس في أذنه.
تغير وجهه فورًا.
—هل أنت متأكد؟
أومأ المدير.
ثم قال:
—هناك شخصان من الشرطة في الخارج.
تجمدت القاعة.
نظر الجميع نحوي.
أما ياسر، فاقترب مني وقال:
—سلمى… ماذا فعلتِ؟
نظرت إليه.
—لم أتصل بالشرطة.
—إذن من فعل؟
لم أجب.
لأنني في تلك اللحظة رأيت رجلين يدخلان القاعة.
لكن المفاجأة لم تكن في وجودهما.
بل في الشخص الذي كان يمشي خلفهما.
كان محامي عائلة المنشاوي نفسه.
وكان يحمل حقيبة سوداء كبيرة.
تقدم حتى وصل أمام والد ياسر.
ثم قال:
—أستاذ محمود، يجب أن نتحدث على انفراد.
رفع والد ياسر حاجبه.
—عن ماذا؟
فتح المحامي الحقيبة.
وأخرج مجموعة من الملفات.
—عن الشركة التي تم تسجيلها قبل سبع سنوات باسم شخص لا يعرف أنه يملكها.
توقفت أنفاس الجميع.
قال والد ياسر:
—ما هذا الكلام؟
نظر المحامي إلى ياسر.
ثم إليّ.
وقال:
—والاسم الموجود في الأوراق…
هو اسم سلمى حسن.
ساد صمت ثقيل.
شعرت بيد نورهان ترتجف على كتفي.
أما ياسر فحدق بي وكأنه يراني للمرة الأولى.
—أنتِ؟
أجبته:
—نعم.
—لكن لماذا كانت هناك شركة باسـمك؟
نظرت إلى نوال.
كانت تحدق بي بعيون مليئة بالرعب.
ثم قلت:
—لأن الشركة لم تكن ملكي أصلًا.
توقف الجميع عن التنفس تقريبًا.
—كانت ملكًا لعائلتكم.
اقترب ياسر خطوة.
—ماذا تعنين؟
أغلقت هاتفي.
وقلت:
—قبل ستة أشهر اكتشفت أن اسمي استُخدم لتغطية شيء أكبر بكثير من سرقة أموال المؤسسة.
ثم نظرت إلى والده.
—واكتشفت أن عائلتكم لم تكن تخسر أموالها…
بل كانت تخفي أين ذهبت.
وفي تلك اللحظة، أخرج المحامي مستندًا أخيرًا من الحقيبة.
وضعه على الطاولة.
ثم قال:
—وهذا هو السبب الحقيقي الذي جعلهم يريدون إفساد زفافك اليوم.
نظرت إلى الورقة.
ولأول مرة منذ ستة أشهر…
شعرت أن يدي ارتجفت.
لأن الاسم الموجود أسفل المستند لم يكن اسم نوال.
ولم يكن اسم والد ياسر.
كان اسم شخص آخر…
شخص كنت أثق به طوال حياتي.
الجزء الثالث




