
الجزء الثاني: السر الذي قلب حياة ليلى وأحمد المنصوري
ناثان رجع بضهره لورا في الكرسي، وفضل باصص لي كأنه بيحاول يفهم إزاي واحدة زيي قدرت تخبي كل ده عن جوزها لمدة تلات سنين كاملة.
وبعدين قال بصوت هادي:
«ليلى، أنا محتاج أسألك سؤال مهم جدًا، وعايزك تجاوبيني بصراحة. إنتِ كنتِ مخططة لكل ده من قبل ما تتجوزي أحمد؟»
هزّيت راسي بالنفي.
«لأ. أنا اتجوزته وأنا بحبه فعلًا. عمري ما دخلت الجوازة دي وأنا بفكر في الانفصال، ولا كنت متخيلة إن اليوم اللي هسيب فيه بيتي هييجي بالطريقة دي».
ناثان بص للأوراق اللي قدامه، وقال:
«يبقى إنتِ ما كنتيش بتخططي لأي حاجة ضده. إنتِ كنتِ بتحاولي تحمي نفسك».
الكلام ده لمس حاجة جوايا.
لأني فعلًا ما كنتش عايزة أسبب لأحمد أي أذى، ولا كنت عايزة أشوفه بيعاني. كل اللي كنت عايزاه هو إني أبطل أتوجع بسببه.
لكن المشكلة إن أحمد ما كانش فاهم الفرق بين الست اللي بتسكت عشان بتحب، والست اللي بتسكت لأنها لسه بتحاول تدي فرصة أخيرة.
وكان فاكر إن سكوتي معناه إني ضعيفة.
قلت لناثان:
«أنا مش عايزة منه جنيه واحد زيادة عن حقي. ومش عايزة أستخدم أي حاجة تخصني علشان أضغط عليه. بس مش هاسمح له إنه يتصرف في حاجة جدي سابهالي».
ناثان قفل الملف وقال بحزم:
«وده حقك. هنراجع الاتفاقية كويس، وهنفصل ممتلكاتك الخاصة عن أي أصول مشتركة، وهنضمن إن كل خطوة تتعمل بشكل قانوني. والأهم، ما تمضيش على أي ورقة جديدة قبل ما أراجعها».
هزّيت راسي بالموافقة.
وقبل ما أقوم من مكاني، سألني:
«فيه حاجة تانية أحمد ما يعرفهاش؟»
سكتّ لحظة، وبعدين قلت:
«فيه حاجة واحدة».
رفع حاجبيه.
«إيه هي؟»
بصّيت له مباشرة وقلت:
«أنا مش محتاجة فلوسه، ولا شركته، ولا اسم عيلته علشان أعيش».
ناثان ابتسم ابتسامة صغيرة.
«حاسس إن دي بالذات هي أكتر حقيقة هتضايقه».
ما كنتش أعرف وقتها إنه كان عنده حق أكتر مما تخيلت.
في نفس الوقت، في شركة المنصوري جلوبال…
أحمد كان واقف في مكتبه، وعلامات التوتر واضحة على وشه.
الموبايل في إيده، والرسالة اللي أنا بعتها لكل الموظفين مفتوحة قدامه.
كان بيقرأها للمرة العاشرة، وكأنه مستني الكلمات تتغير لو ركّز فيها كفاية.
ياسمين عادل كانت واقفة قدامه، بتحاول تبان هادية، لكن القلق كان واضح على ملامحها.
قال أحمد بانفعال:
«إزاي قدرت تعمل كده؟ إزاي تبعت رسالة بالشكل ده قدام الشركة كلها؟»
ياسمين ردّت بحذر:
«يمكن هي عرفت حاجة يا أحمد».
لفّ ناحيتها بسرعة.
«عرفت إيه؟»
اترددت قبل ما تجاوب.
«مش عارفة، بس محدش بيتصرف بالطريقة دي من غير سبب».
حط أحمد إيده على المكتب وقال:
«ليلى عمرها ما كانت بتتصرف بالطريقة دي! دي طول عمرها بتستحمل وتسكت!»
ياسمين بصّت له وقالت بنبرة هادية:
«يمكن علشان طول عمرها كانت مستنياك تتغير».
الجملة دي ضايقته أكتر مما توقع.
«إنتِ جاية تدافعي عنها دلوقتي؟»
«أنا مش بدافع عن حد. أنا بقول لك إن الموضوع ممكن يكون أكبر من مجرد خلاف بينك وبين مراتك».
أحمد سكت للحظة.
وبعدين فتح الموبايل واتصل بيا مرة تانية.
المكالمة اترفضت.
اتصل مرة تانية، وكانت النتيجة نفسها.
بعت رسالة:
«ليلى، ردي عليّ. إنتِ فاهمة غلط، والموضوع مش زي ما إنتِ متخيلة».
بعدها بدقيقة، بعت رسالة تانية:
«إحنا لازم نتكلم. ما ينفعش تنهي جوازنا برسالة على جروب الشركة».
وبعدين بعت رسالة تالتة:
«أنا جاي البيت دلوقتي».
لكنه ما كانش يعرف إن البيت اللي كان راجع له، ما بقاش فيه أي حاجة تخصه غير الذكريات.
لما أحمد رجع البيت…
وصل أحمد البيت حوالي الساعة أربعة العصر.
فتح الباب بمفتاحه، ودخل بسرعة وهو بينادي:
«ليلى!»
مافيش رد.
دخل الصالة، وبص حواليه.
المكان كان مرتب بشكل غريب.
مفيش هدوم مرمية، ولا أكواب قهوة على الترابيزة، ولا أي أثر للفوضى الصغيرة اللي كانت بتظهر كل يوم في بيتنا.
طلع السلم بسرعة، وفتح باب غرفة النوم.
أول حاجة لاحظها كانت المساحة الفاضية في الدولاب.
الرفوف اللي كانت مليانة هدومه بقت فاضية تقريبًا.
فتح الأدراج واحد ورا التاني.
ما لقاش ساعاته، ولا بعض متعلقاته الشخصية، ولا حتى الأوراق اللي كان سايبها على الكومودينو.
لفّ في الغرفة، وبعدين لاحظ ظرف أبيض فوق السرير.
كان مكتوب عليه اسمه بخط إيدي.
فتحه بسرعة.
جواه نسخة من أوراق الانفصال، ومعاها خطاب قصير.
قرأه بصوت مسموع:
«أحمد،
أنا مش هادخل في نقاش جديد عن اللي حصل، ومش هاحاول أقنعك إن تصرفاتك وجعتني. إنت عارف كويس إيه اللي حصل، وعارف إن دي مش أول مرة.
أنا اديتك فرص كتير، وكل مرة كنت برجع أقول لنفسي إن الأمور ممكن تتصلح.
لكن النهارده، قررت أبطل أستنى.
الحاجات اللي تخصك هتوصلك عن طريق المحامي، وأي تواصل بيننا من دلوقتي هيكون من خلاله.
أتمنى تحترم قراري، زي ما أنا أخيرًا قررت أحترم نفسي.
ليلى».
أحمد نزل الورقة من إيده ببطء.
ولأول مرة، بدأ يستوعب إن الموضوع مش مجرد محاولة مني علشان أخوفه أو أخليه يغير تصرفاته.
أنا فعلًا كنت ماشية.
مسك الموبايل واتصل بأمه.
أول ما ردّت، قال بقلق:
«ماما، إنتِ لازم تكلمي ليلى. هي باعتة رسالة للشركة كلها، وسابت لي أوراق الانفصال!»
أمه سكتت ثواني، وبعدين قالت:
«إنت عملت إيه المرة دي يا أحمد؟»
اتصدم من سؤالها.
«يعني إيه عملت إيه؟»
«يعني أنا مش غبية يا ابني. كل مرة كنت بتقول لي إن عندك شغل، وإنك مضطر تتأخر، وإن ليلى بتبالغ. بس واضح إن الموضوع وصل لآخره».
قال بصوت مرتفع:
«أنا مش محتاج محاضرة منك! أنا محتاجك تساعديني أفهمها».
أمه ردّت بهدوء:
«أنا مش هاتدخل بينكم. لو هي وصلت للمرحلة دي، يبقى لازم تواجه نتيجة تصرفاتك بنفسك».
وقبل ما يقدر يرد، قفلت المكالمة.
أحمد فضل واقف في نص الغرفة، والموبايل في إيده.
كان متعود إن أي مشكلة تحصل في حياته، يقدر يحلّها بالفلوس أو بالنفوذ أو بمكالمة تليفون واحدة.
لكن المرة دي، كل الأبواب اللي كان متعود يدخل منها كانت بتتقفل في وشه.
السر اللي بدأ يظهر…
تاني يوم الصبح، ناثان اتصل بيا.
كنت قاعدة في شقتي الجديدة في الإسكندرية، قدامي فنجان قهوة ودفتر مفتوح، بحاول أرتب حياتي من أول وجديد.
قلت له:
«صباح الخير يا ناثان».
ردّ:
«صباح الخير يا ليلى. محتاج أقابلك النهارده. وصلني رد أولي من محامي أحمد، وفيه نقطة لازم نتكلم فيها».
حسّيت بقلق بسيط.
«إيه اللي حصل؟»
قال:
«أحمد بيطالب بمراجعة بعض الأصول المالية، وبيقول إن فيه ممتلكات ممكن تكون اتكوّنت أثناء الجواز. هو لسه ما يعرفش تفاصيل حصة جدك، لكن واضح إن محاميه بدأ يدور».
قفلت الدفتر اللي قدامي.
«هل يقدر يوصل لحاجة تخصني قبل الجواز؟»
«ده يعتمد على المستندات وطبيعة الملكية والاتفاقية اللي بينكم. أنا براجع كل حاجة علشان نكون جاهزين لأي ادعاء غير صحيح».
سكت لحظة، وبعدين أضاف:
«وفيه خبر تاني».
«خير؟»
«محامي أحمد طلب نسخة من مستندات استثمار قديمة مرتبطة باسم جدك».
قلبي دق أسرع.
«إزاي عرف بوجودها؟»
«مش متأكد لسه. لكن فيه احتمال إن حد من داخل الشركة قال له إنك كنتِ بتراجعي مستندات مالية قديمة».
افتكرت يوم ما كنت في مكتب ناثان، والأوراق كلها قدامنا.
ما كانش فيه حد تالت معانا.
قلت له:
«المعلومات دي ما خرجتش من عندي».
ردّ بثقة:
«أنا عارف، ومش هاسمح لأي حد يتعامل مع ممتلكاتك الخاصة كأنها جزء من ثروته».
بعد ما قفلت معاه، فضلت قاعدة ساكتة.
كنت فاكرة إن أصعب خطوة هي إني أقرر أمشي.
لكن واضح إن أحمد مش ناوي يسيبني أخرج من حياته بسهولة.
هو ما كانش عايزني زوجة، لكنه برضه ما كانش مستعد يتقبل فكرة إني أبقى مستقلة عنه.
والأخطر من كده، إنه بدأ يدور على حاجة ما كانش يعرف بوجودها أصلًا.
حصة جدي في شركة الاستثمار كانت مجرد جزء من الحقيقة.
لأن جدي قبل وفاته ساب لي خطابًا، وطلب مني ما أفتحوش إلا لو حسّيت إن فيه حد بيحاول يسيطر على مستقبلي أو ياخد مني حقي.
والخطاب ده كان لسه في خزنـتي.
قمت من مكاني، وروحت ناحية الدولاب، وطلعت المفتاح الصغير اللي كنت محتفظة بيه من سنين.
فتحت الخزنة.
كان الظرف القديم موجودًا في مكانه، وعليه اسمي بخط جدي.
مسكته بإيدي، وحسّيت للحظة إني رجعت طفلة صغيرة قاعدة جنبه في مكتبه، وهو بيقولي إن الفلوس ممكن تفتح أبواب كتير، لكن المعرفة هي اللي بتخلي الإنسان يعرف يدخل من الباب الصح.
فتحت الظرف بحذر.
أول سطر خلاني أتوقف للحظة.
كان مكتوبًا:
«إلى حفيدتي ليلى…
لو وصلتي لمرحلة إنك بتقري الرسالة دي، فغالبًا فيه حد افتكر إن سكوتك معناه إنك مش عارفة تحمي نفسك.
لكن قبل ما تاخدي أي قرار، لازم تعرفي الحقيقة كاملة عن شركة الاستثمار، وعن السبب اللي خلاني أختار إنك تكوني واحدة من أصحاب الحق فيها».
قعدت على طرف السرير، وكملت قراءة الخطاب.
وكل سطر كنت بقراه كان بيكشف لي إن جدي ما سابليش مجرد أموال أو حصة في شركة.
هو ساب لي مسؤولية أكبر بكتير.
مسؤولية مرتبطة باتفاق قديم، وأسماء من عائلات كبيرة، وقرار اتاخد من سنين طويلة، وكان ممكن يغيّر مستقبل الشركة بالكامل.
وفي آخر الصفحة، لقيت جملة قصيرة مكتوبة بخط تقيل:
«لو أحمد المنصوري أو أي فرد من عيلته حاول يوصل للمستندات دي، ما تواجهيهوش قبل ما تتواصلي مع الأستاذ فؤاد الشاذلي. هو الوحيد اللي يعرف القصة كاملة».
رفعت عيني عن الورقة.
أحمد المنصوري؟
ليه جدي ذكر اسم عيلته بالتحديد؟
وإيه علاقة عيلته بشركة الاستثمار اللي ورثت حصتي فيها؟
وليه جدي كان متوقع إن حد منهم ممكن يحاول يوصل للمستندات دي؟
في اللحظة دي، موبايلي رن.
رقم غريب.
ردّيت بحذر:
«ألو؟»
جالي صوت راجل كبير في السن، هادي لكنه جاد:
«مدام ليلى المنصوري؟ مع حضرتك الأستاذ فؤاد الشاذلي».
قلبي بدأ يدق بسرعة.
كمّل كلامه:
«أنا عرفت إنك فتحتي خطاب جدك، وعرفت كمان إن أحمد بدأ يسأل عن مستندات الشركة».
سألته بقلق:
«حضرتك تعرف إيه عن الموضوع ده؟»
سكت لحظة، وبعدين قال:
«أعرف حاجات كتير يا بنتي. لكن فيه حاجة لازم تعرفيها قبل أي حاجة تانية».
«إيه هي؟»
قال بصوت منخفض:
«جوازك من أحمد مش هو السبب اللي خلّى جدك يحذّرك من عيلته، لكن اللي حصل قبل جوازكم بسنين هو اللي ممكن يغيّر حياتكم أنتم الاتنين».
وبعدها طلب مني أقابله في أسرع وقت ممكن.
لأن الحقيقة اللي كان محتفظ بيها من سنين، ما كانتش هتغيّر نظرتي لأحمد وبس.
كانت هتخليني أعيد التفكير في كل حاجة كنت فاكرة إني أعرفها عن عيلته.
يتبع في الجزء الثالث والأخير…
الجزء الثالث والأخير: الحقيقة التي غيّرت حياة أحمد وليلى
فضلت ماسكة الموبايل بعد ما الأستاذ فؤاد الشاذلي أنهى المكالمة، وعقلي مش قادر يستوعب كلامه.
إيه اللي حصل قبل جوازي من أحمد بسنين؟
وليه جدي كان محذرني من عيلته بالتحديد؟
أنا كنت فاكرة إن حكايتي مع أحمد بدأت يوم ما اتقابلنا في إحدى المناسبات، لما كان شاب ناجح وواثق من نفسه، وعنده كل الصفات اللي خلتني أصدّق إنه هيكون شريك حياتي.
ما كنتش أعرف إن فيه أسرار قديمة، أكبر من جوازنا بكتير، لسه مستخبية ورا الأبواب المقفولة.
تاني يوم الصبح، لبست وخرجت لمقابلة الأستاذ فؤاد.
كان مكتبه في عمارة قديمة في وسط الإسكندرية، بعيد عن المكاتب الفخمة والشركات الكبيرة اللي كنت متعودة أشوفها مع أحمد.
أول ما دخلت، لقيت راجل كبير في السن قاعد ورا مكتب خشبي، وأمامه مجموعة من الملفات القديمة.
قام من مكانه، وسلّم عليّ باحترام.




