
الجزء الثاني والاخير
في صباح اليوم السادس، استيقظت على سلسلة مكالمات لم يسبق أن رأيتها من أمي بهذا العدد.
اتصلت مرة.
ثم مرتين.
ثم خمس مرات.
ثم بدأت الرسائل تنهال على هاتفي.
“إيه اللي حصل للتحويل؟”
“ليه الفلوس موصلتش؟”
“اتصلي بيا حالًا.”
لم أرد.
كنت أجلس على مائدة الإفطار أمام ليان، أضع لها قطع الجبن والفاكهة في طبقها، بينما كانت تحكي لي عن رسمة رسمتها في الحضانة.
لأول مرة منذ أيام، كانت تضحك من قلبها.
وفجأة رن هاتفها الصغير.
كانت مكالمة فيديو من خالتها داليا.
نظرت ليان إليّ بتردد.
— أرد عليها يا ماما؟
أخذت الهاتف منها بهدوء.
— لو مش عايزة، مش لازم تردي.
هزت رأسها.
لكن قبل أن أغلق المكالمة، ظهر وجه داليا على الشاشة.
— ليان، فين ماما؟
قلت:
— معايا.
تغير صوتها فورًا.
— خليها تكلمني.
— لما يكون فيه حاجة مهمة، ابعتيها لي.
صمتت لحظة، ثم قالت:
— إنتِ أوقفتِ الفلوس؟
نظرت إلى ليان.
ثم قلت:
— أيوه.
انفعلت داليا:
— إنتِ مجنونة؟ ماما عليها التزامات!
— وأنا كمان عندي التزامات.
— يعني هتسيبيها من غير مصاريف؟
— لا. أنا مش مسؤولة عن مصاريف بيتك ولا أقساط عربيتك.
صرخت:
— بعد كل اللي عملناه عشان بنتك؟
توقفت لحظة.
ثم قلت:
— تقصدي إيه بـ”اللي عملتوه”؟
سكتت.
وكان سكوتها هو الإجابة التي كنت أحتاج إليها.
—
بعد أقل من ساعة، وصلت أمي إلى أمام شقتي.
لم تأتِ وحدها.
كانت داليا معها.
فتحت الباب، فوجدتهما واقفتين أمامي.
قالت أمي:
— إنتِ عايزة تعاقبيني عشان موقف حصل مع طفلة؟
— أنا مش بعاقبك.
— أمال إيه اللي بتعمليه؟
— بحط حدود.
ضحكت بسخرية.
— حدود؟ بعد ما أنا اللي ربيتك؟
— وأنا مقدرة كل اللي عملتيه زمان.
ثم نظرت إليها مباشرة.
— لكن ده مش بيديكي الحق تخوفي بنتي.
رفعت داليا صوتها:
— هي زقت ملك!
— وكان ممكن نعلمها إن ده غلط من غير ما نستدعي الشرطة ونخوفها.
قالت أمي:
— لو ما كنتيش مدلعاها، ما كانتش عملت كده.
نظرت إليها طويلًا.
— ليان عمرها خمس سنين.
— وخمس سنين كفاية تعرف الصح من الغلط.
— وأنا قلت لها إن اللي عملته غلط.
ثم اقتربت خطوة.
— لكن اللي عملتيه إنتِ كان أسوأ.
بدأت أمي تتحدث بعصبية:
— إنتِ فاكرة نفسك مين؟ عشان بتبعتي فلوس كل شهر؟
ابتسمت بهدوء.
— لا. أنا مش شايفة نفسي أفضل منكم عشان بساعدكم.
ثم أضفت:
— بس من النهارده، المساعدة هتكون باختياري، مش مقابل إنكم تتحكموا في حياتي أو في بنتي.
لم ترد أمي.
لكن داليا قالت:
— هتندمي.
أجبتها:
— ممكن.
ثم أغلقت الباب.
—
في مساء اليوم نفسه، وصلتني رسالة من رقم غريب.
“مدام هبة، ياريت تتواصلي معانا بخصوص بلاغ جديد متعلق بحضانة الطفلة.”
تجمدت للحظة.
اتصلت بالرقم.
رد رجل وقال:
— حضرتك والدة ليان؟
— أيوه.
— إحنا من جهة مختصة بمتابعة البلاغات الأسرية. وصلنا بلاغ بوجود إهمال في رعاية الطفلة.
شعرت ببرودة في أطرافي.
— إهمال؟
— نعم. وتم ذكر إن حضرتك بتسيبي بنتك لفترات طويلة بسبب السفر والعمل.
فهمت فورًا.
أمي لم تكن تتراجع.
بل كانت تبدأ مرحلة جديدة.
قلت بهدوء:
— ممكن أعرف مين قدم البلاغ؟
— التفاصيل هتكون ضمن الإجراءات الرسمية.
أغلقت الهاتف.
ذهبت إلى غرفة ليان.
كانت جالسة على الأرض وترسم بيتًا كبيرًا.
سألتني:
— ماما، ليه وشك متغير؟
جلست بجوارها.
— مفيش حاجة يا حبيبتي.
ثم نظرت إلى الرسم.
كان هناك ثلاثة أشخاص يمسكون أيدي بعضهم.
أنا وليان… وشخص ثالث رسمته بعيدًا قليلًا.
سألتها:
— مين ده؟
قالت:
— بابا.
ابتسمت.
ثم سألت فجأة:
— ماما… هو أنا هعيش معاكي على طول؟
احتضنتها بقوة.
— أيوه.
لكن هذه المرة، لم أكتفِ بالوعد.
قررت أن أحمي ذلك الوعد بالأوراق والقانون.
—
في صباح اليوم التالي، ذهبت إلى محامية أعرفها منذ سنوات.
وضعت أمامها كل شيء.
رسائل أمي.
المكالمات.
تفاصيل ما حدث مع الشرطة.
والتحويلات المالية التي كنت أرسلها للعائلة.
ثم أخبرتها بالبلاغ الجديد.
قرأت الأوراق بصمت.
وبعد عدة دقائق رفعت عينيها إليّ.
— هبة، عندك حاجة مهمة جدًا.
— إيه؟
— إنك ما حاولتيش تردي عليهم بنفس الأسلوب.
ثم سألت:
— هل عندك أي دليل على إن والدتك هددت الطفلة أو أخافتها؟
ترددت لحظة.
ثم فتحت هاتفي.
— عندي تسجيل صوتي.
رفعت حاجبها.
— إزاي؟
قلت:
— ليان كانت بتسجل صوتها وهي بتلعب من غير ما تعرف إني بسمع. وفي تسجيل قديم، سمعت صوت أمي وهي بتقول لها إن الشرطة ممكن تاخدها.
استمعت المحامية إلى التسجيل.
وبعدها أغلقت الهاتف ببطء.
— ده مهم.
ثم أضافت:
— لكن الأهم إننا ما نستخدمش الموضوع للانتقام.
نظرت إليها.
— أنا مش عايزة أنتقم.
— كويس.
فتحت ملفًا جديدًا.
— لأننا هنطلب إجراء قانوني يمنع أي شخص من تخويف الطفلة أو التدخل في رعايتها بدون موافقتك.
ثم قالت جملة جعلتني أشعر لأول مرة أن الأمور بدأت تتحرك في الاتجاه الصحيح:
— وكمان هنراجع كل البلاغات اللي اتقدمت ضدك، لأن لو حد بيستخدم الجهات الرسمية للضغط عليك، ده لازم يتوثق.
خرجت من مكتبها وأنا أحمل ملفًا صغيرًا.
لكنني لم أكن أعرف أن أمي كانت في نفس الوقت تخطط لضربة أكبر.
—
بعد يومين، كنت أقود سيارتي عائدة من العمل عندما وصلني اتصال من مدرسة ليان.
— مدام هبة، ممكن تيجي المدرسة؟
شعرت بالقلق.
— ليه؟ ليان حصل لها حاجة؟
— هي بخير، لكن في شخص حاول يستلمها من المدرسة.
توقفت عن الكلام.
— مين؟
جاء صوت الموظفة مترددًا:
— جدتها… مدام نوال.
نظرت إلى الطريق أمامي.
ثم سألت:
— وإنتوا سلمتوها؟
— لا طبعًا. اسمها مش موجود ضمن الأشخاص المصرح لهم باستلام الطفلة.
أغلقت الهاتف.
وأدرت السيارة فورًا.
عندما وصلت، كانت ليان في مكتب الإدارة.
كانت تمسك حقيبتها الصغيرة بقوة.
وما إن رأتني حتى ركضت نحوي.
— ماما!
احتضنتها.
ثم سألتها:
— حصل إيه؟
همست:
— تيتة قالت إنها جاية تاخدني عندها.
نظرت إلى مديرة المدرسة.
قالت:
— رفضنا طبعًا، لكنها كانت مصرة جدًا.
ثم سلمتني ورقة.
— قالت إن عندها مستندات تثبت إن من حقها تستلم الطفلة.
نظرت إلى الورقة.
لم تكن مستندًا رسميًا.
كانت مجرد خطاب كتبته أمي بنفسها.
وفي أسفل الصفحة، كانت هناك جملة واحدة جعلت الدم يغلي في عروقي:
“الأم غير مستقرة، والطفلة من حق الأسرة.”
أغلقت الورقة.
ثم أخذت نفسًا عميقًا.
لأنني أدركت أن الأمر لم يعد مجرد خلاف عائلي.
أمي كانت تحاول أن تنتزع مني شيئًا أغلى من المال.
كانت تحاول أن تنتزع مني ابنتي.
وفي تلك اللحظة، رن هاتفي.
كانت المحامية.
قالت:
— هبة، لازم تقعدي.
— ليه؟
— وصلني إخطار رسمي.
— بخصوص إيه؟
سكتت لثوانٍ.
ثم قالت:
— والدتك وأختك قدموا طلبًا للمحكمة للحصول على حق في رعاية ليان… وقدموا فيه ادعاءات عنك لم أتوقع أنهم يجرؤوا على كتابتها.
نظرت إلى ابنتي.
وضممت يدها الصغيرة إلى يدي.
وقلت:
— ابعتي لي صورة الطلب.
بعد دقائق وصلتني الأوراق.
فتحتها.
وقرأت الصفحة الأولى.
ثم الثانية.
ثم الثالثة.
وفي الصفحة الأخيرة، وجدت اسم شاهد لم أتوقعه أبدًا…
شخص كان يعرف سرًا قديمًا عن عائلتي بالكامل.
ظللت أحدق في الاسم الموجود أسفل الصفحة.
لم أكن أصدق ما أراه.
أحمد سامي.
اسم لم أسمعه منذ أكثر من ست سنوات.
كان أحمد جارنا القديم، والرجل الذي كان يعمل في العقار الذي عاشت فيه أمي لسنوات طويلة.
لكن وجود اسمه في الطلب لم يكن هو المفاجأة.
المفاجأة كانت في صفته كشاهد.
قالت المحامية عبر الهاتف:
— هبة، إنتِ تعرفي الشخص ده؟
— أعرفه… لكن مش فاهمة ليه اسمه موجود هنا.
— والدتك بتقول إنه شاهد على إنك كنتِ بتسيبي ليان عندها لفترات طويلة، وإنها كانت المسؤولة عن رعايتها.
ضحكت من شدة الصدمة.
— ده كذب.
— عندك دليل؟
— عندي حاجة أقوى.
— إيه؟
قلت:
— أحمد كان موجود يوم كنت بنقل ليان من عند أمي بعد ما حصلت مشكلة كبيرة.
ساد الصمت.
— مشكلة إيه؟
تنفست ببطء.
— أمي مش أول مرة تحاول تتحكم في بنتي.
ثم بدأت أحكي لها كل شيء.
—
قبل عام تقريبًا، كنت مضطرة للسفر لمدة ثلاثة أيام بسبب العمل.
طلبت من أمي أن تساعدني في رعاية ليان خلال تلك الفترة.
وافقت.
لكن عندما عدت، وجدت أن أمي قررت من نفسها تغيير بعض الأشياء في حياة ابنتي.
غيّرت مواعيد نومها.
منعتها من بعض الأطعمة التي أحبها.
وأخبرتها أن عليها أن تستمع لكلامها حتى لو خالف كلامي.
لم أكن أريد مشكلة.
فقلت لأمي بهدوء:
— أنا بشكرك على مساعدتك، لكن ليان بنتي وأنا اللي أحدد طريقة تربيتها.
وقتها قالت لي:
— وإنتِ طول الوقت مسافرة وبتشتغلي. إحنا اللي بنشيل عنك.
أخذت ليان وذهبت.
وكان أحمد موجودًا في مدخل العقار.
سمع جزءًا من الحوار.
لكنه لم يتدخل.
والآن، بعد سنة، أصبح اسمه شاهدًا ضدي.
قالت المحامية:
— لازم نتواصل معاه.
— حاضر.
—
اتصلت بأحمد.
في البداية لم يرد.
ثم بعد ساعات، أعاد الاتصال.
— ألو؟
— أستاذ أحمد؟
— أيوه.
— أنا هبة.
سكت قليلًا.
— عرفت.
— ممكن أسألك عن حاجة؟
— عارفة هتسأليني عن إيه.
شعرت بالتوتر.
— هل أمي كلمتك؟
— أيوه.
— وقالت لك إيه؟
تنهد.
— قالت إنك مهملة في حق بنتك وإنها هي اللي كانت بتربيها.
أغلقت عيني.
— وإنت صدقتها؟
— لا.
جاءت الإجابة سريعة.
فتحت عيني.
— طيب ليه وافقت تكون شاهد؟
قال:
— أنا ما وافقتش أشهد ضدك.
— أمال؟
— والدتك طلبت مني أوقع على ورقة، وقالت إنها مجرد إفادة إنك كنت بتسافري للشغل.
شعرت بالغضب.
— وقعت؟
— أيوه… لكن بعد ما قرأت الطلب اللي قدمته للمحكمة، اكتشفت إنها استخدمت كلامي بطريقة مختلفة تمامًا.
ثم قال:
— وأنا مستعد أوضح الحقيقة.
شعرت للمرة الأولى منذ أيام أن هناك شخصًا يقف في صفي.
—
في اليوم التالي، ذهب أحمد إلى مكتب المحامية.
أحضر معه نسخة من الورقة التي وقعها.
لكن عندما قرأتها المحامية، اكتشفت شيئًا أخطر.
التوقيع كان موجودًا بالفعل.
لكن النص الموجود تحت التوقيع لم يكن هو النص الذي وافق عليه أحمد.
كان هناك اختلاف واضح بين النسخة التي وقعها وبين النسخة المقدمة للمحكمة.
قالت المحامية:
— دي نقطة مهمة جدًا.
ثم سألت أحمد:
— هل عندك النسخة الأصلية؟
أخرج هاتفه.
— صورتها قبل ما أسلمها.
عرض الصورة.
كانت الكلمات مختلفة.
وبعض الجمل التي ظهرت في الطلب القضائي لم تكن موجودة أصلًا.
المحامية نظرت إليّ.
— واضح إن حد عدّل المستند.
لم أتكلم.
لكنني شعرت بأن الصورة بدأت تكتمل.
أمي لم تكن تتصرف بعشوائية.
كانت تجمع كل شيء ضدي.
—
في المساء، وصلتني رسالة من أختي داليا.
“لو عندك ذرة عقل، تنازلي عن الموضوع قبل ما يكبر.”
لم أرد.
ثم وصلت رسالة ثانية:
“إحنا مش عايزين منك فلوس. إحنا عايزين مصلحة ليان.”
وأخيرًا:




