
في آخر ساعة من السنة الرابعة، كان القصر هادئًا بشكل مخيف.
الأطفال الثلاثة كانوا نايمين في الجناح المخصص لهم، والمربيات اتحركوا في صمت، وكأن كل الموجودين في البيت عارفين إن فيه حاجة كبيرة هتحصل.
إيما كانت قاعدة في غرفتها، بتبص للساعة كل شوية.
11:45 مساءً.
قلبها كان بيدق بسرعة.
وفجأة…
سمعت صوت خطوات تقيلة في الممر.
رفعت رأسها، وقبل ما تقوم من مكانها، الباب اتفتح.
دخل عمر.
لكن المرة دي، ملامحه ما كانتش زي كل مرة.
لا ابتسامة، ولا هدوء.
كان ماسك ملف أسود في إيده.
حطه قدامها على الترابيزة وقال:
— السنة خلصت.
إيما بلعت ريقها وقالت بصوت مرتعش:
— أنا عارفة.
فتح الملف وطلع منه ورقة.
— وإنتي عارفة كمان إنك وقعتِ على شرط واضح.
إيما بصت له بحزن:
— أنا حاولت يا عمر… والله حاولت. أنا مش بإيدي.
سكت عمر ثواني، وبعدها قال:
— عارف.
الكلمة دي خلتها تستغرب.
— عارف؟
هز رأسه.
— الدكتور بلغني من شهور إن الحمل بقى خطر جدًا على جسمك.
إيما قربت منه باستغراب:
— طب ليه كنت ساكت؟
عمر ما ردش.
بدل ما يجاوب، فتح درج المكتب وطلع منه ظرف أبيض قديم.
مده لها وقال:
— افتحيه.
إيما فتحت الظرف بإيدين بتترعش.
جواه كانت فيه صورة قديمة…
صورة لست روسية شابة، شبه إيما بشكل غريب.
إيما اتجمدت مكانها.
— مين دي؟
عمر بص للصورة طويلًا قبل ما يقول:
— أمي.
إيما شهقت:
— أمك روسية؟
— أيوه.
— وليه شكلها شبهي كده؟
هنا عمر سكت.
لكن قبل ما يتكلم، حصلت حاجة أغرب.
الباب اتفتح فجأة، ودخلت والدة عمر.
كانت ست كبيرة في السن، هادئة، لكن أول ما شافت الصورة في إيد إيما، وشها اتغير.
قالت بسرعة:
— عمر… إنت قلت لها؟
عمر رد:
— كان لازم تعرف.
إيما قامت واقفة.
— أعرف إيه؟!
الست قربت منها، وبصت في عينيها وقالت:
— الشرط اللي وقّعتي عليه مش شرط عمر هو اللي اخترعه.
إيما حسّت إن الأرض بتتحرك تحت رجليها.
— يعني إيه؟
والدة عمر قفلت الباب وراها، وقالت بصوت منخفض:
— العيلة دي عندها سر من أكتر من خمسين سنة.
وبعدها أشارت للملف الأسود.
— وكل زوجة بتدخل العيلة… لازم تعرف الحقيقة قبل ما يكون فات الأوان.
إيما فتحت الملف بسرعة.
وكانت أول ورقة فيه صادمة.
أسماء نساء…
وتواريخ زواج…
وأمام كل اسم عدد من الأطفال.
لكن جنب بعض الأسماء كان فيه علامة حمراء.
إيما بدأت تقرأ.
ثم توقفت عند اسم واحد.
اسم والدة عمر.
وبجواره:
“ثلاثة أطفال فقط.”
رفعت عينيها لعمر.
— أمك خالفت الشرط؟
والدة عمر ردت:
— لا.
ثم سكتت لحظة وقالت:
— هي كانت أول واحدة تحاول تكسره.
وفجأة…
اتسمع صوت بكاء طفل من آخر الممر.
إيما جريت ناحية غرفة أولادها.
فتحت الباب…
لكن الغرفة كانت فاضية.
السرير اللي كان فيه آدم، وميا، وليو…
كانوا خاليين.
صرخت إيما:
— أولادي فين؟!
عمر جرى وراها.
لكن لما دخل الغرفة، وقف مكانه كأنه اتشل.
على السرير كان فيه ظرف صغير.
وعليه اسم إيما.
فتحت الظرف.
وكان جواه سطر واحد فقط:
“لو عايزة أولادك يرجعوا، لازم تعرفي الحقيقة اللي أخفاها عنك زوجك.”
إيما بصت لعمر.
المرة دي ما كانش في عينيها خوف بس…
كان فيه غضب.
— إنت كنت عارف إن ده هيحصل؟
عمر ما جاوبش.
إيما قربت منه وقالت:
— عمر… أولادي فين؟!
فضل ساكت.
ثم قال جملة واحدة جعلتها تشعر أن كل شيء عاشته خلال السنوات الأربع الماضية كان مبنيًا على كذبة:
— أولادك مش اتخطفوا يا إيما…
وسكت.
— هم اتاخدوا عشان أحميهم.
إيما بصت له بعدم تصديق.
— تحميهم من مين؟
عمر رفع عينيه إليها وقال:
— من عيلتي.
وفي اللحظة دي، اتسمع صوت باب القصر الرئيسي بيتقفل بقوة…
وبعدها صوت عشرات الخطوات وهي بتقترب من الجناح.
إيما مسكت الورقة بإيدها، وعرفت إن اللي جاي مش مجرد خلاف عائلي…
دي كانت بداية حرب، والسر اللي اكتشفته كان أخطر بكتير من مجرد شرط للإنجاب.
لكن الصدمة الحقيقية كانت لسه ما بدأتش…
لأن الشخص اللي دخل الغرفة بعدها…
كان آخر إنسان تتوقع إيما إنها تشوفه.
الباب اتفتح ببطء…
وظهر رجل في أواخر الخمسينات، لابس بدلة سوداء، ووشه جامد بشكل مخيف.
إيما أول ما شافته، رجعت خطوة لورا.
لكن عمر ما اتحركش.
بالعكس…
وشه شحب تمامًا.
الرجل ابتسم وقال:
— مساء الخير يا عمر.
إيما بصت لجوزها:
— إنت تعرفه؟
عمر رد بصوت منخفض:
— للأسف.
الرجل دخل الغرفة وكأنه صاحب المكان، وقال:
— أنا فارس… المستشار القديم لعيلة عمر.
إيما عقدت حاجبيها:
— فين أولادي؟
فارس ابتسم ابتسامة باردة:
— في مكان آمن.
صرخت إيما:
— رجّعهم!
لكن عمر وقف قدامها.
— فارس، انتهى الموضوع.
الرجل ضحك.
— لأ… الموضوع بدأ من أربع سنين، يوم ما اتجوزت إيما.
إيما بصت لعمر، وبدأت تشك في كل كلمة قالها لها خلال زواجهم.
— يعني إيه؟
فارس حط ملف على الترابيزة.
— الشرط اللي وقعتِ عليه كان اختبارًا.
— اختبار لإيه؟
فتح الملف وقال:
— لمعرفة إذا كنتِ قادرة على إنجاب طفل كل سنة.
إيما اتصدمت.
— ليه؟
فارس بص لعمر وقال:
— لأن العيلة محتاجة وريثًا بمواصفات معينة.
إيما فهمت فجأة.
— أولادي مش أطفال بالنسبة لكم… دول مجرد ورثة؟
عمر قال بسرعة:
— لأ! مش ده اللي حصل.
لكن فارس قاطعه:
— عمر حاول يوقف النظام ده من زمان.
إيما بصت لعمر.
— حاول؟
عمر أخد نفسًا طويلًا.
— لما كنت صغير، اكتشفت إن العيلة عندها قانون قديم… أي طفل يولد في العائلة بيتسجل في سجلات خاصة، وبيتحدد مستقبله من قبل ما يكبر.
إيما قالت بغضب:
— وإنت وافقت على ده؟
— ما وافقتش.
— طب ليه اتجوزتني؟
عمر سكت.
السؤال ده كان أصعب من أي اتهام.
وبعد ثواني قال:
— لأنهم كانوا بيضغطوا عليا.
فارس ابتسم:
— مش ضغط بس يا عمر.
ثم أخرج صورة من الملف.
كانت صورة قديمة لإيما وهي طفلة.
إيما شهقت:
— دي صورتي!
عمر بص للأرض.
— فارس…
إيما مسكت الصورة.
— إزاي عندكم صورة ليا وأنا صغيرة؟
فارس قال بهدوء:
— لأن عيلتك وعيلتنا كانوا يعرفوا بعض من زمان.
إيما حسّت بدوار.
— مستحيل.
والدة عمر دخلت الغرفة في اللحظة دي، ووشها كان مليان دموع.
قالت:
— مش مستحيل يا بنتي.
ثم اقتربت منها وقالت:
— والدك كان شريكًا قديمًا لعيلة عمر.
إيما اتجمدت.
— أبويا؟
— أيوه.
— بس أبويا وهو سايب لنا ديون!




