
الجزء الثاني: الورقة اللي قلبت جلسة الطلاق لكابوس! فضل أحمد واقف قدام باب قاعة المحكمة، وعينيه معلقة بالمستند اللي ظهر من ملف محاميتي. نهى كانت ماسكة إيده، لكن قبضتها بدأت ترتخي، ووشها اتغير تمامًا. أحمد قرب من رانيا وقال بصوت متوتر: — إيه الورقة دي؟ وإزاي القاضي استلم أدلة من غير ما أعرف؟!
رانيا قفلت الملف بهدوء، وردت عليه:
— كل الإجراءات اتعملت بشكل قانوني، وأي استفسار تقدر توجهه للمحكمة.
أحمد بص لي بغضب.
— إنتِ كنتِ بتخططي لكل ده من ورايا؟!
ابتسمت ابتسامة صغيرة، وقلت:
— غريبة أوي يا أحمد! لما كنت بتخبي عني فلوسنا وبتجهز لحياتك الجديدة، ماكنتش شايف إنك محتاج تعرفني. لكن دلوقتي لما أنا بقي عندي مستندات، بقيت عايز تعرف كل حاجة؟!
وشه احمر من الغضب.
— فلوسنا إيه؟ إنتِ بتتكلمي عن إيه بالضبط؟
رانيا فتحت الملف تاني، وطلعت نسخة من كشف حساب بنكي.
وقالت:
— بنتكلم عن تحويلات مالية تمت على مدار شهور من الحساب المشترك بين الزوجين إلى حسابات مرتبطة بالسيد أحمد، من غير علم زوجته أو موافقتها.
نهى سابت إيده فجأة.
بصت له وقالت:
— إنت قلت لي إن الفلوس دي من شغلك الخاص!
أحمد لف ناحيتها بسرعة.
— مش وقته يا نهى!
لكنها ما سكتتش.
— لأ، وقته! إنت قلت لي إنك بتجهز شقة جديدة، وإن كل حاجة متأمنة، وإن مريم مش هتاخد غير البيت وخلاص!
أنا كنت واقفة بسمعهم، وكل كلمة كانت بتأكد لي إن شكوكي ماكانتش من فراغ.
قبل ست شهور، لاحظت إن أحمد بقى بيغير كلمات السر بتاعة حساباتنا، وبيرفض يوريني كشوف البنك، مع إننا كنا متفقين من أول الجواز إن مصاريف البيت ومدخراتنا تبقى واضحة لينا إحنا الاتنين.
في البداية، حاولت أقنع نفسي إن ضغط الشغل هو السبب.
لكن بعد كده، بدأت تظهر تحويلات بمبالغ كبيرة، وكل ما كنت أسأله عنها، كان يرد بنفس الجملة:
«دي ترتيبات شغل، وإنتِ مش محتاجة تشغلي بالك بيها».
وبعدها اكتشفت علاقته بنهى.
يومها، كنت فاكرة إن الخيانة هي أكبر صدمة ممكن أتعرض لها.
لكن لما بدأت أراجع المستندات اللي تخص أموالي، اكتشفت إن فيه حاجات أخطر بكتير بتحصل من ورايا.
واللي خلاني أتحرك فعلًا، مش مجرد إنه قرر ينهي جوازنا.
كان اكتشافي إن جزءًا من مدخراتي الشخصية، اللي كنت محوشاها من شغلي قبل الجواز، ظهر ضمن تحويلات مالية ماعرفش عنها أي حاجة.
ساعتها قررت إني مش هواجهه بالصوت العالي، ولا ههدده، ولا هقوله إني عرفت.
اتصلت برانيا، وطلبت منها تراجع كل ورقة، وكل حساب، وكل مستند أقدر أحصل عليه بطريقة قانونية.
وكانت النتيجة هي الملف اللي واقف قدامنا دلوقتي.
دخلنا قاعة المحكمة.
أحمد دخل وهو بيحاول يستعيد هدوءه، لكن خطواته كانت متوترة.
أما نهى، فاختارت تقعد بعيد عنه لأول مرة من ساعة ما وصلنا.
أمي قعدت جنبي، وضغطت على إيدي برفق.
همست لي:
— إنتِ كويسة يا بنتي؟
بصيت لها وقلت:
— أنا كويسة يا ماما. المرة دي مش داخلة أدافع عن نفسي بالكلام. أنا داخلة أسيب المستندات تتكلم.
بعد دقائق، دخل القاضي، وبدأت الجلسة.
محامي أحمد وقف واتكلم بثقة، وشرح إن الطرفين اتفقوا على تسوية ودية، وإن موكله مستعد يسيب البيت لزوجته مقابل إنهاء المطالبات المالية بينهما.
كان واضح إنه بيحاول يصور الموضوع على إنه خلاف عائلي بسيط، وإن مفيش أي سبب لتعقيد الإجراءات.
لكن القاضي رفع عينيه من الأوراق وسأل:
— هل الزوجة وافقت بالفعل على التسوية المالية المقدمة؟
محامي أحمد رد:
— نعم، سيادة القاضي، موكلي قدم عرضًا واضحًا، والزوجة لم تعترض عليه حتى الآن.
رانيا وقفت فورًا.
— مع احترامي، سيادة القاضي، موكلتي لم توافق على التسوية النهائية، وهناك مستندات جديدة تتعلق بالأموال محل النزاع، ونلتمس إثباتها في ملف القضية وفحصها قبل اعتماد أي اتفاق مالي.
أحمد اتحرك في كرسيه بعصبية.
القاضي بص في اتجاه رانيا وقال:
— ما طبيعة هذه المستندات؟
فتحت رانيا الملف، وقدمت الأوراق المطلوبة.
وبعد ما راجع القاضي أول صفحتين، طلب الاطلاع على المستند التالي.
كان المستند اللي عليه الختم الرسمي، واللي أحمد شافه قبل ما ندخل القاعة.
فضل القاضي يقرأه في صمت.
ثواني عدت كأنها ساعات.
وبعدين رفع عينيه ناحية أحمد وسأله:
— هل تؤكد أن هذه التحويلات تمت من الحساب الذي كان مخصصًا لمصروفات الأسرة ومدخراتها؟
أحمد بلع ريقه.
— سيادة القاضي، الموضوع مش بالشكل اللي حضرتك فاهمه. دي فلوس كنت بديرها بنفسي، وأنا اللي كنت مسؤول عن الحسابات.
القاضي رد بحزم:
— السؤال واضح. هل التحويلات تمت أم لا؟
أحمد سكت لحظة.
وبعدين قال:
— أيوه، تمت، لكن كان عندي أسباب.
رانيا طلبت الإذن بالكلام.
— سيادة القاضي، موكلتي لم تكن تعلم بهذه التحويلات، وبعض المبالغ محل المراجعة مصدرها مدخراتها الشخصية. كما أن المستندات المقدمة تشير إلى تحويل جزء من الأموال إلى حسابات أخرى خلال الفترة التي كان فيها الطرفان يستعدان للانفصال.
محامي أحمد اعترض، وقال إن تفسير التحويلات يحتاج إلى مراجعة، وإنه لا يصح اعتبارها دليلًا على أي مخالفة قبل استكمال الفحص.
القاضي وافق على ضرورة مراجعة المستندات، لكنه رفض اعتماد التسوية المالية في صورتها الحالية قبل اتضاح الصورة.
في اللحظة دي، أحمد لف ناحيتي.
كان باصص لي بذهول، وكأنه مش مصدق إن الموضوع اللي كان فاكره هينتهي في عشر دقايق، اتحول لقضية محتاجة مراجعة دقيقة.
لكن المفاجأة الحقيقية لسه ماجتش.
بعد ما القاضي طلب استكمال المستندات، رانيا فتحت جزءًا تاني من الملف.
وقالت:
— سيادة القاضي، فيه مستند إضافي نطلب ضمه، لأنه مرتبط بظروف إعداد التسوية المقدمة للمحكمة.
أحمد وقف تقريبًا من مكانه.
— مستند إيه تاني؟!
القاضي طلب منه الجلوس، ثم سمح لرانيا بتقديم الورقة.
كانت نسخة من اتفاق مبدئي متعلق بشراء شقة جديدة، ومعاه إيصالات تحويل دفعات مالية.
الشقة دي كنت سمعت عنها قبل كده، لما لقيت ورقة تخص حجز وحدة سكنية في درج مكتبه.
لما سألته وقتها، قال لي إنها شقة بيشتريها كاستثمار، وإن الموضوع مالوش أي علاقة بحياتنا الزوجية.
لكن المستندات الجديدة أظهرت إن نهى كانت طرفًا في بعض إجراءات الشراء، وإن جزءًا من الدفعات كان محل مراجعة بسبب مصدر الأموال المستخدمة فيها.
نهى، اللي كانت قاعدة في آخر الصف، رفعت راسها فجأة.
— استنى! أنا ماليش دعوة بأي مشكلة بينك وبين مريم!




