
«ليان… هما ولادي؟»
تجمدت في مكاني.
لثوانٍ، لم أسمع شيئًا من حولي.
أصوات الناس، ضحكات الأطفال، الموسيقى القادمة من المتاجر… كل شيء اختفى وكأن المول بأكمله أصبح صامتًا.
كنت فقط أنظر إلى الرجل الواقف أمامي.
كريم.
الرجل الذي اختفى من حياتي منذ خمس سنوات.
الرجل الذي تركني وأنا أحمل طفلين لم يرَ حتى وجهيهما.
نظرت إلى آدم، ثم إلى ياسين.
كانا واقفين بجواري، لا يفهمان لماذا تغير وجهي فجأة.
ثم عدت بنظري إليه.
قلت بهدوء:
«إنت بتسأل بعد خمس سنين؟»
خفض كريم عينيه للحظة، ثم رفعهما مرة أخرى.
«أنا… ما كنتش أعرف.»
ضحكت ضحكة قصيرة، لكنها لم تكن ضحكة فرح.
«ما كنتش تعرف؟»
اقترب خطوة.
«ليان، أنا أقسم لك إني ما كنتش أعرف إن الحمل كمل… ولا كنت أعرف إنهم ولدين.»
هززت رأسي.
«الغريب إنك وقتها ما حاولتش تعرف أي حاجة.»
ظهر الألم على وجهه.
لكنني لم أشعر بالشفقة.
كنت قد أمضيت خمس سنوات أتعلم كيف أعيش بدونه.
كيف أربي طفلين بمفردي.
كيف أجاوب على أسئلتهما عن والدهم عندما يكبران بما يكفي ليسألا.
كيف أبتسم عندما يقول أحدهما:
«ماما، هو بابا شبهنا؟»
كنت دائمًا أغير الموضوع.
لكن اليوم…
هو الذي جاء يبحث عن الإجابة.
قال كريم:
«ممكن نتكلم بعيد عن الناس؟»
أجبت:
«مفيش كلام بينا.»
«ليان، أرجوك.»
وقبل أن أجيبه، سمعنا صوت امرأة خلفه.
صوت أعرفه جيدًا.
صوت لم أسمعه منذ خمس سنوات، لكنني لم أستطع نسيانه.
«كريم؟»
استدار.
ثم تغير لون وجهه.
أما أنا، فتوقفت أنفاسي للحظة.
كانت والدته.
نوال الهضبة.
المرأة التي كانت السبب الحقيقي وراء نهاية كل شيء.
كانت ترتدي ملابس أنيقة، وتحمل حقيبة فاخرة، وإلى جوارها رجل في منتصف العمر يبدو كأنه أحد العاملين معها.
لكن بمجرد أن رأتني، توقفت.
ثم انتقلت عيناها إلى الطفلين.
في البداية لم تفهم.
ثم رأت وجه ياسين.
ثم آدم.
ثم عادت لتنظر إلى كريم.
كان الصمت الذي حل بيننا أقوى من أي كلام.
اقتربت نوال ببطء.
«مين دول؟»
لم أجب.
كريم قال بصوت منخفض:
«أولادي.»
شهقت المرأة.
«إيه؟»
نظر إليها كريم مباشرة.
«قلت إنهم ولادي.»
بدت وكأن الأرض اهتزت تحت قدميها.
قالت بسرعة:
«كريم، إحنا لازم نمشي دلوقتي.»
نظرت إليها.
«ليه؟»
لم تجبني.
قلت:
«خايفة من إيه يا مدام نوال؟»
تغير وجهها.
كريم نظر بيننا.
«إنتِ تعرفي أمي؟»
ضحكت بمرارة.
«أعرفها كويس جدًا.»
اقتربت نوال مني.
«ليان، مش هنا.»
«ليه؟»
«عشان الأطفال.»
نظرت إلى ولديَّ.
كانا يتابعان الموقف في صمت.
انحنيت لهما وقلت:
«آدم، ياسين، روحوا عند محل الألعاب وخليكم قدام الباب. ماما جاية لكم حالًا.»
نظر آدم إلى كريم.
«هو مين؟»
شعرت بقلبي ينقبض.
قلت:
«حد كنت أعرفه زمان.»
ذهب الولدان، لكنهما ظلا يلتفتان نحونا.
اقترب كريم مني.
«عايز أعرف الحقيقة.»
قلت:
«الحقيقة إنك سبتني.»
«أنا كنت تحت ضغط.»
«وأنا كنت حامل.»
سكت.
«كنت محتاجة منك موقف واحد بس.»
لم يجد ما يقوله.
ثم قال:
«أمي قالتلي إنك رفضتي تكلمي معايا.»
التفتُّ إلى نوال.
«هي قالتلك كده؟»
لم تنطق.
هنا بدأت أشعر أن هناك شيئًا أكبر مما كنت أتخيل.
قلت:
«طيب قولي له كمان اللي حصل بعد ما مشي.»
نوال قالت بحدة:
«كفاية.»
«لأ، مش كفاية.»
بدأ كريم ينظر إليها بريبة.
«ماما… هي بتتكلم عن إيه؟»
قالت:
«عن الماضي. وانتهى.»
«لا، ما انتهيش.»
صوته أصبح أكثر حدة.
«أنا عايز أعرف.»
نوال أمسكت بذراعه.
«كريم، تعال معايا.»
لكنه أبعد يدها.
«إنتِ كنتِ عارفة بالحمل؟»
سكتت.
لم يحتج إلى إجابة.
وجهه أخبرني أنه فهم.
«كنتِ عارفة؟»
قالت أخيرًا:
«أيوه.»
أغمض كريم عينيه.
ثم سأل بصوت مكسور:
«من إمتى؟»
لم تجب.
قلت أنا:
«من البداية.»
نظر إليّ.
«وإنتِ عرفتي إنها عارفة؟»




