
الجزء الثاني والاخير
فتح آدم الحقيبة بهدوء، وطلع منها ملف أسود سميك.
حطه على الترابيزة قدام والدي.
وقال:
“قبل ما نبدأ العشا، في موضوع قديم لازم يتقفل.”
والدي بص للملف، وبعدين بص لآدم.
“موضوع إيه؟”
آدم ما ردش.
فتح الملف وطلع أول ورقة.
حطها قدام والدي.
في اللحظة دي، وش والدي اتغير.
أنا قربت خطوة، وحاولت أشوف الورقة.
كان عليها شعار الشركة، وتحت الشعار توقيع والدي.
لكن اللي شد انتباهي أكتر كان التاريخ.
نفس التاريخ اللي اختفت فيه الفلوس من الشركة.
أمي قامت بسرعة من مكانها.
“إيه اللي بتعمله؟”
آدم رفع عينيه ناحيتها.
“بنتك اتظلمت.”
سكتت أمي.
آدم كمل:
“من خمس سنين، اتهمتوها إنها سرقت مبلغ كبير من الشركة. خليتوها تتحمل اللوم، وخسرت دراستها وسمعتها، واشتغلت سنين عشان تسدد ديون هي أصلًا ماكانتش سبب فيها.”
بص ناحية كريم.
“لكن المشكلة إن الفلوس ما اختفتش.”
كريم بلع ريقه.
“أمال راحت فين؟”
آدم ابتسم ابتسامة قصيرة من غير أي فرحة.
“ده السؤال اللي أنا جاي أجاوب عليه.”
والدي ضرب بإيده على الترابيزة.
“إنت مالك بالموضوع ده؟”
آدم رد بمنتهى الهدوء:
“لأن شركتي اشترت جزء من أصول شركتك من سنتين.”
وبعدين حط ورقة تانية قدام الجميع.
“ولأن أثناء مراجعة الحسابات، اكتشفنا حاجة غريبة.”
الصمت سيطر على المكان.
أنا كنت واقفة مش عارفة أتنفس.
آدم بصلي وقال:
“كل التحويلات اللي حصلت وقت اختفاء الفلوس كانت مرتبطة بحسابات باسم شخص واحد.”
قلبي بدأ يدق بسرعة.
أمي قالت:
“مين؟”
آدم حرك الورقة ببطء ناحية منتصف الترابيزة.
“كريم.”
البيت كله انفجر في صمت.
نورا بصت لأخوها.
“كريم؟”
كريم وقف فجأة.
“ده كذب!”
آدم ما اهتزش.
“عندي كشوف الحسابات.”
“مزورة!”
“وعندي توقيعات.”
“مستحيل!”
“وعندي تسجيلات كاميرات من البنك.”
كريم سكت.
والدي قام من مكانه.
“إنت بتحاول تدمر ابني؟”
آدم رد:
“أنا بحاول أصلح الظلم اللي حصل لبنتك.”
أمي صرخت:
“إنت مش فاهم حاجة! كريم كان صغير وقتها!”
ضحكت من شدة الصدمة.
أول مرة أضحك قدامهم بالشكل ده.
كلهم بصوا لي.
قلت:
“صغير؟”
بصيت لأمي.
“أنا كمان كنت صغيرة.”
سكتت.
قلت:
“كنت عندي 18 سنة.”
ثم نظرت إلى والدي.
“ومع ذلك، محدش سألني إذا كنت بريئة.”
والدي حاول يقرب مني.
“ليان…”
رجعت خطوة.
“ما تنادينيش كده.”
لأول مرة في حياتي، ما كنتش خايفة منه.
آدم وقف بجانبي.
مش قدامي.
كأنه كان عايز يوصل لي رسالة واضحة:
هو مش هيحارب مكاني.
هو بس هيفضل جنبي وأنا أواجههم بنفسي.
والدي قال:
“إنتِ مصدقة الكلام ده؟”
بصيت للملف.
“أنا مصدقة المستندات.”
كريم بدأ يتوتر.
“أنا ما عملتش حاجة!”
آدم فتح صفحة جديدة.
“طيب، تحب أقول لهم اسم الحساب اللي اتحولت له الفلوس؟”
كريم سكت.
آدم قال:
“الحساب كان باسم شركة صغيرة.”
ثم أضاف:
“شركة اتأسست قبل التحويلات بشهر واحد.”
والدي سأله:
“ومين مالك الشركة؟”
آدم بص له مباشرة.
“زوج أختك نورا.”
نورا شهقت.
“جوزي؟!”
آدم هز رأسه.
“بالضبط.”
نورا بصت لزوجها اللي كان واقف بعيد، ووشه بدأ يتغير.
“إنت عملت إيه؟”
الرجل ما ردش.
نورا قربت منه.
“رد عليّ!”
لكنه ظل ساكتًا.
والدي حط إيده على رأسه.
أمي بدأت تبكي.
أما كريم فكان بيبص لكل شخص في الغرفة وكأنه بيدور على مخرج.
ثم فجأة قال:
“أنا ما سرقتش الفلوس!”
آدم قال:
“أنا ما قلتش إنك سرقتها.”
كريم اتجمد.
آدم أكمل:
“قلت إن الفلوس دخلت حسابات مرتبطة بيك.”
ثم نظر إلى زوج نورا.
“لكن الشخص اللي نفذ التحويلات الفعلية كان شخصًا آخر.”
زوج نورا بدأ يتراجع للخلف.
نورا بصت له.
“إنت؟”
ما ردش.
لكن الصمت كان كافيًا.
نورا بدأت تبكي.
“ليه؟”
قال بصوت منخفض:
“كنت محتاج الفلوس.”
“وكنت مستعد تضيع مستقبل أختي عشاني؟”
سكت.
أمي فجأة تدخلت:
“خلاص! اللي حصل حصل من زمان.”
التفت إليها.
“من زمان؟”
قالت:
“كان لازم نحمي العيلة.”
بصيت لها باستغراب.
“تحموا العيلة؟”
وأشرت إلى نفسي.
“يعني أنا مش من العيلة؟”
لم تعرف ترد.
والدي جلس على الكرسي ببطء.
وبدا لأول مرة في حياتي رجلًا عجوزًا ومتعبًا.
قال:
“أنا غلطت.”
الكلمة دي وحدها كانت كفيلة إنها ترجعني لسنين ورا.
كنت مستنية أسمعها.
سنين.
لكن لما سمعتها أخيرًا…
ما حسيتش بالراحة.
حسيت بالوجع.
قلت:
“أيوه يا بابا… إنت غلطت.”
رفع عينيه.
“بس مش غلطتك إنك صدقت إنني ممكن أسرق.”
سكت.
“غلطتك إنك كنت عارف إني بريئة.”
أمي شهقت.
والدي لم ينكر.
وهنا فهمت.
هو كان عارف.
مش كل التفاصيل…
لكن كان عارف إنني لم أكن السبب.
كان عنده شكوك.
ومع ذلك، اختار أسهل حل.
اختار يحميني؟ لا.
اختار يحمي اسم العيلة.
والأهم…
اختار يحمي كريم.
آدم أخرج ورقة أخيرة من الملف.
وقال:
“وفي حاجة تانية.”




