Uncategorized

قصة روعة كاملة بقلم محمد عبده

والدي رفع رأسه.

“إيه؟”

آدم وضع الورقة أمامه.

“دي نسخة من اتفاق الاستحواذ.”

والدي بص لها.

ثم تغير وجهه.

آدم قال:

“أنا لم أكن أنوي شراء شركتك.”

سكت الجميع.

“كنت أنوي إنقاذها.”

ثم نظر إليّ.

“لكن بعد ما عرفت اللي حصل لليان، غيرت رأيي.”

والدي سأله:

“يعني إيه؟”

آدم قال:

“الشركة مش هتدخل في أي صفقة معاك.”

ثم أغلق الملف.

“لكن أنا اشتريت الديون المستحقة عليك.”

والدي وقف فجأة.

“إنت عملت إيه؟”

آدم رد بهدوء:

“من النهاردة، أنا صاحب أكبر جزء من ديون شركتك.”

كريم قال:

“يعني إنت تقدر تاخد الشركة؟”

آدم نظر إليه.

“أقدر.”

ثم التفت إليّ.

“لكن مش هعمل ده.”

الكل بص له.

قال:

“لأن الشركة دي من حق ليان أكتر من أي حد في البيت ده.”

أنا اتجمدت.

“إيه؟”

آدم أخرج ورقة جديدة.

وقال:

“لأن والدك كتب من خمس سنين تنازلًا عن نسبة من الشركة باسمك، مقابل التنازل عن اتهام السرقة.”

بصيت إلى والدي.

“إنت كنت عامل ده؟”

والدي لم يرد.

آدم قال:

“لكن الورقة لم تُنفذ.”

ثم ابتسم ابتسامة صغيرة.

“إلى الآن.”

مد الورقة نحوي.

“ولو وافقتِ… الشركة هتبقى باسمك.”

لم أمد يدي.

كنت مصدومة.

كل السنين اللي قضيتها وأنا فاكرة نفسي أقل شخص في العيلة…

وفجأة اكتشفت إن والدي كان مخبي عني حقي الحقيقي.

لكن قبل ما آخد الورقة، سمعت صوت كريم.

“استنى.”

التفتنا جميعًا.

كان واقفًا ووجهه شاحب.

وقال:

“في حاجة محدش يعرفها.”

آدم عقد حاجبيه.

“إيه؟”

كريم نظر إليّ.

ثم قال:

“الفلوس اللي اختفت من الشركة… مش كل الفلوس.”

صمت.

“في مبلغ أكبر اختفى بعدها بسنتين.”

والدي وقف.

“كريم!”

لكن كريم أكمل:

“والمرة دي… ليان مالهاش أي علاقة.”

نظرت إلى آدم.

كان وجهه قد تغير.

لأنه فهم شيئًا قبلنا جميعًا.

قال:

“مين أخذ المبلغ الثاني؟”

كريم رفع عينيه ببطء.

ونظر إلى أمي.

“هي.”

تجمدت أمي في مكانها.

وسقطت الملعقة من يد نورا.

أما أنا…

فلم أستطع حتى أن أتكلم.

لأن أمي التي قضيت سنوات أعتقد أنها كانت تكرهني…

كانت تخفي سرًا أكبر بكثير مما تخيلت.

سرًا قد يفسر لماذا اختارت تدمير حياتي بدلًا من الدفاع عني.

يتبع…
ساد الصمت في البيت كله بعد كلمة كريم.

“هي.”

أمي.

أنا.

نورا.

والدي.

كلنا بصينا لبعض، وكأن الزمن توقف.

أمي كانت واقفة مكانها، ووشها شاحب، لكنها لم تنهار كما توقعت.

على العكس…

رفعت رأسها وقالت بهدوء غريب:

“كريم… إنت عارف إنت بتقول إيه؟”

كريم رد:

“عارف.”

“إنت بتتهم أمك؟”

“أنا بقول الحقيقة.”

والدي اقترب منه.

“اسكت يا كريم.”

لكن كريم هز رأسه.

“كفاية يا بابا.”

ثم أشار ناحيتي.

“كفاية ظلم لليان.”

لأول مرة، سمعت أخويا يدافع عني.

لكن الغريب إن دفاعه لم يشعرني بالراحة.

لأنني كنت أعرف أن وراء كلامه سرًا آخر.

سألته:

“إنت عرفت إمتى؟”

سكت.

“كريم… إنت عرفت إمتى إن ماما أخدت الفلوس؟”

خفض عينيه.

“من زمان.”

ضحكت بمرارة.

“طبعًا.”

ثم بصيت لأمي.

“كل السنين دي؟”

لم ترد.

اقتربت منها.

“إنتِ كنتِ عارفة إني بريئة.”

صمت.

“كنتِ عارفة إن الفلوس ما اختفتش بسببي.”

ما زالت ساكتة.

“وكنتِ عارفة مين أخدها.”

هنا قالت:

“أنا عملت اللي كان لازم أعمله.”

قلت:

“يعني إيه؟”

تنفست بعمق.

“كان لازم أحمي أخوكي.”

تراجعت خطوة.

نفس الجملة.

نفس العذر.

لكن هذه المرة لم أعد أحتمل.

قلت:

“تحميه من إيه؟”

أمي نظرت إلى والدي.

والدي لم ينظر إليها.

قالت:

“أبوك كان على وشك يطرد كريم من الشركة.”

كريم قال:

“عشان أنا كنت عملت مشكلة.”

أمي تابعَت:

“كان كريم داخل في ديون كبيرة.”

قلت:

“فأخدتي فلوس الشركة؟”

قالت:

“كنت هسددها.”

“وبعدين؟”

سكتت.

آدم تدخل:

“المبلغ لم يذهب لسداد ديون كريم.”

أمي نظرت إليه.

آدم أخرج مستندًا آخر.

“المبلغ دخل في استثمار باسم شخص آخر.”

والدي سأله:

“مين؟”

آدم قال:

“اسم الحساب يعود لشخص اسمه فارس الشامي.”

أمي أغمضت عينيها.

وعندما فتحتها، كان واضحًا أنها أدركت أن كل شيء انتهى.

سألتها:

“مين فارس؟”

لم ترد.

آدم قال:

“كان شريكًا قديمًا لوالدك.”

والدي انتفض.

“فارس؟!”

آدم أومأ.

“بالضبط.”

والدي جلس مرة أخرى.

“ده اختفى من سنين.”

آدم قال:

“ما اختفاش.”

ثم نظر إلى أمي.

“كان بيشتغل معاها.”

أنا شعرت بقشعريرة.

“مع ماما؟”

أمي أخيرًا انهارت.

جلست على الكرسي وبدأت تبكي.

وقالت:

“أنا ما كنتش عايزة أوصل للأمر ده.”

اقتربت منها.

“إنتِ عملتي إيه؟”

قالت:

“فارس هددني.”

“بإيه؟”

نظرت إلى والدي.

ثم قالت:

“كان عنده مستندات تثبت إن أبوك عمل صفقات غير قانونية.”

والدي انتفض:

“إنتِ كنتِ تعرفي؟!”

هزت رأسها.

“أيوه.”

ساد الصمت.

والدي قال:

“وليه ما قلتيليش؟”

ردت:

“كنت خايفة.”

ثم نظرت إليّ.

“وبعدين حصل موضوع الفلوس الأولى.”

قلت:

“موضوع الخمسين ألف؟”

هزت رأسها.

“فارس هو اللي طلب مني أحمّلك المسؤولية.”

شعرت كأن الأرض اختفت من تحت قدمي.

“ليه أنا؟”

قالت:

“لأنك كنتِ أصغر واحدة… وماكانش عندك قوة تواجهينا.”

صمتُّ.

كانت تلك الجملة أقسى من كل شيء.

لم تختارني لأنني مذنبة.

اختارتني لأنني كنت الأضعف.

آدم اقترب مني.

لكنه لم يلمسني.

كان يعرف أنني أحتاج تلك اللحظة لنفسي.

والدي قال:

“والمبلغ الثاني؟”

أمي نظرت إليه.

“فارس أخده.”

آدم هز رأسه.

“مش كله.”

أمي رفعت عينيها.

آدم تابع:

“جزء منه خرج لحساب في الخارج.”

ثم أخرج صورة.

وضعها على الطاولة.

“والحساب ده باسم شخص من العيلة.”

نورا قالت:

“مين؟”

آدم قلب الصورة.

وكان الاسم ظاهرًا.

نورا الشاذلي.

نورا شهقت.

“إيه؟!”

زوجها تراجع للخلف.

نظرت إليه.

“إنت عملت إيه؟”

قال بسرعة:

“أنا ما ليش علاقة!”

آدم رد:

“الحساب اتفتح باستخدام بياناتك.”

نورا بدأت تبكي.

“أنا عمري ما فتحت حساب بالشكل ده.”

آدم قال:

“عارف.”

ثم أخرج ورقة أخرى.

“حد استخدم بياناتك من غير علمك.”

نظرت إليه.

“مين؟”

آدم لم يجب.

بدلًا من ذلك، أخرج هاتفه.

شغل مقطعًا صوتيًا.

صوت رجل كان واضحًا.

“خلصنا كل حاجة.”

ثم جاء صوت امرأة.

صوت أمي.

“المهم ليان تفضل بعيدة عن الموضوع.”

أنا وضعت يدي على فمي.

كنت أسمع صوت أمي وهي تتحدث عني.

آدم أوقف التسجيل.

قال:

“التسجيل ده من خمس سنين.”

والدي نظر إلى أمي بصدمة.

“إنتِ كنتِ بتخططي لإبعادها؟”

أمي بدأت تبكي.

“كنت بحاول أحميها.”

صرخت:

“تحميني؟!”

لأول مرة رفعت صوتي عليها.

“إنتِ حرمتيني من الجامعة!”

“خلتيني أشتغل سنين!”

“خلتيني أصدق إن كل العيلة شايفاني سارقة!”

“حتى لما الناس كانت بتبصلي باحتقار… إنتِ كنتِ ساكتة!”

أمي لم تستطع الرد.

قلت:

“أنا كنت محتاجة أم.”

سكتُّ لحظة.

“مش محامية تدافع عن العيلة ضدي.”

والدي بدأ يبكي.

لكن دموعه لم تعد تعنيني.

آدم اقترب من الملف.

وقال:

“لسه في حاجة واحدة.”

كلنا بصينا له.

“الحقيقة الكاملة لم تظهر.”

ثم نظر إلى والدي.

“لأن الشخص اللي بدأ كل ده من البداية… مش فارس.”

والدي رفع رأسه.

“أمال مين؟”

آدم أخرج صورة قديمة.

ووضعها أمامه.

والدي أول ما شاف الصورة، وقف فجأة.

“مستحيل.”

قلت:

“مين؟”

آدم نظر إليّ.

ثم قال:

“الشخص اللي كان وراء كل حاجة…”

وسكت للحظة.

ثم أضاف:

“كان أقرب شخص لوالدك.”

لكن قبل أن يسأل أحد عن هويته، انفتح باب البيت فجأة.

ودخل رجل في الخمسينيات من عمره.

كان يرتدي معطفًا رماديًا، وفي يده حقيبة جلدية.

والدي بمجرد أن رآه…

تراجع خطوة.

وهمس:

“فارس…”

الرجل ابتسم.

وقال:

“واضح إني وصلت في الوقت المناسب.”

ثم نظر إليّ مباشرة.

وقال:

“أخيرًا… قابلت بنتك.”

تجمدت.

لأن الطريقة التي قال بها كلمة “بنتك” لم تكن عادية.

كان يتحدث عني وكأنه يعرف شيئًا لا أعرفه.

آدم وقف أمامي فورًا.

وقال:

“إنت ما كانش المفروض تيجي هنا.”

فارس ابتسم.

“وأنت ما كانش المفروض تتدخل.”

ثم نظر إليّ.

وقال:

“لأن لو ليان عرفت الحقيقة كاملة…”

سكت.

ثم قال جملة جعلت والدي ينهار على الكرسي:

“هتكتشف إن كل اللي حصل لها من خمس سنين كان معمول عشان نخفي سر أكبر… سر متعلق بيها هي شخصيًا.”

نظرت إلى والدي.

ثم إلى أمي.

ثم إلى آدم.

ولأول مرة…

لاحظت أن الثلاثة كانوا ينظرون لبعضهم بنفس الخوف.

وهنا فهمت أنني لم أكن مجرد ضحية في هذه القصة.

كنت جزءًا من السر نفسه.

يتبع…
وقفت مكاني وأنا مش قادرة أستوعب كلمة فارس.

“سر متعلق بيها هي شخصيًا.”

بصيت لأبويا.

كان وشه أبيض تمامًا.

بصيت لأمي.

كانت بتعيط من غير صوت.

أما آدم، فكان ثابت، لكنه كان واضح إنه عارف إن اللحظة دي هتغيّر كل حاجة.

قلت:

“أنا عايزة أفهم.”

محدش رد.

صرخت:

“عايزة أفهم دلوقتي!”

فارس حط حقيبته على الترابيزة وفتحها.

طلع منها ملف قديم، أصفر من الأطراف.

حطه قدامي.

وقال:

“قبل ما تفتحيه، لازم تعرفي إن أبوكي وأمك كانوا بيحاولوا يحمّوكي بطريقتهم.”

ضحكت بسخرية.

“يحموني؟”

بصيت لأمي.

“هما ضيعوا عمري.”

فارس قال:

“لأنهم كانوا خايفين من الحقيقة.”

فتحت الملف.

أول ورقة كانت شهادة ميلاد.

قريتها مرة.

وبعدين مرة تانية.

اسمي كان موجود.

لكن في خانة الأب…

كان فيه اسم مختلف.

تجمدت.

رفعت عيني ناحية والدي.

“إيه ده؟”

والدي ما ردش.

صرخت:

“إيه ده؟!”

أمي انهارت في البكاء.

آدم أخذ نفسًا عميقًا.

وقال:

“ليان… والدك اللي رباكي مش والدك البيولوجي.”

وقعت الورقة من إيدي.

ما سمعتش أي صوت بعدها.

ولا حتى صوت الناس.

كل حاجة بقت بعيدة.

قلت بصوت ضعيف:

“يعني إيه؟”

فارس قال:

“والدك الحقيقي كان شريكًا قديمًا لمحمود.”

بصيت لأبي.

“إنت كنت تعرف؟”

هز رأسه.

“من أول يوم.”

“وماما؟”

قالت:

“أيوه.”

حسيت إن قلبي بيتقطع.

“طيب ليه؟”

والدي مسح دموعه وقال:

“لأن والدك الحقيقي مات قبل ولادتك.”

سكت.

“وكان عليه ديون ومشاكل كبيرة.”

ثم نظر إلى فارس.

“وفارس كان يعرف كل التفاصيل.”

فارس قال:

“لكن الموضوع ما وقفش هنا.”

أخرج مستندًا آخر.

“والدك الحقيقي ترك ليكِ حقًا كبيرًا.”

سألته:

“حق إيه؟”

قال:

“أسهم في شركة ضخمة.”

والدي قاطعه:

“كانت شركة صغيرة وقتها.”

فارس ابتسم.

“لكنها كبرت.”

ثم نظر إليّ.

“دلوقتي قيمتها تساوي ملايين.”

شعرت بدوار.

“يعني… كل الفلوس دي كانت بتاعتي؟”

قال:

“جزء كبير منها.”

والدي قال:

“عشان كده حاولنا نخبي الموضوع.”

بصيت له.

“تحموني من مين؟”

فارس رد:

“من الناس اللي كانوا عايزين يوصلوا للثروة.”

ثم أشار إلى نفسه.

“وأنا واحد منهم.”

تراجعت خطوة.

“إنت؟”

قال:

“أنا كنت شريك والدك الحقيقي.”

ثم أخرج ورقة.

“بعد وفاته، كان لازم الأسهم تنتقل ليكِ.”

آدم تدخل:

“لكن تم تجميدها.”

فارس نظر إليه.

“بسبب تزوير أوراق.”

آدم قال:

“مش تزوير واحد.”

ثم أخرج مستندات من ملفه.

“كان فيه أكتر من محاولة لإخفاء هوية ليان.”

والدي قال:

“كان لازم نعمل كده.”

نظرت إليه.

“حتى تخسرني كل حاجة؟”

قال:

“كنا خايفين عليكِ.”

صرخت:

“إنتوا خليتوني أشتغل شغلانتين!”

“خليتوني أتحمل تهمة ما عملتهاش!”

“خليتوني أعتقد إني أقل واحدة في البيت!”

أمي اقتربت مني.

“أنا آسفة.”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى