
الجزء الثاني
الأخصائية الاجتماعية خرجت بيا من الغرفة، وسابت داليا وكريم جوه مع ملك.
مشيت وراها في ممر المستشفى وأنا حاسة إن رجلي مش شايلاني.
دخلنا أوضة صغيرة، وقعدت قدامي وفتحت ملف.
— «ممكن تحكيلي من البداية؟ من أول لحظة وصلت فيها ملك عندك.»
بدأت أحكي.
قلت لها إن داليا وصلت حوالي الساعة التاسعة والنصف صباحًا، وإن ملك كانت متضايقة من البداية، لكن أختي قالت إنها بسبب التسنين.
قلت لها إن داليا سلمتني ملك، وإنها قبل ما تمشي قالت لي إني لو حسيت إن حالتها ساءت، آخد القرار وأروح للدكتور.
الأخصائية كانت بتكتب كل كلمة.
وبعدين سألتني:
— «هل لاحظتِ أي إصابة وقت ما استلمتيها؟»
— «لا… ما شفتش كدمة. بس لاحظت إنها مش مرتاحة.»
— «هل غيرتِ لها الحفاضة؟»
— «أيوه.»
— «إمتى؟»
قلت لها تقريبًا بعد ما خرجت أختي بربع ساعة.
رفعت عينيها من الورق.
— «ولما غيرتي الحفاضة، هل لاحظتِ أي حاجة غير طبيعية؟»
ترددت.
— «بصراحة… لأ. كنت مركزة إنها بتعيط ومش عارفة مالها.»
سكتت ثواني.
ثم سألت:
— «هل حصل أي سقوط؟»
— «لا.»
— «هل اصطدمت بشيء؟»
— «لا.»
— «هل حملتِها بطريقة ممكن تضغط على رجلها؟»
— «لا. وأنا أصلًا لما بدأت تصرخ، بطلت أحركها تقريبًا.»
الأخصائية قفلت الملف.
ثم قالت جملة خلت قلبي يدق أسرع:
— «في حاجة محتاجة تعرفيها.»
بصيت لها.
— «إيه؟»
— «والدة الطفلة قالت إن ملك كانت في حالة طبيعية تمامًا وقت ما غادرت المنزل.»
اتسمرت مكاني.
— «قالت كده؟»
— «أيوه.»
— «لكن ده مش صحيح.»
— «أنا مش هنا عشان أحدد مين الصادق ومين الكاذب. دوري أجمع المعلومات.»
حاولت أتمالك نفسي.
— «طيب… وهل قالت إن الإصابة ظهرت بعد ما استلمتها؟»
الأخصائية ما ردتش مباشرة.
وده كان كفاية عشان أفهم.
كان فيه فرق كبير بين روايتي ورواية داليا.
وفي اللحظة دي، بدأ الخوف الحقيقي.
مش خوف على نفسي.
خوف من إن أختي تكون بتحاول تحط كل المسؤولية فوق دماغي.
خرجت من الأوضة، ولما رجعت ناحية غرفة ملك، لقيت كريم واقف عند الباب.
بص لي للحظة، وبعدين قال:
— «إنتِ أكيد مش عايزة تحملي نفسك ذنب حاجة ما عملتيهاش.»
استغربت كلامه.
— «وأنا قلت إني عملت حاجة؟»
اتوتر.
— «أنا بس بقول… إحنا لازم نفهم اللي حصل.»
— «وأنا كمان عايزة أفهم.»
دخلت الغرفة.
داليا كانت قاعدة جنب ملك، ماسكة إيدها.
لكن أول ما شافتني، سحبت إيدها بسرعة.
سألتها:
— «إنتِ قلتي لهم إن ملك كانت كويسة لما مشيتوا؟»
بصت لي بدون تردد.
— «أيوه، لأنها كانت كويسة.»
— «داليا، إنتِ بنفسك قلتي لي إنها متضايقة بسبب سنانها.»
— «ده مش معناه إنها كانت مصابة.»
— «أنا ما قلتش إنها كانت مصابة. قلت إنها كانت بتتألم.»
سكتت.
كريم تدخل:
— «مش وقت الكلام ده.»
بصيت له.
— «طيب إمتى وقعت الإصابة؟»
ما ردش.
وساعتها لاحظت حاجة غريبة.
كان كل واحد فيهم بيبص للتاني قبل ما يجاوب.
كأنهم خايفين يقولوا إجابة مختلفة.
بعد حوالي ساعة، الدكتورة دخلت وقالت إنهم هيعملوا فحوصات إضافية.
ثم خرجت.
وأثناء ما كنا مستنيين، تلفون الأخصائية الاجتماعية رن.
ردت، وسكتت فترة طويلة.
ثم قالت:
— «تمام… ابعتيلي الصور.»
قفلت المكالمة وبصت لي.
— «نهى، عندي سؤال أخير.»
— «اتفضلي.»
— «إنتِ عندك كاميرات مراقبة في البيت؟»
قلبي وقف لحظة.
— «أيوه.»
— «كاميرا داخلية؟»
— «عندي كاميرا في الصالة، وكاميرا عند باب الشقة.»
هزت رأسها.
— «محتاجين التسجيلات من الساعة اللي وصلت فيها أختك لحد وقت خروجك بملك للمستشفى.»
قلت فورًا:
— «طبعًا.»
لكن داليا انفجرت فجأة:
— «هو إحنا هنحقق مع أختي كأنها عملت حاجة؟!»
الأخصائية بصت لها بهدوء.
— «إحنا مش بنتهم حد. إحنا بنحاول نعرف الحقيقة.»
داليا سكتت.
أما أنا، فبدأت أفتكر تفاصيل الصبح.
ووقتها افتكرت حاجة صغيرة جدًا…
حاجة ما اهتمتش بيها وقتها.
قبل ما داليا تمشي، كانت واقفة في الصالة وهي بتحاول تهدي ملك.
وملك كانت بتتحرك بصعوبة.
ثم جاء كريم وأخذها منها.
وقتها ملك بدأت تعيط.
لكن كريم قال:
— «سيبيها، هي بس نعسانة.»
وبعدها بدقائق خرجوا.
بصيت لكريم.
كان واقف بعيد عني.
وفجأة، تلفونه رن.
طلع بره الغرفة عشان يرد.
لكن قبل ما يخرج، ظهر إشعار على شاشة تلفونه.
لمحت جزءًا من الرسالة.
كانت جملة قصيرة:
«هل اتأكدت إنهم هيصدقوا إنها حصلت وهي عند أختها؟»
تجمدت في مكاني.
كريم خرج بسرعة.
وأنا بصيت لداليا.
لكن الغريب…
إنها كانت بتبص لي هي كمان.
كأنها عرفت إني شفت الرسالة.
في اللحظة دي، لأول مرة بدأت أشك إن داليا مش بتحاول تحمي نفسها لوحدها.
يمكن هي وكريم كانوا بيحاولوا يحموا شخص تالت.
وشخص ما كنتش أعرف إنه موجود أصلًا.
وبعد دقائق، وصلت تسجيلات كاميرات البيت.
الأخصائية فتحت أول مقطع.
ظهر فيه باب الشقة.
ظهرت داليا وهي داخلة ومعاها ملك.
ثم ظهر كريم.
ثم خرجوا.
وبعدها قالت الأخصائية:
— «استني… وقفي التسجيل هنا.»
رجعت الفيديو ثواني.
وبعدين قربت الصورة.
فضلنا كلنا ساكتين.
لأن في اللحظة دي ظهر شيء لم يكن موجودًا في رواية داليا وكريم.
شخص آخر دخل الشقة قبل ما ملك تبدأ تصرخ…
وكان يحمل شيئًا صغيرًا في يده.
والأغرب؟
الشخص ده لم يكن غريبًا عن العائلة.
الجزء الثالث
فضلنا كلنا باصين للشاشة.
الصورة كانت مشوشة شوية، لكن الشخص اللي ظهر في التسجيل كان واضح بما يكفي.
الأخصائية الاجتماعية وقفت الفيديو عند لحظة دخوله.
أنا قربت من الشاشة.
وداليا حطت إيدها على بوقها.
أما كريم…
فوشه اتغير تمامًا.
قلت بصوت منخفض:
— «ده مين؟»
ما حدش رد.
الأخصائية شغلت الفيديو تاني.
الشخص دخل الشقة حوالي عشر دقائق بعد وصول داليا وكريم.
كان لابس جاكت غامق وكاب، وفي إيده شنطة صغيرة.
دخل بسرعة.
وبعد حوالي سبع دقائق خرج.
لكن قبل ما يخرج، ظهر وهو واقف قريب جدًا من المكان اللي كانت ملك فيه.
وقتها بصيت لداليا.
— «مين ده؟»
قالت بسرعة:
— «معرفش.»
لفيت ناحيتها.
— «إزاي يعني ما تعرفيش؟ ده دخل بيتي وإنتِ موجودة!»
— «يمكن حد من الجيران.»
الأخصائية هزت رأسها.
— «لا. التسجيل واضح إنه دخل بمفتاح، مش جرس الباب.»
حصل صمت ثقيل.
بصيت ناحية كريم.
كان بيبص للأرض.
قلت:
— «كريم… إنت تعرفه؟»
ما ردش.
الأخصائية أعادت السؤال:
— «هل تعرف الشخص الموجود في الفيديو؟»
رفع عينه أخيرًا.
— «أيوه.»
داليا شهقت:
— «كريم!»
بص لها وقال:
— «ما كانش ينفع أخبي أكتر من كده.»
أنا حسيت إن الدنيا بتلف بيا.
— «مين هو؟»
سكت لحظة.
ثم قال:
— «اسمه حسام.»
الاسم ما كانش غريبًا عليّ.
لكن اللي كان غريبًا هو سبب وجوده في بيتي.
— «حسام مين؟»
كريم بلع ريقه.
— «واحد كان بيشتغل معايا زمان.»
— «وبيعمل إيه عندي؟»
ما ردش.
الأخصائية قالت بحزم:
— «أنا محتاجة إجابة واضحة.»
كريم تنهد.
— «كان جاي ياخد ورق من عندي.»
صرخت:
— «ورق إيه؟!»
داليا قامت من مكانها.
— «كريم، كفاية.»
بصيت لها.
— «لأ، مش كفاية. بنتك مكسورة في المستشفى، وشخص دخل بيتي في نفس الفترة اللي حصلت فيها الإصابة، وإنتِ عايزة تسكتي؟»
بدأت داليا تبكي.
لكن الأخصائية ما اهتمتش بالبكاء قد ما اهتمت بالسؤال:
— «هل حسام لمس الطفلة؟»
كريم سكت.
وده كان أسوأ من أي إجابة.
— «رد.»
قال أخيرًا:
— «أنا ما شفتش.»
الأخصائية رجعت للفيديو.
— «إحنا هنحتاج التسجيل كامل.»
ثم سألتني:
— «هل الكاميرا بتسجل بالصوت؟»
— «أيوه.»
بدأت تشغل الجزء من التسجيل من جديد.
وفي البداية ما كانش فيه حاجة واضحة.
صوت داليا وهي بتتكلم.
صوت كريم.
صوت ملك وهي بتتحرك.
ثم…
صوت باب الشقة.
وبعدها صوت رجل.
كان منخفض، لكن مسموع.
— «هي لسه بتتحرك؟»
سكتنا كلنا.
الصوت كان صوت حسام.
ثم جاء صوت كريم:
— «أيوه.»
بعدها داليا قالت:
— «خد بالك…»
ثم انقطع الصوت للحظات.
وبعدها سمعنا بكاء ملك.
لكن البكاء المرة دي كان مختلف.
كان صرخة مفاجئة.
صرخة قصيرة وحادة.
أنا غطيت بوقي بإيدي.
الدكتورة كانت لسه موجودة في الغرفة، فطلبت الأخصائية منها تشوف التسجيل.
شاهدت المقطع مرة.
ثم قالت:
— «ده مهم جدًا.»
كريم بدأ يتوتر.
— «بس الصوت مش دليل إن حسام عمل حاجة.»
الدكتورة ردت:
— «صح. عشان كده مش هنتهم حد. لكن لازم نعرف إيه اللي حصل في الدقائق دي.»
الأخصائية سألت:
— «حسام فين دلوقتي؟»
كريم ما ردش.
داليا بصت له.
وبعد ثواني قالت:
— «مش عارفين.»
الأخصائية سألت:
— «هل كان عنده سبب يخليه يدخل بيت نهى؟»
كريم قال:
— «قلت لكم، كان جاي ياخد أوراق.»
— «أي أوراق؟»
— «أوراق تخص شغل قديم.»
الأخصائية كتبت المعلومة.
لكن أنا بدأت أربط الأحداث.
من أول لحظة داليا وصلت، كانت مستعجلة.
ثم كريم دخل البيت.
ثم ظهر حسام.
ثم حصلت صرخة ملك.
وبعدها خرجوا.
ثم أختي قالت في المستشفى:
«ملك كانت كويسة تمامًا لما سبناها.»
بدأت أسأل نفسي:
لو كانت واثقة من كلامها…
ليه طلبت مني أقول إن الكدمة ظهرت بعد خروجهم؟
وليه كريم كان مهتم يعرف هل الأشعة ممكن تحدد وقت الإصابة؟
وليه حسام دخل بيتي أصلًا؟
لكن كان لسه فيه سؤال أهم.
إيه اللي كان في الشنطة اللي ماسكها حسام؟
رجعنا للفيديو.
الأخصائية كبرت الصورة.
في اللحظة اللي حسام دخل فيها، كان ماسك شنطة صغيرة.
وعند خروجه…
الشنطة كانت مفتوحة قليلًا.
ظهر منها شيء أبيض.
الأخصائية وقفت الفيديو.
— «نهى، الشنطة دي بتاعت مين؟»
بصيت كويس.
وبعدين حسيت بصدمة.
— «دي مش شنطة حسام.»
— «متأكدة؟»
— «أيوه.»
بصيت لداليا.
— «دي شنطة ملك.»
داليا بدأت تهز رأسها بسرعة.
— «مستحيل.»
قلت:
— «أنا اللي اشتريتها لها. مستحيل أغلط فيها.»
كريم تدخل:
— «يمكن اتلخبطت.»
لكن الأخصائية كانت بتبص للتسجيل باهتمام.
ثم قالت:
— «استنوا… في حاجة تانية.»
رجعت الفيديو.
وقربت الصورة أكتر.
الشخص اللي ظهر عند باب الشقة قبل حسام…
كان واقف للحظات في المدخل.
وفي إيده موبايل.
وبعد ما حسام خرج، الشخص ده اقترب من باب غرفة ملك.
ثم رجع بسرعة.
الأخصائية قالت:
— «مين الشخص ده؟»
بصيت للصورة.
وفي اللحظة دي…
عرفته.
حسيت إن الدم انسحب من وشي.
لأن الشخص اللي ظهر في التسجيل لم يكن حسام.
ولم يكن كريم.
ولم يكن أحدًا من الجيران.
كان شخصًا أعرفه جيدًا جدًا.
كان والد داليا نفسه… والدنا إحنا الاتنين.
لكن المفاجأة الأكبر كانت في توقيت ظهوره.
لأن التسجيل أظهر بوضوح إنه دخل الشقة…
قبل داليا وكريم بحوالي خمس دقائق.
يعني كان في البيت من البداية.
ومحدش قال لي إنه جاء أصلًا.
رفعت عيني ناحية داليا.
— «بابا كان عندي؟»
داليا سكتت.
— «داليا… بابا كان عندي قبل ما تيجوا؟»
بدأت دموعها تنزل.
لكنها لم تجب.
وفي اللحظة دي، فهمت إن القصة اللي اتقالت لي من الصبح…
كانت ناقصة جزء مهم جدًا.
جزء يخفي الشخص الوحيد اللي كان موجودًا قبل الجميع.
الجزء الرابع
فضلت باصة لداليا وأنا مستنية منها كلمة واحدة.
لكنها كانت ساكتة.
الأخصائية الاجتماعية أعادت السؤال:
— «هل والدكم كان موجودًا في الشقة قبل وصولكم؟»
داليا مسحت دموعها وقالت:
— «أيوه.»
حسيت إني اتخبطت في دماغي.
— «إنتِ كنتِ عارفة؟»
هزت رأسها.
— «أيوه.»
— «وليه ما قولتيش؟»
داليا بصت لكريم.
كريم حاول يتكلم، لكنها قاطعته:
— «عشان بابا كان المفروض يخرج قبل ما نوصل.»
— «وإيه اللي كان جاي يعمله؟»
سكتت.
الأخصائية كررت السؤال:
— «ليه كان موجودًا؟»
قالت داليا بصوت ضعيف:
— «كان جاي يتكلم مع نهى.»
ضحكت من شدة الصدمة.
— «يتكلم معايا؟! عن إيه؟»
— «مش عارفة.»
— «إنتِ مش عارفة؟ وإنتِ كنتِ عارفة إنه دخل بيتي؟»
داليا بدأت تبكي.
لكن أنا ما كنتش قادر أتعاطف.
لأن في حاجة كانت بتتجمع قدامي.
حسام دخل بعدهم.
بابا كان موجودًا قبلهم.
وملك أصيبت خلال وجودهم في البيت.
والآن كل واحد فيهم بيخبي جزءًا من القصة.
الأخصائية قالت:
— «محتاجين نتكلم مع والدكم فورًا.»
داليا أخرجت هاتفها واتصلت به.
رن الهاتف.
مرة.
مرتين.
ثلاث مرات.
ولا رد.
حاولت مرة ثانية.
الهاتف كان مغلقًا.
بصيت لكريم.
— «هو فين؟»
قال:
— «مش عارف.»
— «آخر مرة شفته إمتى؟»
— «قبل ما نوصل المستشفى.»
— «يعني خرج من هنا قبل ما نعرف إن ملك عندها كسر؟»
سكت.
في اللحظة دي دخلت الممرضة بسرعة.
— «الدكتورة عايزة حد من أهل الطفلة.»
جرينا ناحية غرفة ملك.
كانت الدكتورة واقفة جنب السرير.
قالت:
— «الفحوصات الإضافية أظهرت إصابة أخرى قديمة نسبيًا.»
اتصدمت.
— «إصابة تانية؟»
هزت رأسها.
— «في علامة إصابة سابقة، مش بنفس عمر الكسر الحالي.»
بصيت لداليا.
هي كمان كانت مصدومة.
أما كريم فبدأ يعرق.
الدكتورة كملت:
— «وده معناه إن لازم نراجع التاريخ الطبي للطفلة بالكامل، ونسأل عن أي إصابات أو زيارات سابقة للأطباء.»
داليا قالت بسرعة:
— «ملك عمرها ما اتعورت.»
الدكتورة ردت:
— «ده اللي محتاجين نتأكد منه.»
الأخصائية كتبت المعلومة.
ثم سألت داليا:
— «هل الطفلة وقعت قبل كده؟»
— «لا.»
— «هل حصلت لها إصابة أثناء تغيير الملابس؟»
— «لا.»
— «هل حد غيرك وغير والدها كان بيعتني بيها؟»
داليا ترددت.
بصيت لها.
— «ردي.»
قالت:
— «أحيانًا بابا.»
الأخصائية رفعت رأسها.
— «والدك كان بيعتني بالطفلة؟»
— «أيوه.»
— «إمتى؟»
داليا سكتت.
ثم قالت:
— «من حوالي أسبوعين.»
هنا أنا حسيت إن قطعة جديدة من اللغز ركبت مكانها.
من أسبوعين.
يعني الإصابة القديمة ممكن تكون حصلت وقتها.
لكن قبل ما أقدر أتكلم، كريم قال:
— «بس بابا عمره ما كان لوحده معاها.»
داليا بصت له بسرعة.
نظرة قصيرة جدًا.
لكنها كانت كفاية.
الأخصائية لاحظتها.
— «هل ده صحيح؟»
كريم سكت.
ثم قال:
— «على حد علمي.»
الأخصائية قفلت الملف.
— «إحنا محتاجين نراجع التسجيلات القديمة كمان.»
قلت فورًا:
— «عندي التسجيلات محفوظة.»
خرجت موبايلي وبدأت أفتح التطبيق.
لكن فجأة ظهرت رسالة:
“تم حذف بعض التسجيلات تلقائيًا بسبب امتلاء مساحة التخزين.”
تجمدت.
— «إيه ده؟»
الأخصائية سألت:
— «مين عنده صلاحية الدخول على الكاميرات؟»
— «أنا.»
سكت لحظة.
ثم أضفت:
— «وداليا كان عندها كلمة المرور زمان.»
داليا انتفضت:
— «أنا ما دخلتش على الكاميرات!»
— «أنا ما اتهمتكيش.»
— «بس إنتِ بتبصي لي كأني عملت حاجة!»
قبل ما أرد، وصل إشعار جديد على هاتفي.
تم تسجيل الدخول إلى حساب الكاميرات من جهاز آخر.
بصيت للشاشة.
الجهاز كان متصلًا الآن.
الأخصائية قربت مني.
— «ممكن نعرف الجهاز ده فين؟»
ضغطت على التفاصيل.
ظهر اسم الجهاز.
وبعدها ظهر موقع الاتصال.
أنا بصيت للشاشة لثواني.
ثم رفعت عيني.
— «الجهاز موجود في…»
ما كملتش.
لأن داليا خطفت الهاتف من إيدي.
بصت للمكان.
وبمجرد ما قرأت الاسم، انهارت على الكرسي.
قلت:
— «إنتِ تعرفي المكان ده؟»
ما ردتش.
كريم قرب منها.
— «داليا… قولي لها.»
صرخت:
— «اسكت!»
الأخصائية قالت بحزم:
— «لازم نعرف الحقيقة الآن.»
داليا بدأت تبكي.
ثم قالت بصوت متقطع:
— «ده مكتب بابا.»
الصمت ملأ الغرفة.
يعني والدنا لم يكتفِ بأنه دخل بيتي.
بل بعد خروجه، كان هناك جهاز في مكتبه ما زال متصلًا بنظام الكاميرات.
وهذا يعني أن شخصًا ما…
كان يشاهد تسجيلات بيتي في الوقت الحقيقي.
لكن السؤال الذي جعلني أشعر بقشعريرة لم يكن: من يشاهد؟
بل:
لماذا كان يحاول حذف التسجيلات؟
وفي نفس اللحظة، وصل إشعار جديد على الهاتف.
تم حذف تسجيل مدته 11 دقيقة.
والوقت الذي حُذف فيه التسجيل كان بالضبط…
الوقت الذي بدأت فيه ملك بالصراخ.
نكمل، وهنا التحقيق يبدأ يقلب الطاولة عليهم، لأن التسجيل المحذوف مش هيكون آخر مفاجأة.
الجزء الخامس
فضلت أبص للشاشة وكأني مستنية حد يقول لي إن اللي شايفاه مش حقيقي.
11 دقيقة كاملة اختفت.
11 دقيقة هي بالضبط الفترة اللي بدأت فيها ملك تصرخ فيها بشكل مفاجئ.
قلت للأخصائية:
— «ممكن التسجيل المحذوف يرجع؟»
ردت:
— «ممكن نحاول، لكن لازم متخصص يفحص النظام. والأهم دلوقتي إننا نحافظ على أي تسجيلات موجودة قبل ما يحصل حذف تاني.»
أخذت مني الهاتف وسجلت بيانات الحساب.
ثم التفتت لداليا.
— «محتاجين نتكلم مع والدك.»
داليا بدأت تبكي.
— «مش هتقدروا توصلوا له.»
— «ليه؟»
سكتت.
كريم قال:
— «هو سافر.»
بصيت له.
— «سافر إمتى؟»
— «من شوية.»
— «من شوية؟ يعني بعد ما خرج من بيتي؟»
هز رأسه.
— «أيوه.»
— «إلى فين؟»
ما ردش.
الأخصائية قالت:
— «لو سمحت، أي معلومة عن مكانه لازم تتقال.»
كريم تنهد.
— «قال إنه رايح القاهرة.»
أنا اتصدمت.
— «بابا عنده شغل في القاهرة من بكرة! إيه اللي يخليه يسافر فجأة النهارده؟»
ولا واحد رد.
في اللحظة دي، دخلت الدكتورة وقالت إن ملك مستقرة، وإنهم هيبدأوا إجراءات تثبيت رجلها.
قربت من السرير.
كانت صغيرة جدًا.
وشها متعب.
وأنا حسيت بغصة في حلقي.
أنا كنت عارفة ملك من يوم ولادتها.
كنت بعتبرها زي بنتي.
وعشان كده فكرة إن حد ممكن يكون آذاها كانت فوق احتمالي.
رجعت للأخصائية.
— «أنا عايزة أعرف الحقيقة، حتى لو كانت هتوجعني.»
قالت:
— «وده بالضبط اللي بنحاول نوصله.»
بعد دقائق، وصل شخص من أمن المستشفى.
قال للأخصائية إن الشرطة بدأت إجراءات رسمية بسبب طبيعة الإصابة.
وبعدها طلبوا مني أقدم تسجيلات الكاميرات الأصلية.
أنا وافقت فورًا.
لكن أثناء ما كنت بفتح التطبيق، لاحظت حاجة غريبة.
الحساب كان متصلًا بجهازين.
جهازي أنا…
وجهاز تاني اسمه:
“K-Office”.
بصيت لكريم.
— «ده جهازك؟»
قال بسرعة:
— «لا.»
— «طيب جهاز مين؟»
— «معرفش.»
داليا قالت:
— «ممكن يكون جهاز بابا.»
سألتها:
— «بابا عنده حساب الكاميرات؟»
سكتت.
قلت:
— «داليا.»
قالت أخيرًا:
— «أنا اللي اديته كلمة السر.»
— «ليه؟»
— «عشان كان بيطمن على ملك.»
— «من مكتبه؟»
— «أيوه.»
هزيت رأسي.
— «طيب ليه حذف التسجيل؟»
— «ما أعرفش.»
في اللحظة دي وصل إشعار جديد.
تم تسجيل الدخول من جهاز K-Office مرة أخرى.
لكن المرة دي ظهر عنوان مختلف.
مش مكتب بابا.
موقف سيارات مستشفى في القاهرة.
بصيت للأخصائية.
— «الجهاز بيتحرك.»
قالت:
— «احتفظي بصورة من الشاشة.»
صورتها فورًا.
ثم بدأت أفكر.
لو بابا هو اللي بيستخدم الجهاز…
فهو قريب من القاهرة.
لكن ليه دخل على الكاميرات بعد ما وصلنا المستشفى؟
وليه بيحاول يمسح التسجيلات؟
وقبل ما نقدر نجاوب، وصلني إشعار جديد.
محاولة حذف تسجيل إضافي.
لكن المرة دي العملية فشلت.
الأخصائية قالت:
— «ما تفتحيش أي حاجة تانية. خلي كل شيء زي ما هو.»
بعد دقائق، وصل متخصص من المستشفى لمراجعة التسجيلات.
وبالفعل قدر يستخرج نسخة من الجزء المحذوف من الذاكرة المؤقتة للنظام.
بدأنا نشاهد.
أول دقيقة كانت عادية.
داليا تحمل ملك.
كريم واقف جنبها.
ثم يظهر والدنا.
دخل وهو يحمل ظرفًا بنيًا.
وقف مع كريم.
بعدها خرجت داليا للمطبخ.
بقي الرجال الثلاثة في الصالة.
ثم ظهر حسام.
دخل وأغلق الباب.
وفي اللحظة دي، سمعت صوت كريم بوضوح:
— «إنت متأكد إن الموضوع مش هيظهر؟»
حسام رد:
— «لو اتعمل زي ما اتفقنا، محدش هيعرف.»
حسيت بقشعريرة.
داليا غطت وشها.
لكن التسجيل استمر.
ثم ظهر والدنا وهو يقول:
— «المهم إن المسؤولية تبعد عني وعن بنتي.»
توقفت أنفاسي.
بصيت لداليا.
— «عن بنتك؟»
لكنها كانت منهارة.
كريم قال:
— «نهى هي اللي هتكون لوحدها مع ملك وقت كفاية.»
ثم جاء صوت والدنا:
— «وده المطلوب.»
الأخصائية أوقفت التسجيل.
ما حدش اتكلم.
أنا كنت مصدومة.
مش بس لأنهم كانوا بيتكلموا عن تحميل المسؤولية لي…
لكن لأن الكلام كان واضحًا جدًا.
كان فيه اتفاق مسبق.
ومع ذلك، لم نكن نعرف بعد ما الذي حدث لملك في تلك الدقائق.
شغّلنا التسجيل مرة أخرى.
بعد خروج داليا من الصالة، اقترب حسام من ملك.
ثم انحنى عليها.
وبعدها ظهرت حركة سريعة خارج إطار الكاميرا.
ملك بدأت تصرخ.
هنا وقف التسجيل.
الدكتورة قالت:
— «ده لازم يتسلم للجهات المختصة.»
لكن فجأة…
داليا رفعت رأسها وقالت:
— «أنا لازم أقول لكم حاجة.»
بصيت لها.
قالت وهي تبكي:
— «حسام ما كانش الشخص اللي المفروض يكون مع ملك.»
— «يعني إيه؟»
— «كان فيه شخص تاني.»
— «مين؟»
داليا بصت ناحية كريم.
ثم قالت:
— «الشخص اللي كنا متفقين إنه يدخل البيت قبلنا…»
سكتت لحظة.
ثم قالت:
— «كان المفروض يكون بابا… لكن بابا قال إنه مش هيقدر يعملها بنفسه.»
الأخصائية سألتها:
— «يعمل إيه؟»
داليا انهارت تمامًا وقالت:
— «كان المفروض ياخد ملك ويوديها لأوضة تانية… عشان يحصل موقف يبان كأنه حادث.»
تجمدت في مكاني.
لكن السؤال اللي جه في دماغي فورًا كان:
إذا كان والدنا هو صاحب الخطة… فلماذا لم ينفذها بنفسه؟
وفي اللحظة نفسها، وصل إشعار جديد على هاتف الأخصائية.
كان من الشرطة.
تم العثور على سيارة والدنا متوقفة أمام محطة قطارات في القاهرة… لكن والدنا نفسه لم يكن بداخلها.
والأغرب…
إن كاميرات المحطة أظهرت شخصًا آخر نزل من السيارة.
حسام.
الجزء قبل الأخير
لما الأخصائية قالت إن حسام هو اللي نزل من عربية بابا في محطة القطار، حسيت إن كل حاجة حواليا وقفت.
بصيت لداليا.
كانت قاعدة على الكرسي، ووشها غرقان في الدموع.
قلت لها:
— «إنتِ كنتِ عارفة إن حسام هياخد عربية بابا؟»
هزت رأسها بالنفي.
— «والله ما أعرف.»
كريم كان ساكت.
لكن المرة دي أنا ما سبتوش.
— «إنت تعرف.»
رفع عينه لي.
— «أعرف إيه؟»
— «تعرف حسام راح فين، وليه كان داخل بيتي، وليه بابا كان موجود.»
فضل ساكت.
الأخصائية قالت بحزم:
— «لو عندك أي معلومة، إخفاؤها دلوقتي ممكن يعقد الموضوع أكتر.»
كريم أخد نفس عميق.
— «حسام ما كانش المفروض يأذي ملك.»
قلت بغضب:
— «طيب كان المفروض يعمل إيه؟»
— «كان المفروض يخلي الإصابة شكلها كأنها حصلت بالصدفة.»
— «إصابة؟!»
هز رأسه.
— «آه.»
— «إنت كنت عارف إنهم ناويين يعملوا حاجة في طفلة عمرها ست شهور؟!»
— «أنا ما كنتش عارف التفاصيل.»
صرخت:
— «بس كنت عارف إن في حاجة هتحصل!»
ما ردش.
الدكتورة دخلت في اللحظة دي، وقالت إن ملك محتاجة تدخل طبي، وإن الإجراءات بدأت.
وقبل ما أخرج من الغرفة، سمعت داليا بتقول:
— «أنا آسفة.»
وقفت.
بصيت لها.
— «الاعتذار ده متأخر أوي.»
قالت وهي بتبكي:
— «أنا ما كنتش عايزة يحصل لها حاجة.»
— «بس كنتِ عايزة يحصل لي أنا حاجة.»
سكتت.
لأنها ما قدرتش تنكر.
خرجت من الغرفة وأنا حاسة إن فيه سؤال واحد لسه ناقص.
ليه؟
ليه كانوا عايزين يحمّلوني المسؤولية؟
ليه أنا بالذات؟
بعد حوالي نصف ساعة، رجع ضابط الشرطة ومعاه معلومات جديدة.
قال للأخصائية:
— «حددنا مكان حسام.»
سألته:
— «فين؟»
— «في محطة قطارات القاهرة.»
— «اتمسك؟»
هز رأسه.
— «لا، لكنه ترك حقيبة.»
قلبي دق بسرعة.
— «الحقيبة اللي كانت معاه؟»
— «أيوه.»
ثم فتح الضابط صورة للحقيبة.
عرفتها فورًا.
كانت نفس الحقيبة اللي ظهرت في تسجيل كاميرات بيتي.
قال:
— «لقينا جواها ملابس للطفلة، وعلبة دواء، وهاتف، وبعض الأوراق.»
بصيت له.
— «وأوراق إيه؟»
— «ده لسه بيتفحص.»
بعد دقائق، وصل تقرير أولي.
الأوراق كانت عبارة عن نسخ من مستندات تخص شقة أملكها أنا.
اتصدمت.
— «ليه حسام معاه أوراق شقتي؟»
الدنيا بدأت تركب قدامي.
الخطة ما كانتش بس عشان يلبسوني إصابة ملك.
كان فيه سبب تاني.
الأوراق كانت مرتبطة بملكية الشقة.
والدتي كانت قديمًا سجلت لي الشقة باسمي وحدي.
لكن من شهور، داليا بدأت تتكلم معايا عن إن بابا شايف إن الشقة لازم تكون «حق العيلة».
رفضت.
يمكن من هنا بدأت المشكلة.
لكن لسه ما كنتش فاهمة إيه علاقة ملك بالموضوع.
الضابط قال:
— «في ورقة فيها توقيع.»
بصيت لها.
التوقيع كان شبه توقيعي.
لكن أنا متأكدة إني ما وقعتش الورقة دي.
قلت:
— «ده مش توقيعي.»
قال:
— «ده اللي إحنا محتاجين نثبته.»
وهنا فهمت.
لو حصلت لي مشكلة قانونية أو اتهام رسمي، كان ممكن استخدام الورقة ضدي.
كانوا بيجهزوا أكتر من سيناريو.
واحد يحملني مسؤولية إصابة ملك.
والثاني يستخدم توقيعًا مزورًا للاستيلاء على الشقة.
لكن لماذا الآن؟
اتصل الضابط بشخص آخر، وبعد دقائق قال:
— «عندنا معلومة أخطر.»
بصيت له.
— «إيه؟»
قال:
— «الشقة اللي حسام كان شايل أوراقها… اتعرض عليها للبيع من أسبوعين.»
— «إيه؟!»
— «والعرض اتقدم باسم شركة.»
سألته:
— «شركة مين؟»
فتح الملف.
ثم نظر إليّ.
وقال:
— «الشركة مرتبطة بزوج أختك، كريم.»
حسيت إني فقدت القدرة على الكلام.
كريم كان واقف بعيد.
أول ما سمع اسمه، رجع خطوة للخلف.
بصيت له.
— «إنت كنت عايز تبيع شقتي؟»
قال بسرعة:
— «الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة.»
— «إيه اللي مش مفهوم؟!»
داليا بدأت تصرخ:
— «كريم! قول الحقيقة!»
بص لها بغضب.
— «إنتِ اللي قلتي لي إن بابا موافق!»
سكتت.
والضابط بدأ يسجل كل كلمة.
بعد دقائق، ظهر اتصال على هاتف داليا.
رقم مجهول.
رفضت ترد.
لكن الهاتف رن مرة ثانية.
الأخصائية قالت:
— «ردي.»
فتحت المكالمة على مكبر الصوت.
جاء صوت رجل.
كان متوترًا.
— «داليا… لازم تمشي من المستشفى حالًا.»
داليا شهقت.
— «حسام؟»
الصوت سكت لحظة.
ثم قال:
— «اسمعيني كويس… التسجيلات اللي عندهم مش كاملة.»
الضابط أشار لها إنها تستمر.
سألته:
— «إنت عملت إيه في ملك؟»
سكت.
ثم قال:
— «أنا ما لمستهاش.»
الكل اتصدم.
— «إذن مين لمسها؟»
جاء صمت طويل.
ثم قال:
— «الشخص اللي كان معاكم في البيت قبل ما توصلوا.»
بصيت لداليا.
— «بابا؟»
الصوت قال:
— «أيوه.»
لكن قبل ما يكمل، انقطع الاتصال.
الضابط حاول تتبع الرقم.
وفي نفس اللحظة، وصلت رسالة إلى هاتف داليا.
فتحتها.
كانت صورة واحدة فقط.
صورة لوالدنا وهو واقف أمام باب شقة.
وتحت الصورة جملة:
«لو اتكلمتِ… هتكوني أول واحدة تخسر بنتك.»
داليا بدأت ترتجف.
وهنا فهمت إن الموضوع ما كانش مجرد مؤامرة على شقتي.
كان فيه شخص أقوى من كل اللي ظهروا لحد دلوقتي.
شخص كان بيحركهم من الخلف.
والدليل الأخير كان موجودًا في هاتف حسام…
لكن الشرطة لسه ما فتحتهوش.
لأن الهاتف كان مقفولًا بكلمة سر.
وفي آخر لحظة، وصل خبر جديد:
تم القبض على حسام في محطة القطار… لكنه طلب مقابلة نهى وحدها قبل أن يتكلم مع الشرطة.
ولما دخلت عليه…
قال لي أول جملة:
«أنا ما جيتش بيتك عشان أؤذي ملك… أنا جيت أحميك إنتِ.»
الجزء الأخير
فضلت واقفة قدام حسام وأنا مش قادرة أستوعب كلامه.
— «تحميني أنا؟! إنت دخلت بيتي وأنا مش موجودة، وكنت مع ملك وقت ما بدأت تصرخ! عايزني أصدق إيه؟»
حسام بص لي بثبات، رغم التوتر اللي كان واضح عليه.
— «أنا عارف إن كل حاجة شكلها ضدي… لكن لو كنت عايز أؤذي ملك، كنت هربت من أول لحظة. أنا اللي سبت الحقيبة، وأنا اللي خليت التسجيلات توصل للشرطة.»
— «طيب مين أذى ملك؟»
سكت.
ثم قال:
— «والدك.»
حسيت بصدمة.
— «إنت متأكد؟»
— «أنا شفته.»
— «إيه اللي حصل؟»
حسام أخد نفسًا طويلًا.
— «والدك كان عايز يخلي إصابة ملك تظهر كأنها حصلت وهي معاك. كان فاكر إنك هتكوني أسهل شخص يتحمل المسؤولية.»
— «وليه؟»
— «عشان الشقة.»
هنا بدأت الصورة تكتمل.
حسام قال إن كريم كان عليه ديون كبيرة، وإن والدنا كان بيحاول يضغط عليّ عشان أبيع الشقة وأدخلهم في الصفقة.
ولما رفضت، بدأوا يدوروا على طريقة قانونية يضغطوا بيها عليّ.
لكن المشكلة إن ملك أصيبت فعلًا.
حسام قال:
— «أنا دخلت البيت عشان أصور اللي بيحصل وأجمع دليل. ما كنتش متوقع إن والدك هيتصرف بالطريقة دي.»
— «والكدمة؟»
— «كانت موجودة قبل ما أوصل.»
اتسعت عيناي.
— «يعني ملك كانت مصابة أصلًا؟»
هز رأسه.
— «أيوه.»
في اللحظة دي فهمت إن كلام أختي كان أخطر مما تخيلت.
هي قالت إن ملك كانت كويسة لما خرجوا.
لكن الحقيقة إن الإصابة كانت بدأت قبل ما تدخل عندي.
خرجت من عند حسام وأنا حاسة إنني أخيرًا بدأت أعرف الحقيقة.
لكن كان لسه فيه سؤال:
إزاي قدروا يثبتوا إن الإصابة حصلت قبل ما ملك توصل عندي؟
بعدها بساعات، جاء التقرير الطبي النهائي.
الأطباء قدروا يقارنوا بين العلامات والإصابات، وأكدوا إن بعض آثار الإصابة كانت أقدم من الوقت اللي كانت فيه ملك عندي.
أما الكسر نفسه، فلم يكن ممكن تحديد دقيق لساعة حدوثه.
لكن تسجيلات الكاميرات والصوت دعمت روايتي.
والأهم…
تم استرجاع جزء من التسجيل المحذوف.
ظهر فيه والدنا وهو يحمل ملك، ثم يتوقف فجأة عندما بدأت تصرخ.
بعدها ظهر حسام وهو يدخل بسرعة.
لم يقترب من الطفلة.
بل أمسك هاتفه وصوّر ما يحدث.
وفي التسجيل سمعنا صوت والدنا:
— «لو الموضوع ده خرج عن السيطرة، نهى هي اللي هتدفع الثمن.»
ثم جاء صوت حسام:
— «أنا مش هسمح لك تعمل كده.»
وهنا فهمت ليه حسام قال إنه جاء لحمايتي.
لكنه لم يكن بريئًا تمامًا.
كان جزءًا من الخطة في البداية، ثم تراجع عندما أدرك أن الموضوع تحول إلى إيذاء طفلة.
أما داليا…
فانهارت واعترفت بكل شيء.
قالت إنها كانت تعرف أن والدنا يريد الاستيلاء على الشقة، وإن كريم أقنعها أن الأمر لن يتعدى مجرد تمثيل موقف يجعلني أتنازل عن حقي.
لكن عندما عرفت أن ملك أصيبت، خافت.
ومع ذلك حاولت إخفاء الحقيقة.
أما كريم، فتم التحقيق معه بسبب الأوراق والتزوير ومحاولة بيع العقار دون موافقتي.
والدنا حاول الهرب، لكنه تم القبض عليه بعد ساعات.
والحقيقة الأخيرة كانت مؤلمة أكثر من كل شيء.
الورقة التي وجدوها في حقيبة حسام لم تكن عقد بيع.
كانت إقرارًا مزورًا بالتنازل عن الشقة.
وكانوا ينتظرون فقط أن أتعرض لضغط أو اتهام حتى يستخدموها ضدي.
أما ملك، فظلت في المستشفى فترة للعلاج والمراقبة، والحمد لله بدأت تتحسن تدريجيًا.
بعد أيام، جلست بجانب سريرها.
كانت نايمة وملامحها هادئة.
مسكت إيدها الصغيرة وقلت:
— «أنا آسفة إن الكبار خذلوكي.»
لكن الحقيقة إنني أنا أيضًا كنت بحاجة إلى أن أتعلم درسًا.
العيلة مش دايمًا معناها الأمان.
والثقة مش معناها إنك تسكت عن التناقضات.
وأحيانًا، الشخص اللي يطلب منك «تستري عليه» بيكون عارف كويس إن الحقيقة لو ظهرت… كل شيء هينهار.
بعد أسابيع، استرددت حقي في الشقة، وتم إيقاف إجراءات البيع.
أما داليا، فلم أقطع علاقتي بها تمامًا.
لكن علاقتنا لم تعد مثل الأول.
قلت لها:
— «ممكن أسامحك يومًا ما… لكن الثقة محتاجة وقت.»
هزت رأسها وهي تبكي.
أما ملك، فكلما رأيتها بعد ذلك، كنت أتذكر تلك الجملة التي قالتها لي داليا في صباح ذلك اليوم:
«إنتِ اللي تقرري.»
وأدركت أن القرار الأهم الذي اتخذته لم يكن الذهاب إلى المستشفى.
كان أنني لم أسمح لأحد أن يغير الحقيقة لمجرد أن الحقيقة كانت ستؤذيهم.
لأنني لو كنت انتظرت…
ولو صدقت كلام أختي…
ولو قلت «يمكن بسيطة»…
كان ممكن كل شيء ينتهي بشكل مختلف تمامًا.
ومن يومها، تعلمت قاعدة واحدة:
لما طفل صغير ما يقدرش يتكلم عن وجعه، لازم الكبار يتكلموا بالحق… مش بالنيابة عنه.
والحقيقة، مهما اتأخرت، بتعرف دائمًا طريقها للظهور.
تمت
حكايات محمد عبده




