روايات وقصص

الجزء الثاني والاخير بقلم محمد عبده

الجزء الثاني والاخير

الظابط فضل ماسك الحاجة اللي طلعها من جيب نور، وإيده بدأت ترتعش من الصدمة. بص للظابط التاني، وبعدها رجع بص لنور، وكأنه مش قادر يستوعب اللي شايفه قدامه.

صرخ الظابط التاني وهو بيقرب منه:

— إيه ده؟! إنت متأكد إن دي حقيقية؟!

الظابط الأول مردش عليه، لكنه مد إيده وفتح الحاجة مرة تانية، وبدأ يقرأ المكتوب عليها بعناية.

وفجأة، وشه اصفر، وبلع ريقه بصعوبة، وبص لنور وقال بصوت مختلف تمامًا:

— حضرتك… إنتِ مين بالظبط؟

نور رفعت راسها وردت بهدوء:

— مش مهم أنا مين. المهم إنكم تعرفوا إن القانون مش معمول عشان اللي لابس الزي الرسمي يستخدمه لتضييق الناس.

الظابط التاني بدأ يتوتر، وبص حواليه ناحية الطريق، وبعدها قال لزميله بصوت واطي:

— لازم نحل الموضوع ده بسرعة قبل ما حد يعرف!

نور سمعته، فابتسمت ابتسامة بسيطة وقالت:

— الموضوع اتحل خلاص… من اللحظة اللي قررتوا فيها توقفوني من غير سبب، وتفرضوا إجراءاتكم عليّا، وتقيدوني من غير ما تقولوا لي أنا متهمة بإيه.

الظابط الأول حاول يستعيد توازنه، ومد إيده عشان يفك القيود، لكنه كان متوتر لدرجة إن المفتاح وقع منه على الأرض.

نور بصت له وقالت:

— على مهلك يا حضرة الظابط، إنت كنت لسه من شوية بتقول إنك هتعلمني الأدب. إيه اللي حصل؟ غيرت رأيك بسرعة كده ليه؟

الظابط التاني اتدخل بسرعة:

— يا فندم، أكيد حصل سوء تفاهم. إحنا مكناش نعرف…

نور قاطعته:

— مكنتش تعرفوا إيه؟ إن ليا حقوق؟ ولا إن مش من حقكم توقفوا أي حد وتعاملوه بالطريقة دي لمجرد إنه اعترض على تصرفاتكم؟

محدش فيهم رد.

نور كملت كلامها بنبرة حاسمة:

— أنا طلبت منكم سبب واضح للتفتيش، وطلبت أشوف بياناتكم، وكل اللي عملته إني حاولت أصور اللي بيحصل. بدل ما تردوا على أسئلتي، استخدمتوا الإجراءات ضدي.

الظابط الأول أخيرًا قدر يفك القيود، ومد لها أوراق العربية وهو بيقول:

— اتفضلي يا فندم، تقدري تمشي. وإحنا هنراجع اللي حصل.

لكن نور أخدت أوراقها من غير ما تتحرك من مكانها.

وقالت له:

— لأ، أنا مش همشي قبل ما أعرف حاجة واحدة. لو أنا مكنتش معايا البطاقة اللي شفتها في جيبي، كنتوا هتعملوا إيه؟ كنتوا هتاخدوني القسم فعلًا؟

الظابط بص للأرض، ومقدرش يرد.

أما زميله فحاول يبرر موقفهم:

— يا فندم، إحنا بنشتغل في ظروف صعبة، وساعات بنضطر نكون حازمين مع الناس عشان نحافظ على النظام.

نور ردت فورًا:

— الحزم مش معناه الإهانة، وتنفيذ القانون مش معناه إنكم تتجاوزوه. اللي بيحترم القانون مش بيخاف منه، حتى لو كان واقف قدام أكبر مسؤول.

وبعدها أشارت ناحية الحاجة اللي كانت في إيد الظابط الأول وقالت:

— دلوقتي، بعد ما عرفتوا أنا مين، أتمنى تعاملوا أي مواطن بنفس الاحترام اللي بتعاملوني بيه حاليًا. لأن كل إنسان من حقه يتعامل بكرامة، سواء كان معاه منصب أو ممعهوش.

الظابط الأول رفع عينيه وسألها بتردد:

— حضرتك ناوية تعملي فينا شكوى؟

نور سكتت لحظات، وبعدين قالت:

— السؤال مش أنا ناوية أعمل إيه. السؤال هو: إنتوا شايفين إن اللي عملتوه صح؟

الظابطين سكتوا تمامًا.

نور فتحت باب عربيتها، لكنها قبل ما تركب، لفت ناحيتهم مرة أخيرة وقالت:

— أنا مش عايزة أظلم حد، ولا هدفي أضيّع مستقبل أي إنسان. لكن لازم كل واحد يعرف إن السلطة مسؤولية، مش وسيلة للانتقام من الناس اللي بتسأل عن حقوقها.

ركبت العربية، وربطت حزام الأمان، وشغلت الموتور.

لكن قبل ما تتحرك، لاحظت إن الظابط الأول لسه واقف مكانه، ماسك البطاقة بإيده، وملامحه مليانة خوف وندم.

نزلت الإزاز وقالت له:

— البطاقة لو سمحت.

اتقدم بسرعة وادهالها بكل احترام، وقال:

— حقك عليّا يا فندم. أنا آسف عن الطريقة اللي اتعاملت بيها معاكي.

نور أخدت البطاقة وردت بهدوء:

— الاعتذار خطوة كويسة، لكن الأهم إنك متكررش الغلطة دي مع حد تاني.

وبعدها تحركت بعربيتها، وسابت الظابطين واقفين على جنب الطريق، وكل واحد فيهم بيفكر في اللي حصل.

لكن اللي الاتنين مكنوش يعرفوه، إن الموقف ده مش هيكون آخر مرة يسمعوا فيها اسم نور… لأن بعد ساعات قليلة، وصلهم استدعاء رسمي بسبب الواقعة اللي حصلت على الطريق!

يتبع…

بعد مرور كام ساعة، كان الظابطين قاعدين في غرفة الاستراحة جوه وحدة المرور، وكل واحد فيهم ساكت ومش عارف يبدأ الكلام منين.

الظابط الأول، اللي اسمه حسام، كان ماسك كوباية الشاي بإيده، لكنه من كتر التوتر مقدرش يشرب منها.

أما الظابط التاني، اللي اسمه شريف، فكان كل شوية يبص على موبايله، وكأنه مستني خبر يخليه يطمن إن الموضوع انتهى.

وفجأة، باب الغرفة اتفتح، ودخل أمين شرطة وقال لهم:

— الرائد طالبكم في مكتبه حالًا!

حسام بص لشريف بقلق وسأله:

— هو عرف اللي حصل؟

شريف رد بصوت واطي:

— مش عارف… بس شكل الموضوع مكبرينه.

قاموا الاتنين واتجهوا لمكتب الرائد.

أول ما دخلوا، لقوا الرائد قاعد ووشه جاد، وقدامه ملف مفتوح، وبجانبه مسؤول من إدارة التفتيش والمتابعة.

الرائد أشار لهم يقعدوا، وبعدها قال:

— مين فيكم كان موجود على طريق كفر الدوار النهارده الصبح؟

حسام رد بسرعة:

— إحنا يا فندم.

الرائد فتح الملف وطلع منه صورة لبطاقة نور، وحطها قدامهم.

وبعدين سألهم:

— تعرفوا صاحبة البطاقة دي؟

شريف حس إن قلبه وقع في رجليه، ورد بتردد:

— أيوه يا فندم… قابلناها في حملة مرورية.

الرائد رفع عينيه وقال بحدة:

— قابلتوها؟ ولا وقفتوها من غير سبب، وسحبتوا أوراقها، واستخدمتوا الإجراءات معاها، وقيّدتوها من غير سند قانوني؟

حسام حاول يدافع عن نفسه:

— يا فندم، إحنا كنا بنعمل تفتيش عادي، وهي اعترضت على التعليمات، والموضوع خرج عن السيطرة شوية.

مسؤول المتابعة اتكلم لأول مرة:

— التفتيش العادي ليه إجراءات، واستخدام الإجراءات ليه ضوابط. إنما مفيش حاجة اسمها الموضوع خرج عن السيطرة، فنعمل اللي إحنا عايزينه!

وبعدين فتح جهاز الكمبيوتر اللي قدامه، وعرض عليهم صورة من تسجيل مصور وصل للإدارة.

الصورة كانت واضحة: حسام وهو بيرمي أوراق نور فوق سقف العربية، وشريف وهو بيفتح الباب بحزم، وبعدها الاتنين وهما بيقيدوها.

حسام اتصدم وقال:

— هو في تصوير؟!

الرائد رد بصرامة:

— أيوه، وفي كمان بلاغ رسمي بيتراجع، وشهادات عن الواقعة، وهيتم التحقيق في كل التفاصيل.

شريف بدأ يتكلم بسرعة:

— يا فندم، إحنا اعتذرنا لها، وهي مشيت، وإحنا افتكرنا إن الموضوع انتهى.

الرائد بص له وقال:

— الاعتذار مش معناه إن المخالفة اختفت، ومش من حقكم تقرروا إن الموضوع انتهى من نفسكم.

وبعدين سكت لحظة، وأضاف:

— والأهم من ده كله، إنكم اتعاملتوا مع مواطنة باحترام مختلف تمامًا أول ما عرفتوا صفتها. وده معناه إنكم كنتوا قادرين تتصرفوا بشكل أفضل من البداية، لكنكم اخترتوا غير كده.

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى