
الجزء التاني: السر اللي خبّوه عني وعن أبو ولادي فضل مجدي واقف قدامي، وعينيه بتتنقل بين الأطفال التلاتة، وكأنه بيحاول يستوعب إن حياته اتقلبت في لحظة واحدة. أما أنا، فكنت بحاول أسيطر على رعشة إيدي، وأمنع دموعي من النزول. أربع سنين كاملة وأنا بشيل الوجع لوحدي، أربع سنين كنت بصحى كل يوم علشان أربي أولادي، وأشتغل، وأواجه كلام الناس وأسئلتهم اللي ماكنتش بتنتهي.
ودلوقتي، الراجل اللي سابني في أصعب وقت في حياتي واقف قدامي، وبيقولي إنه ماكانش يعرف إن عنده تلات أطفال!
بصيتله وقلت بحدة:
«عايزني أصدقك إزاي يا مجدي؟ أنا بعتلك رسايل كتير، واتصلت بيك لحد ما حفظت رقمك من كتر ما كنت بطلبه، وبعتلك جواب على عنوان شركتك القديمة. إنت عايز تقنعني إن كل ده ماوصلكش؟»
هز راسه وهو بيقول:
«أنا مش بطلب منك تصدقيني وخلاص، أنا هثبتلك إن كلامي حقيقي. بس أرجوكي، اديني فرصة أفهم إيه اللي حصل.»
خطيبته سارة كانت واقفة جنبه، ووشها اتغير تمامًا.
في البداية كانت بتبصلي باستعلاء، لكن لما سمعت إن الأطفال ممكن يكونوا ولاده، قربت منه ومسكت دراعه.
«مجدي، إنت مش شايف إن الموضوع ده غريب؟ إنت هتصدق أي كلام تسمعه من واحدة قابلتها بالصدفة في الشارع؟»
لف ناحيتها وبصلها بنظرة حادة.
«سارة، أنا ماطلبتش رأيك دلوقتي.»
اتصدمت من طريقته، وسحبت إيدها من دراعه.
أما أنا، فكنت عايزة أمشي من غير ما أسمع كلمة زيادة.
قلتله:
«أنا مش عايزة منك حاجة يا مجدي. أولادي عندهم أم بتصونهم وبتحبهم، والحمد لله مش محتاجين حد يظهر فجأة بعد أربع سنين علشان يفتكر إنه أبوهم.»
مديت إيدي علشان أحرك العربية، لكنه قال بسرعة:
«استني يا نور، لو سمحتي. أنا مش همنعك تمشي، بس عايز أعرف أسماءهم.»
وقفت لحظة من غير ما أبصله.
وبعدين قلت:
«آدم، ويوسف، وليلى.»
كرر الأسماء بصوت واطي، وكأنه بيحاول يحفظها في قلبه.
«آدم… يوسف… ليلى.»
وبعدين بص ليوسف تاني.
ابني كان لسه ماسك لعبته، لكنه بدأ يحس إن في حاجة غريبة تحصل. رفع عينيه ناحية مجدي وسألني ببراءة:
«ماما، هو الراجل ده يعرفنا؟»
السؤال نزل على قلبي زي السكينة.
بصيت لابني وابتسمت بالعافية.
«لأ يا حبيبي، يلا علشان نمشي.»
لكن مجدي سمع السؤال، وشفايفه اترعشت.
واضح إنه كان نفسه يرد عليه، يقول له إنه أبوه، وإنه مش غريب عنه، وإنه ماكانش يعرف بوجوده أصلًا.
لكنه ماقدرش.
لأنه ببساطة ماكانش عنده الحق يقول الكلام ده قبل ما يعرف الحقيقة كاملة.
المواجهة الأولى بعد أربع سنين
بعد ما مشيت من الحديقة، رجعت البيت وأنا مش قادرة أفكر في أي حاجة غير اللي حصل.
الأطفال كانوا بيتكلموا عن اللعب والطيور والنافورة، لكن أنا كنت سرحانة تمامًا.
كل شوية كنت أفتكر وش مجدي لما شاف عيون يوسف، وأفتكر صوته وهو بيأكد إنه ماوصلوش أي جواب مني.
هل ممكن يكون فعلًا ماعرفش؟
ولا دي مجرد حيلة جديدة علشان يهرب من مسؤوليته؟
دخلت البيت، وساعدت الأطفال يغيروا هدومهم، وبعدها جهزتلهم العشا.
حاولت أضحك معاهم وأشاركهم كلامهم، لكن أول ما ناموا، دخلت أوضتي وفتحت درج قديم كنت محتفظة فيه بكل الأوراق اللي تخص جوازي من مجدي.
طلعت صورة جوازنا.
كنت لسه صغيرة وقتها، وكنت فاكرة إن الحب كفاية علشان أي اتنين يقدروا يواجهوا الدنيا.
مجدي كان وقتها بيقوللي إنه بيحبني، لكنه خايف من رفض عيلته، خصوصًا والده، الحاج محمود الشافعي، رجل الأعمال المعروف اللي كان شايف إن ابنه لازم يتجوز بنت من نفس مستواهم الاجتماعي.
وعلشان كده اتجوزنا في السر.
كنت فاكرة إننا هنقدر نعلن جوازنا بعد شوية، وإن والده هيتقبل الأمر الواقع مع الوقت.
لكن مجدي اتغير فجأة.
في يوم، رجع من مقابلة مع والده، وكان متوتر وعصبي بشكل عمري ما شفته عليه قبل كده.
طلب مني أقعد، وبعدين قاللي إن جوازنا كان غلطة، وإنه لازم ينهي كل حاجة قبل ما الموضوع يكبر.
حاولت أفهم السبب، لكنه رفض يتكلم.
وفي النهاية، مشي وسابني.




