روايات وقصص

الجزء الاول بقلم محمد عبده

الجزء الثاني لم تنم سلمى تلك الليلة. جلست على طرف السرير، والهاتف في يدها، تعيد قراءة كشف حسابها مرة بعد مرة. 420 ألف جنيه. كل مدخراتها تقريبًا. المبلغ الذي أخذه كريم بحجة إنقاذ صفقة في شركته، بينما الشركة نفسها أكدت لها أنه لا توجد أي صفقة متوقفة ولا أي غرامة بهذا الحجم.

 

رفعت عينيها إلى كريم.

كان نائمًا بهدوء شديد، وكأن شيئًا لم يحدث.

اقتربت منه قليلًا، ثم لاحظت هاتفه موضوعًا على الكومودينو.

كان موصولًا بالشاحن.

مدت يدها نحوه، لكنها توقفت.

لم تكن تريد أن تتحول إلى شخص يفتش هاتف زوجها.

لكنها تذكرت شيئًا واحدًا:

هو الذي جعلها تشك فيه.

وبهدوء، أخذت هاتفها هي وفتحت تطبيق البنك.

كانت هناك رسالة بنكية قديمة.

تحويل بمبلغ 420 ألف جنيه إلى حساب باسم شخص لم تعرفه.

لكن المفاجأة لم تكن في اسم المستفيد فقط…

بل في تاريخ التحويل.

كان التحويل قد تم بعد دقائق قليلة من إرسال كريم لها رقم الحساب الذي طلب منها تحويل الأموال إليه.

فتحت سلمى الصورة التي التقطتها لكشف الحساب، ثم بحثت عن اسم الشخص على الإنترنت.

لم تجد شركة.

ولا مكتبًا.

ولا نشاطًا تجاريًا واضحًا.

وجدت فقط عنوانًا في منطقة شعبية بالقاهرة.

في الساعة الثانية والنصف صباحًا، أرسلت العنوان إلى مريم.

ثم كتبت:

—مريم، محتاجة أعرف مين الشخص ده.

جاء الرد بعد دقائق:

—متروحيش لوحدك.

لكن سلمى لم تجب.

لأنها في تلك اللحظة سمعت صوت كريم.

—إنتِ لسه صاحيه؟

أغلقت الهاتف بسرعة.

—آه… مش عارفة أنام.

فتح عينيه وقال:

—بسبب الفلوس؟

ابتسمت سلمى ابتسامة صغيرة.

—لا، عادي.

ظل ينظر إليها لثوانٍ.

ثم قال:

—بكرة عندي اجتماع مهم. وبعده هنبقى نجهز للحفلة.

أومأت سلمى.

—طبعًا.

استدار كريم وأغلق عينيه من جديد.

لكن سلمى لم تعد تشعر بالنعاس.

كانت هناك قطعة ناقصة من الصورة.

وكان عليها أن تجدها.

في صباح اليوم التالي، أخبرت كريم أنها ستذهب إلى الشركة لإنهاء بعض الأوراق الخاصة بعملها.

لكن بدلًا من ذلك، توجهت إلى العنوان الذي وجدته.

وصلت بعد حوالي ساعة.

كان المكان عبارة عن مبنى قديم في شارع ضيق.

وقفت سلمى أمام الباب للحظات، ثم صعدت إلى الطابق الثالث.

طرقت الباب.

فتح لها رجل في منتصف الأربعينيات.

ما إن رآها حتى تغير وجهه.

سأل:

—حضرتك مين؟

قالت:

—أنا سلمى.

ظل الرجل صامتًا.

ثم قال:

—إنتِ مرات كريم؟

تجمدت في مكانها.

—إنت تعرف جوزي؟

لم يجب.

فقط فتح الباب قليلًا وقال:

—ادخلي.

دخلت سلمى.

كان المكان بسيطًا جدًا.

جلس الرجل أمامها، ثم وضع ملفًا بنيًا على الطاولة.

وقال:

—أنا كنت متوقع إنك تيجي في يوم من الأيام.

فتحت سلمى عينيها.

—متوقع؟

أخرج الرجل مجموعة أوراق.

—كريم مدين لي ولأشخاص تانيين بمبالغ كبيرة.

شعرت سلمى بأن الأرض تتحرك تحت قدميها.

—إيه؟

قال الرجل:

—المبلغ اللي حوله ليكي مش أول مبلغ.

تلعثمت:

—يعني إيه؟

—يعني إن جوزك كان بيستخدم اسمك وبياناتك في معاملات مالية من فترة.

فتحت سلمى الملف بسرعة.

كانت هناك صور من أوراق ومستندات.

وبينها نسخة من توقيع يشبه توقيعها.

لكنها لم توقع على أي شيء.

قالت بصوت مرتجف:

—التوقيع ده مش توقيعي.

أجاب الرجل:

—أنا عارف.

ثم أضاف:

—وعشان كده أنا مش اللي لازم تخافي منه.

رفعت سلمى رأسها.

—أمال أخاف من مين؟

قبل أن يجيب، رن هاتف الرجل.

نظر إلى الشاشة، ثم تغيرت ملامحه.

أغلق الهاتف دون أن يرد.

سألته سلمى:

—مين؟

قال:

—كريم.

شعرت بقلبها يهبط.

—هو عرف إني هنا؟

—غالبًا.

وقفت سلمى بسرعة.

—أنا لازم أمشي.

لكن الرجل أوقفها بكلمة واحدة:

—استني.

ثم أخرج ورقة أخرى.

وقال:

—في حاجة أهم من كل اللي شوفتيه.

نظرت إليه.

—إيه؟

دفع الورقة نحوها.

—الفلوس اللي جوزك بياخدها منك مش كلها ديون.

حدقت سلمى في الورقة.

كانت عبارة عن كشف تحويلات مالية.

وفي أعلى الصفحة اسم شركة لم تسمع به من قبل.

لكن أسفل الصفحة كان هناك شيء جعلها تشعر بصدمة حقيقية.

اسم والدتها نجوى.

صرخت:

—ماما؟!

هز الرجل رأسه.

—أنا مش عارف علاقتها بالموضوع إيه، لكن اسمها موجود في التحويلات.

لم تستطع سلمى الكلام.

خرجت من المكان وهي تشعر أن رأسها يكاد ينفجر.

طوال الطريق، حاولت الاتصال بوالدتها.

لكن نجوى لم ترد.

اتصلت مرة ثانية.

وثالثة.

لا إجابة.

عندما وصلت إلى منزل والديها في شبرا الخيمة، وجدت والدها حسن جالسًا وحده أمام التلفاز.

قالت:

—بابا… ماما فين؟

نظر إليها حسن، ثم تغير وجهه عندما رأى تعبيرات وجهها.

—في أوضتها.

دخلت سلمى إلى غرفة والدتها.

كانت نجوى جالسة على السرير.

وبمجرد أن رأت ابنتها، فهمت أن السر انكشف.

قالت بهدوء:

—كريم عرفك؟

سلمى لم تستوعب السؤال.

—يعني إيه كريم عرفني؟

صمتت نجوى.

اقتربت منها سلمى.

—ماما، أنا لقيت اسمك في تحويلات مالية مرتبطة بكريم.

خفضت نجوى رأسها.

ثم قالت:

—كنت أتمنى إنك تعرفي الحقيقة مني… مش بالطريقة دي.

جلست سلمى أمامها.

—أي حقيقة؟

نظرت نجوى إلى ابنتها بعينين ممتلئتين بالدموع.

—أبوكِ وأنا ما كناش عايشين على معاشنا بس زي ما كريم كان فاكر.

سألت سلمى بدهشة:

—أمال إيه؟

قالت نجوى:

—قبل ما تتجوزي كريم بسنة، أبوكِ باع نصيبنا في مشروع قديم كان شريك فيه.

—وبعدين؟

—حطينا الفلوس في استثمار صغير.

سألت سلمى:

—كام؟

نظرت نجوى إليها وقالت:

—أكتر بكتير مما تتخيلي.

سكتت سلمى.

ثم قالت:

—وإيه علاقة كريم بالفلوس دي؟

لم تجب نجوى فورًا.

لكن حسن دخل الغرفة في تلك اللحظة وقال:

—لأن كريم هو اللي حاول يوصل ليها.

التفتت سلمى إليه.

—يعني إيه؟

قال حسن:

—من حوالي سنة، كريم عرف إن عندنا فلوس، وبدأ يقنعنا إنه عنده مشروع كبير، وإنه محتاج مستثمرين.

شعرت سلمى بصدمة.

—إنتوا اديتوه فلوس؟

قال حسن:

—لا.

ثم نظر إلى ابنته وقال:

—وعشان كده بدأ يستخدمك.

ساد الصمت.

وفجأة فهمت سلمى شيئًا خطيرًا.

لم يكن كريم يحاول فقط الحصول على مدخراتها.

كان يحاول الوصول إلى أموال والديها.

لكن لماذا؟

ولماذا كان يخفي كل ذلك؟

وقبل أن تستطيع طرح السؤال، رن هاتف سلمى.

كانت رسالة من مريم.

فتحتها.

وكانت الرسالة قصيرة جدًا:

«سلمى، لازم نتكلم فورًا. أنا اكتشفت حاجة عن كريم… وحاجة أخطر عن الحفلة.»

رفعت سلمى عينيها.

ولأول مرة منذ بداية الأزمة، شعرت أن حفل ذكرى زواجها لن يكون مجرد مناسبة اجتماعية.

بل سيكون المكان الذي ستنكشف فيه كل أسرار كريم أمام الجميع.

لكنها لم تكن تعرف أن كريم ووالدته نوال كانا قد أعدّا لها مفاجأة أخرى…

مفاجأة ستجعلها تتخذ قرارًا لن يستطيع أي شخص التراجع عنه بعد ذلك.

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى