
الجزء الثاني والاخير ماما فضلت واقفة عند باب الأوضة، وباصالي بنظرات غريبة، وكأنها بتحاول تعرف أنا عرفت إيه بالظبط. قالت بعصبية: «إنتِ مكبرة الموضوع ليه يا منى؟ إحنا أهلك، ومن حقنا نساعد أختك لما تكون محتاجة مساعدة!» بصيت لها بهدوء وقلت: «أنا ما اعترضتش إنك تساعدي مريم يا ماما، لكن من إمتى بقى بيتي ملكك عشان تقرري مين يعيش فيه؟»
اتغيرت ملامحها، وردت بسرعة: «إنتِ عندك بيت واسع، ومش بتستخدميه كله، وأختك عندها طفل صغير ومحتاجة مكان أكبر. بدل ما تفضلي قاعدة لوحدك في بيت كبير، خلي أختك تستفيد منه.»
ما كنتش مصدقة إن الكلام ده طالع من أمي.
أنا اللي اشتغلت سنين عشان أقدر أشتري البيت ده. أنا وأحمد اللي دفعنا تمنه من تعبنا، وأنا اللي قضيت شهور بجهزه عشان بنتي تعيش فيه بأمان وراحة.
ومع ذلك، ماما كانت بتتكلم عنه وكأنه شقة فاضية في عمارة العيلة، ومن حق أي حد يحط إيده عليها وقت ما يحب.
قلت لها: «يا ماما، ده بيتي أنا وأحمد، ومحدش هينقل فيه حاجة من غير موافقتنا.»
ردت وهي بتلوح بإيدها: «يا بنتي، إنتِ لسه والدة، وهرموناتك ملخبطة، ومش وقت قرارات كبيرة دلوقتي. إحنا بنفكر في مصلحتكم كلكم.»
أحمد اتدخل للمرة الأولى، وقال بنبرة هادية لكنها حاسمة: «مع احترامي لحضرتك، منى عارفة كويس هي بتقول إيه. وإحنا الاتنين مش موافقين إن حد يدخل بيتنا أو ينقل فيه عفش من غير إذننا.»
ماما بصت له بضيق وقالت: «أنا بتكلم مع بنتي، مش معاك.»
أحمد رد من غير ما يعلي صوته: «ومن حق بنتك وجوزها يقرروا مين يدخل بيتهم.»
سكتت ماما لحظات، وبعدها قربت من سريري وقالت بصوت أوطى: «طيب، خلينا نتكلم بعيد عن الناس. أنا مش عايزة مشاكل، خصوصًا إن أختك تعبانة ومحتاجة تستقر.»
سألتها: «ليه ما طلبتوش مني من الأول؟ ليه عرفت بالصدفة إنكم بتخططوا تنقلوا حاجتكم لبيتي؟»
ما ردتش على السؤال.
بدل ما تعتذر، قالت: «عشان كنت عارفة إنك هترفضي من غير حتى ما تسمعي التفاصيل.»
ضحكت ضحكة قصيرة من شدة الصدمة.
«يعني إنتِ عارفة إني مش موافقة، وعشان كده قررتي تعملي كل حاجة من ورايا؟»
ماما رفعت صوتها: «إنتِ دايمًا كده! كل حاجة عندك ملكية وحدود وقوانين. دي أختك يا منى، مش واحدة غريبة عنك!»
بصيت ناحية ليلى، اللي بدأت تتحرك في سريرها الصغير، وكأن الأصوات العالية أزعجتها.
وطلبت من ماما تهدي صوتها.
وبعدين قلت: «مريم أختي فعلًا، وأنا بحبها، لكن ده مش معناه إنها تاخد بيتي من غير إذني. ولو محتاجة مساعدة، كان ممكن نتكلم ونشوف حل يناسب الكل.»
ماما سكتت، لكن من نظراتها فهمت إنها مش جاية عشان تسمع رأيي.
هي كانت متوقعة إني أوافق كالعادة، زي ما كنت بوافق كل مرة يطلبوا مني فلوس أو مساعدة أو أتنازل عن حاجة عشان أختي.
وفجأة، قالت جملة خلتني أحس إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد نقل عفش.
«على فكرة يا منى، إحنا اتفقنا مع مريم وخالد إنهم هينقلوا حاجتهم آخر الأسبوع. والراجل اللي هينقل العفش اتحدد معاده بالفعل.»
بصيت لها بذهول.
«إنتِ حجزتي عربية نقل كمان؟!»
ردت ببرود: «أيوه، لأننا ما كناش عايزين نضيع وقت.»
أحمد وقف من مكانه وقال: «يبقى لازم تلغوا الاتفاق ده فورًا. مفيش حد هينقل حاجة لبيتنا.»
ماما بصت له، وبعدها رجعت تبص لي.
«منى، فكري كويس قبل ما تعملي حاجة تندمي عليها. أختك عندها طفل، وإنتِ عارفة إن ظروفهم مش سهلة.»
كنت على وشك أرد، لكن باب الأوضة اتفتح مرة تانية.
الممرضة سارة دخلت، ووراها موظفة من إدارة المستشفى كانت ماسكة ملف.
سارة بصت لماما وقالت بأدب: «حضرتك والدة المريضة؟»
ماما ردت باستغراب: «أيوه، خير؟»
الموظفة قالت: «إحنا محتاجين نراجع بعض المعلومات الخاصة بترتيبات خروج الطفلة، لأن حصل استفسار من أحد الأقارب عن إمكانية اتخاذ قرارات نيابة عن الوالدين.»
ماما اتوترت وقالت بسرعة: «أنا جدتها، ومن حقي أساعد بنتي وحفيدتي.»
الموظفة ردت بهدوء: «طبعًا تقدري تساعديهم، لكن أي قرار يخص الطفلة لازم يكون بموافقة والديها أو الشخص المخول قانونيًا. وإحنا هنا بنلتزم بالتعليمات دي مع كل العائلات.»
ماما بصت لي بغضب، وكأنها بتحملني مسؤولية الموقف.
لكن أنا ما كنتش عملت أي حاجة غير إني وضحت إن القرارات الخاصة ببنتي من حقي أنا وأحمد.
بعد ما الموظفة خرجت، ماما قربت مني وقالت بصوت منخفض: «إنتِ بتعملي كل ده عشان تعاقبيني على إني ما جيتش أشوفك؟»
السؤال وجعني أكتر مما توقعت.
لأنها، حتى في اللحظة دي، كانت شايفة نفسها الضحية، ومش قادرة تعترف إنها جرحتني.
قلت لها: «أنا زعلانة إنك ما جيتيش تشوفي بنتي، أيوه. لكن ده مش السبب الوحيد. أنا زعلانة لأنك شايفة إنك تقدري تقرري في حياتي وبيتي من غير ما ترجعي لي.»
ماما هزت رأسها باستهزاء.
«إنتِ عمرك ما هتتغيري. كل حاجة عندك لازم تمشي على مزاجك.»
وبعدها خرجت من الأوضة من غير ما تبص حتى ناحية ليلى.
فضلت ساكتة، وأحمد قعد جنبي من جديد.
مسك إيدي وقال: «أنا عارف إن اللي حصل صعب، بس إحنا لازم نفهم إيه اللي بيحصل بالظبط قبل ما ناخد أي خطوة.»
هزيت رأسي، وكنت بحاول أستوعب كل اللي عرفته في أقل من ساعة.
لكن بعد دقائق، موبايل أحمد رن.
بص على الشاشة، وبعدها بص لي باستغراب.
«دي مريم.»
طلبت منه يرد على المكالمة ويحطها على مكبر الصوت.
أول ما رد، سمعنا صوت مريم متوترًا:
«أحمد، منى عندك؟»
قلت لها: «أيوه يا مريم، أنا سامعاكي.»
سكتت ثواني، وبعدها قالت: «منى، ماما قالت لي إنك رفضتي تساعدينا، وإنك اتعصبتي عليها في المستشفى.»
غمضت عيني للحظة.
حتى قبل ما تسمع مني، كانت ماما بدأت تحكي القصة بالطريقة اللي تناسبها.
قلت بهدوء: «أنا ما رفضتش أساعدك يا مريم. أنا رفضت إنك تنقلي عفشك لبيتي من غير ما تسأليني.»
مريم ردت بسرعة: «بس ماما قالت إنك موافقة من زمان، وإن البيت كبير، وإنك غالبًا هتسافري تاني قريب.»
بصيت لأحمد، ولقيته بيهز رأسه وكأنه اتأكد إن اللي سمعه في الممر كان صحيحًا.
سألتها: «مين قال لك إني وافقت؟ أنا عمري ما اتكلمت معاكي في الموضوع ده.»
مريم سكتت.
وبعد لحظات، قالت بصوت أهدى: «ماما قالت إنك مش هتحتاجي البيت طول ما إنتِ بره مصر، وإنها كلمتك قبل كده واتفقتم على الموضوع.»
حسيت ببرودة تسري في جسمي.




