روايات وقصص

الجزء الاول بقلم محمد عبده

الجزء الثالث

وصلت سلمى إلى مكتب مريم قبل الظهر بقليل.

كانت مريم تنتظرها وبيدها ملف كبير.

ما إن دخلت سلمى حتى قالت:

—اقفلي الباب.

أغلقت سلمى الباب وجلست أمامها.

—إيه اللي اكتشفتيه؟

فتحت مريم الملف وقالت:

—بدأت أراجع التحويلات اللي بعتّيها لي، ولقيت حاجة غريبة جدًا.

دفعت مجموعة أوراق أمامها.

—المبلغ اللي حولتيه لكريم ما راحش للشركة اللي قالك عليها.

—عارفة.

—لا، الموضوع أكبر من كده.

أشارت إلى الأوراق.

—الفلوس اتحولت لحسابات مختلفة، وبعدها اتسحبت على دفعات.

سألت سلمى:

—ومين المستفيد النهائي؟

نظرت مريم إليها بجدية.

—شركة صغيرة مسجلة باسم شخص قريب جدًا من كريم.

صمتت سلمى.

ثم سألت:

—قريب مين؟

قالت مريم:

—أخوه.

شهقت سلمى.

—كريم ملوش أخ!

رفعت مريم حاجبها.

—هو قالك كده؟

—قال لي إن عنده أخ غير شقيق مات وهو صغير.

وضعت مريم ورقة أمامها.

—الشخص ده عايش.

ظلت سلمى تنظر إلى الورقة دون كلام.

ثم قالت:

—إنتِ متأكدة؟

—متأكدة.

أخرجت مريم مستندًا آخر.

—والأغرب إن الشركة دي اتأسست قبل ما كريم يطلب منك الفلوس بشهرين.

سألت سلمى:

—يعني كان بيخطط من بدري؟

—غالبًا.

شعرت سلمى بالغضب.

لكن مريم لم تنتهِ.

قالت:

—لسه في حاجة تانية.

—إيه؟

أخرجت صورة لعقد.

—العقد ده مرتبط بالشقة اللي عايشين فيها.

تجمدت سلمى.

—الشقة بتاعة والده.

—أيوه. بس الورق بيقول إن في قرض كبير عليها.

—مستحيل.

—ليه؟

—كريم طول عمره بيقول إنها ملكه بالكامل ومفيش عليها أي التزامات.

قالت مريم:

—وده كمان مش صحيح.

جلست سلمى صامتة.

كل شيء كانت تصدقه عن زوجها بدأ يتهاوى قطعة بعد أخرى.

ثم تذكرت شيئًا.

—مريم، هو ممكن يكون عمل ده كله عشان فلوس أهلي؟

أجابت مريم:

—ده الاحتمال الأكبر.

—بس ليه أنا؟

قالت مريم:

—لأنك أقرب طريق ليهم.

في تلك اللحظة رن هاتف سلمى.

كان كريم.

نظرت إلى الشاشة.

ثم رفعت عينيها إلى مريم.

—أرد؟

قالت مريم:

—ردي… لكن متقوليش أي حاجة عن اللي عرفناه.

ضغطت سلمى زر الإجابة.

—ألو؟

جاء صوت كريم هادئًا جدًا.

—إنتِ فين؟

—في شغلي.

—مع مريم؟

توقفت سلمى للحظة.

—ليه بتسأل؟

ضحك كريم ضحكة قصيرة.

—عادي. كنت بس بسأل.

ثم قال:

—بالمناسبة، ماما اتصلت وقالت إن باباكي ومامتك جايين الحفلة.

قالت سلمى:

—أيوه.

—أنا مش عايز مشاكل.

—مشاكل إيه؟

سكت كريم قليلًا.

ثم قال:

—بلاش تخليهم يعملوا إحراج قدام الناس.

أنهى المكالمة.

نظرت سلمى إلى مريم.

—هو عارف.

—عارف إيه؟

—عارف إني بدأت أشك.

قالت مريم:

—يبقى لازم تلعبيها بهدوء.

في المساء، عاد كريم إلى المنزل.

كان يتصرف بشكل طبيعي بشكل مخيف.

دخل بابتسامة وقال:

—إيه رأيك في الفستان اللي اشتريتهولك؟

نظرت سلمى إلى الفستان.

كان فاخرًا جدًا.

قالت:

—جميل.

اقترب منها.

—عايزك بكرة تبقي أجمل واحدة في الحفلة.

ابتسمت.

—هحاول.

ثم قال:

—ومتنسيش إن باباكي ومامتك جايين.

—مش هنساهم.

نظر إليها للحظات، وكأنه يحاول قراءة وجهها.

ثم قال:

—سلمى، مهما حصل… إحنا لازم نظهر قدام الناس إن كل حاجة بينا تمام.

نظرت إليه.

—طبعًا.

لكن داخلها كانت تقول شيئًا آخر:

غدًا لن تكون هناك أي تمثيلية.

في اليوم التالي، وصلت سلمى إلى الحفل مع والديها.

كان حسن يرتدي بدلته القديمة التي احتفظ بها لسنوات.

أما نجوى فكانت ترتدي فستانًا بسيطًا وأنيقًا.

لم يكن عليهما أي شيء باهظ.

لكن عيني سلمى كانتا تراهما أجمل من كل الموجودين.

استقبلتهم نوال بابتسامة باردة.

—أهلًا… اتفضلوا.

ثم نظرت إلى ملابسهم من أعلى إلى أسفل.

قالت:

—المهم بس تقعدوا في المكان المخصص ليكم.

سمعت سلمى الجملة.

لكنها لم ترد.

بعد دقائق، بدأ الضيوف في الوصول.

رجال أعمال.

مديرون.

عملاء كريم.

وأشخاص من عائلة نوال.

كان كريم يتحرك بينهم بثقة، يقدم نفسه كأنه صاحب نفوذ كبير.

وفي منتصف الحفل، وقف على المسرح.

رفع الكأس وقال:

—خمس سنين مع زوجتي… خمس سنين من النجاح والتحديات.

صفق الجميع.

ثم قال:

—وطبعًا أحب أشكر كل الناس اللي وقفت جنبي.

نظر ناحية والدي سلمى.

ثم ابتسم ابتسامة ساخرة.

تقدم حسن بهدوء، وأخرج ظرفًا صغيرًا.

قال:

—دي هدية بسيطة مننا ليك يا كريم.

فتح كريم الظرف.

كان بداخله 5 آلاف جنيه.

نظر إلى المال.

ثم ضحك.

ضحكة عالية جعلت بعض الحاضرين يلتفتون.

وقال:

—إيه ده؟

صمت الجميع.

قال حسن:

—هدية على قد إمكانياتنا.

لكن كريم رفع المال أمام الناس وقال:

—خمسة آلاف؟

ثم رماها على الطاولة أمام والدي سلمى.

وقال:

—هو إحنا بنهزر؟

شهقت سلمى.

لكن كريم لم يتوقف.

قال:

—أنا مش فاهم الناس دي ليه بتحاول تظهر إنها قادرة على حاجة هي مش قدها.

ثم قالت نوال:

—خلاص يا كريم، سيبهم. في عائلات ببساطة مش من مستوانا.

ضحك بعض الحاضرين بتوتر.

شعرت سلمى أن وجه والدتها احمر من الإهانة.

أما والدها فظل صامتًا.

نظر كريم إلى سلمى وكأنه ينتظر منها أن تنفجر أو تبكي.

لكنها لم تفعل.

رفعت يدها بهدوء.

وأخذت الميكروفون.

ساد الصمت.

قالت:

—كريم… بما إننا بنتكلم قدام كل الناس عن الإمكانيات والمستويات…

توقفت لحظة.

ثم ابتسمت.

—أنا عندي سؤال بسيط.

نظر إليها كريم بقلق.

—مين اللي كان بيسدد ديونك خلال السنة اللي فاتت؟

اختفت الابتسامة من وجهه.

قال:

—إنتِ بتقولي إيه؟

رفعت سلمى ملفًا كانت تحمله.

—أنا بسأل سؤال.

ثم نظرت إلى الحاضرين.

—مين اللي دفع الأقساط المتأخرة؟

صمت كريم.

قالت:

—مين اللي غطى التحويلات؟

ثم رفعت ورقة أخرى.

—ومين اللي كان بيدفع فلوس لشركة أخوه؟

تغير وجه كريم تمامًا.

أما نوال فنهضت من مقعدها وقالت:

—سلمى! إنتِ بتعملي إيه؟

رفعت سلمى الميكروفون مرة أخرى.

وقالت:

—أنا بس بدأت أتكلم عن الحقيقة.

ثم أضافت:

—والحقيقة إن الفلوس اللي أديتها لكريم علشان ينقذ شركته… ما راحتش للشركة أصلًا.

ساد الصمت في القاعة.

نظر الجميع إلى كريم.

لكن المفاجأة الأكبر كانت أن حسن، والد سلمى، أخرج هاتفه وقال:

—لسه ما قولناش الجزء الأهم.

ثم نظر إلى كريم مباشرة.

—إنت فاكر إننا ما كناش عارفين إنك بتحاول توصل لفلوسنا؟

تراجع كريم خطوة.

ولأول مرة منذ بداية الحفل…

لم يجد شيئًا يقوله.

الجزء الرابع

ظل كريم واقفًا أمام الجميع، ووجهه فقد لونه تمامًا.

كانت كل العيون متجهة إليه.

قالت نوال بانفعال:

—دي أكيد مؤامرة! سلمى عايزة تفضح جوزها قدام الناس!

ردت سلمى بهدوء:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى