
### الجزء الثاني: السر اللي اتخبّى جوه المشد
لما وصلت عربية الإسعاف، كان أحمد ماسك إيدي وبيحاول يطمني، لكن عينيه كانت مليانة خوف.
— سلمى، بصّي لي. أنا معاكي، ومش هسيبك. الدكتور جاي في الطريق، وهتكوني كويسة إن شاء الله.
حاولت أبتسم له، لكن كان أقوى مني.
— أحمد… المشد… ماتخليش حد يرميه.
بص لي باستغراب.
— إيه؟ إنتِ لسه بتفكري في المشد؟ إحنا أهم حاجة عندنا دلوقتي سلامتك!
مسكت إيده بكل قوتي اللي فاضلة عندي.
— اسمعني كويس. أنا شغلي فحص المواد والكسور. اللي سمعته مش صوت عظام حوت قديمة. فيه حاجة مش طبيعية حصلت.
قبل ما يرد، دخل المسعف ومعاه نقالة، وطلب من الجميع يبعدوا عني.
وأثناء ما كانوا بينقلوني بحذر، سمعت داليا بتقول بصوت مرتعش:
— أنا مش فاهمة إزاي ده حصل! أنا كنت بساعدها بس!
بصيت لها للمرة الأخيرة قبل ما باب الغرفة يتقفل.
كانت بتعيط، لكن عينيها ماكانتش فيها دموع حقيقية.
كانت بتراقبني، وكأنها مستنية تتأكد إن خطتها نجحت.
في المستشفى، بدأت رحلة طويلة من الفحوصات والأشعة.
الدكتور طلب تصويرًا عاجلًا للعمود الفقري، وبعدها خرج من غرفة الأشعة وهو بيحاول يخفي قلقه.
دخل عند أحمد الأول، واتكلم معاه بعيد عني، لكني قدرت أسمع جزءًا من كلامه.
— فيه إصابة خطيرة في المنطقة الصدرية من العمود الفقري. لازم نتحرك بسرعة، لأن فيه جسم معدني صغير قريب جدًا من القناة الشوكية، والإصابة مأثرة على الإشارات العصبية اللي رايحة للرجلين.
أحمد حط إيده على راسه.
— يعني إيه يا دكتور؟ مراتي هتقدر تمشي تاني؟
الدكتور سكت لحظة قبل ما يرد.
— مش هقدر أديك وعد دلوقتي. لازم فريق جراحة الأعصاب يحدد مكان الجسم المعدني بدقة، ويقرر إذا كان ممكن إزالته بأمان.
كنت سامعة كل كلمة.
وفي اللحظة دي، اختفى خوفي من المستقبل، وحل محله سؤال واحد:
إزاي جسم معدني دخل جوه المشد، ووصل للمنطقة دي من ظهري؟
أنا ماكنتش فاكرة إني اتعرضت لأي حادث قبل كده، والمشد نفسه كان محفوظًا في خزانة العيلة من سنين.
لكن فجأة افتكرت حاجة صغيرة حصلت قبل الفرح بأيام.
كنت داخلة غرفة الملابس، ولقيت داليا واقفة قدام الخزانة القديمة، وفي إيدها علبة أدوات صغيرة.
لما سألتها كانت بتعمل إيه، قفلت العلبة بسرعة وقالت إنها بتحاول تصلّح قفل الخزانة.
وقتها ما اهتمتش.
دلوقتي، الذكرى دي رجعت لي بكل تفاصيلها.
بعد ساعات، اجتمع فريق جراحة الأعصاب مع الأطباء.
شرحوا لأحمد إن الجسم المعدني أحدث إصابة شديدة، وإن التدخل الجراحي ضروري لتخفيف الضغط عن الأعصاب وإزالة الجسم الغريب إذا كان ذلك ممكنًا بأمان.
دخل أحمد عندي قبل العملية، وقعد جنبي.
كان بيحاول يبدو قويًا، لكنه كان بيترعش.
— أنا هنا يا سلمى. أول ما تخرجي من العملية، هتلاقيني قدامك.
بصيت له وقلت:
— أحمد، عايزاك تعمل لي معروف.
— اطلبي أي حاجة.
— المشد لازم يتفحص. ماتخليش حد يتخلص منه، وماتخليش داليا تاخده.
هز راسه فورًا.
— وعد.
وبعدها دخلت غرفة العمليات.
استغرقت العملية ساعات طويلة.
ولما خرج الجرّاح، كان وشه متعبًا، لكنه بدأ كلامه بجملة خلت أحمد ينهار من الارتياح:
— قدرنا نزيل الجسم المعدني ونخفف الضغط عن الأعصاب. لسه بدري نحكم على قدرتها على الحركة، لكنها مستقرة دلوقتي، وهنبدأ نتابع استجابتها للعلاج.
أحمد سأله بسرعة:
— والجسم اللي لقيتوه؟ كان إيه بالضبط؟
الدكتور رد:
— شريحة معدنية دقيقة، حوافها حادة، ومش من مكونات المشد الأصلية. وجودها في المكان ده محتاج تحقيقًا فنيًا، لأننا ما نقدرش نحدد إزاي وصلت هناك من الفحص الطبي وحده.
وبعدها أضاف:
— احتفظنا بها كعينة طبية، ووثّقنا مكانها وحالتها قبل إزالتها.
لما أحمد دخل عندي بعد ما بدأت أفوق، ماقدرتش أتكلم كويس، لكني أشرت له إنه يقرب.
همست:
— لقوها؟
هز راسه.
— أيوه. لقوا قطعة معدنية، والدكتور قال إنها مش جزء أصلي من المشد.
غمضت عيني.
كنت أتمنى أكون غلطانة.
كنت أتمنى يكون كل اللي حصل حادثًا مؤلمًا، وإن داليا ماكانش ليها أي علاقة بيه.
لكن الحقيقة بدأت تبان، وكانت أبشع من أي احتمال تخيلته.
في اليوم التالي، اتصل أحمد بوالدي، محمود المنشاوي، وحكاله كل اللي حصل.




