منوعات

القصة كاملة للنهاية بقلم محمد عبده

الجزء الثاني
رامي فضل واقف قدامي كأنه فقد القدرة على الكلام.

بص لليلى، وبعدين ليوسف، وبعدين رجع بصلي.

أما سارة، فكانت بتحاول تفهم اللي بيحصل.

قالت بصوت منخفض:

“إيه اللي بيحصل هنا؟”

يوسف ابتسم بهدوء، ومد إيده لليلى.

“حبيبتي، إنتِ سيبتي الجزمة فين؟”

ليلى ضحكت وأشارت ناحية ممر الفندق.

“هناك يا بابا.”

الكلمة كانت كفاية.

بابا.

رامي ابتلع ريقه بصعوبة.

قرب مني وقال:

“استني… البنت دي بنتك؟”

بصيت له باستغراب مصطنع.

“أيوه.”

“من إمتى؟”

“من أربع سنين.”

اتغير لون وشه.

“أربع سنين؟”

هزيت رأسي.

“بالضبط.”

سارة تدخلت بعصبية:

“رامي، إحنا مش فاهمين حاجة!”

لكنه ماكانش بيرد عليها.

كان مركز معايا أنا.

“إزاي عندك بنت عمرها أربع سنين وأنا ماعرفتش؟”

ابتسمت ابتسامة صغيرة.

“لأنك ماكنتش موجود.”

الكلمة نزلت عليه كأنها صفعة.

قبل خمس سنين، لما اكتشفت خيانته، كان كل اللي يهمه إنه يخرجني من حياته بأسرع وقت.

وقتها كنت حامل.

لكنني ماكنتش عارفة.

اكتشفت الحمل بعد الطلاق بأيام قليلة.

ولما حاولت أتواصل مع رامي، اكتشفت إنه غيّر رقم هاتفه، وانتقل من بيته القديم، وحتى مساعدته قالت لي بوضوح:

“الأستاذ رامي مش عايز أي تواصل معاكي.”

وقتها كنت أقدر أرفع قضية وأجبره يعرف.

لكنني رفضت.

لأنني كنت أعرف نوع الأب اللي ممكن يكونه.

رجل يرى الطفل مسؤولية، ويرى الأسرة عبئًا، ويرى نفسه أهم من الجميع.

فقررت أربي ابنتي بعيدًا عنه.

ولم أندم يومًا.

لكن الليلة دي كانت مختلفة.

لأن الرجل الذي وقف بجانبي لم يكن مجرد زوجي.

كان والد ليلى الذي عرفته منذ ولادتها بكل تفاصيلها الصغيرة.

يوسف.

الشخص الذي لم يسألني يومًا عن ماضيّ بطريقة جارحة.

الشخص الذي كان موجودًا عندما كانت ليلى تمرض.

والذي كان يعرف أول كلمة قالتها، وأول مرة مشت فيها، وأول يوم دخلت فيه الحضانة.

رامي ضحك فجأة، لكن ضحكته كانت متوترة.

“يعني إنتِ عايزة تقوليلي إن البنت دي…”

سكت.

قلت:

“ليلى بنتي.”

رد بسرعة:

“بس مين أبوها الحقيقي؟”

يوسف نظر إليه بهدوء.

ثم قال:

“أنا.”

رامي انفجر:

“إنت؟!”

يوسف لم يرفع صوته.

“أيوه.”

“من إمتى؟”

“من قبل ما أتجوز ندى.”

رامي رجع خطوة.

“إنت كنت تعرفها قبل الجواز؟”

يوسف ابتسم.

“من زمان.”

ثم نظر لي.

“لكن أنا ماكنتش جزء من حياتها وقتها.”

سارة كانت تستمع لكل كلمة، وفجأة قالت:

“استنى… يبقى إنتِ كنتِ تعرفي يوسف قبلنا؟”

قلت:

“أيوه.”

“وليه ماحدش عرف؟”

رد يوسف بدلًا مني:

“لأننا ماكناش عايزين حد يعرف.”

رامي ضحك بسخرية.

“إنتِ كنتِ بتخططي لكل ده؟”

هززت رأسي.

“لا يا رامي.”

وقربت منه خطوة.

“أنا كنت بحاول أعيش.”

سكت.

ثم قلت:

“إنت اللي اخترت تخرج من حياتي.”

بدأ بعض المدعوين يلتفتون إلينا.

واضح إن الجو اتغير، والهمسات بدأت تنتشر بين الناس.

رامي حاول يمسك نفسه.

“طب وليه ماطلبتيش مني نفقة أو أي حاجة؟”

قلت:

“لأني ماكنتش محتاجة فلوسك.”

اتوتر.

“إنتِ كنتِ بتشتغلي وقتها!”

“أيوه.”

“ومع ذلك…”

قاطعته:

“ومع ذلك، بنتي كبرت من غير ما تحتاج منك حاجة.”

سارة قالت بعصبية:

“رامي، خلينا نمشي.”

لكنه لم يتحرك.

كان في حاجة تانية شاغلة باله.

قال:

“شركة يوسف بتفاوض شركتي على الاستحواذ…”

ثم بصلي.

“إنتِ كنتِ عارفة؟”

لم أجب.

عرف من سكوتي.

“يا نهار أبيض…”

بدأ يربط الأحداث ببعضها.

الشركة التي كانت تفاوضه.

المستندات التي اختفت من مكتبه منذ سنوات.

الحسابات القديمة.

والمرأة التي ظن أنها خرجت من حياته بلا شيء.

كلها كانت أمامه الآن.

قال بصوت منخفض:

“إنتِ عملتي ده كله عشاني؟”

ضحكت.

“لا.”

ثم نظرت في عينيه مباشرة.

“أنا ماعملتش أي حاجة عشانك.”

توقفت لحظة.

“أنا عملت كل حاجة عشاني.”

يوسف لمس كتفي بهدوء.

“ندى، ليلى مستنية تقطع التورتة.”

ابتسمت له.

“عارفة.”

ليلى شدّت يدي وقالت:

“ماما، يلا!”

وقبل ما أتحرك، سمعت رامي يناديني.

“ندى.”

وقفت.

قال:

“أنا محتاج أكلمك لوحدنا.”

بصيت له.

“مافيش بينا كلام.”

“فيه.”

اقترب خطوة.

“لأن فيه حاجة إنتِ ماعرفتيهاش.”

تجمدت ملامحي.

“إيه؟”

بص حوالين المكان، ثم قال بصوت منخفض:

“أنا ماكنتش السبب الحقيقي في طلاقنا.”

اتسعت عيناي.

“إيه؟”

ابتسم ابتسامة غريبة.

“الخيانة كانت مجرد جزء من الموضوع.”

يوسف وقف بجانبي فورًا.

رامي قال:

“لو عرفتي مين كان بيحركني وقتها…”

سكت.

ثم أضاف:

“هتفهمي ليه أنا سيبتك بالطريقة دي.”

لأول مرة منذ سنوات…

شعرت إن الماضي اللي كنت فاكرة إني دفنته، لسه عايش.

وقبل ما أقدر أسأله عن أي حاجة، ظهر رجل من بين المدعوين، واتجه مباشرة ناحية رامي.

همس له بكلمتين.

وفجأة…

اختفى اللون من وجه رامي.

بص للرجل وقال:

“إنت متأكد؟”

الرجل هز رأسه.

“الملف ظهر من جديد.”

رامي نظر إليّ.

ثم نظر إلى يوسف.

وقال بصوت مرتجف:

“هم لقوا النسخة الأصلية.”

وفي اللحظة دي فهمت إن الموضوع أكبر بكتير من خيانة قديمة.

لأن الملف اللي كان رامي بيتكلم عنه…

كان نفس الملف اللي كنت محتفظة بنسخته المشفرة من خمس سنين.

لكن السؤال الحقيقي كان:

مين اللي أعاد فتح الملف الآن؟

وليه في نفس ليلة فرحي؟

يتبع…
فضلت واقفة مكاني، وأنا بحاول أفهم كلام رامي.

“الملف الأصلي؟”

رامي ما ردش.

كان باين عليه لأول مرة إنه خايف فعلًا.

يوسف بص للرجل اللي جاله بالخبر وقال:

“فين الملف؟”

الرجل رد:

“في مكتب الشركة. اتفتح من ساعة تقريبًا.”

يوسف سأل:

“مين فتحه؟”

الرجل هز رأسه.

“لسه مش عارفين.”

رامي بدأ يتوتر أكتر.

“لازم أروح هناك.”

مد إيده ناحية سارة.

“يلا.”

لكن سارة وقفته.

“رامي، استنى. إيه الملف ده؟”

بصلها بنظرة حادة.

“مش وقته.”

قالت بعصبية:

“لأ، وقته جدًا. من أول ما شوفنا ندى وإنت بتتصرف بغرابة.”

رامي ما ردش.

أنا بصيت ليوسف.

“إنت تعرف حاجة عن الموضوع؟”

سكت لحظة.

ثم قال:

“أعرف جزء.”

اتصدمت.

“من إمتى؟”

“من قبل ما نتجوز.”

رجعت خطوة.

“يعني إنت كنت عارف؟”

مسك إيدي.

“كنت عارف إن فيه ملفات مالية اختفت من شركة رامي وقت طلاقكم.”

“وليه ماقولتليش؟”

“لأنني كنت خايف إنك ترجعي تدخلي في حياته بسبب الموضوع.”

سكت.

ثم أضاف:

“وأنا كنت عايزك تبدأي حياة جديدة.”

بصيت لرامي.

“إيه اللي كان في الملف؟”

قال:

“حسابات.”

“حسابات إيه؟”

“تحويلات مالية.”

ضحكت بسخرية.

“وده يخوفك للدرجة دي؟”

رامي بصلي.

“لأن التحويلات كانت مرتبطة بأسماء ناس كبار.”

يوسف قاطعه:

“قول الحقيقة.”

رامي سكت.

يوسف قرب منه.

“أنت ماكنتش بتسرق من شركتك بس.”

رامي اتجمد.

“اسكت.”

يوسف رد بهدوء:

“أنا عارف.”

سارة بصت لرامي.

“سرقة؟”

“مش زي ما إنتِ فاهمة.”

“يبقى فهمني!”

رامي ما ردش.

وفي اللحظة دي، وصلت رسالة على هاتف يوسف.

قرأها.

ثم تغيرت ملامحه.

سألته:

“في إيه؟”

رفع الهاتف ناحيتي.

كانت رسالة قصيرة من رقم مجهول:

“قولوا لندى إن الوقت خلص. الملف خرج من الخزنة.”

قلبي دق بسرعة.

“مين بعت الرسالة؟”

يوسف قال:

“رقم غير مسجل.”

رامي لما شاف الرسالة، وشه تحول للون الأبيض.

قلت:

“إنت تعرف الرقم.”

لم يجب.

كررت:

“رامي… إنت تعرف مين اللي بعت.”

بص بعيد.

ثم قال:

“أيوه.”

“مين؟”

رفع عينيه نحوي.

“الشخص اللي بسببُه اتطلقتِ مني.”

سكت المكان كله.

قلت:

“أنا مش فاهمة.”

رامي أخذ نفسًا عميقًا.

“قبل خمس سنين، لما اكتشفتي إني على علاقة بسارة، كنتِ فاكرة إن الموضوع مجرد خيانة.”

بص لسارة.

“لكن الحقيقة إن سارة كانت جزء من خطة أكبر.”

سارة شهقت.

“إنت بتقول إيه؟”

رامي قال:

“هي ماقربتش مني بالصدفة.”

سارة بدأت تهز رأسها.

“رامي، كفاية.”

“إنتِ كنتِ عارفة.”

“ما كنتش عارفة كل حاجة!”

رامي نظر إليّ.

“كانوا عايزينك تسيبي البيت.”

“مين؟”

سكت.

ثم قال:

“أخويا.”

اتجمدت.

“أخوك؟”

هز رأسه.

“أخويا سامح كان شريك في الشركة. وكان محتاج يسيطر على بعض الملفات.”

قلت:

“وإيه علاقتي أنا؟”

رامي قال:

“أنتِ كنتِ الوحيدة اللي تعرف إن الحسابات مش مظبوطة.”

فجأة بدأت أفتكر.

قبل الطلاق بشهور، كنت قد لاحظت تحويلات غريبة في حسابات الشركة.

كنت قد أخبرت رامي وقتها.

لكنه قال لي إن المحاسبين هم المسؤولون عنها.

لم أضغط عليه.

لأنني كنت أثق فيه.

لكن بعد اكتشاف خيانته، بدأت أراجع بعض المستندات بنفسي.

وهنا اكتشفت شيئًا أخطر.

كانت هناك شركات وهمية يتم تحويل مبالغ إليها.

والأسماء الموجودة في الملفات لم تكن أسماء موظفين عاديين.

كانت أسماء أشخاص لهم نفوذ وعلاقات قوية.

وقتها نسخت المستندات على وحدة تخزين مشفرة.

ولم أخبر أحدًا.

حتى رامي لم يعرف أنني احتفظت بنسخة.

قلت:

“يعني إنت كنت عارف إني اكتشفت التحويلات؟”

رامي قال:

“أيوه.”

“وعشان كده طلقتني؟”

سكت.

“أيوه.”

شعرت بصدمة كبيرة.

كل السنوات اللي قضيتها وأنا مقتنعة إنني كنت زوجة فاشلة، وإنه تركني عشان امرأة أخرى…

كانت مجرد كذبة.

قال رامي:

“كنت عايز أحميك.”

صرخت:

“تحميني؟!”

“لو فضلتِ معايا، كانوا ممكن يؤذوكي.”

ضحكت بمرارة.

“فقررت تخونني وتطردني من بيتك؟”

خفض رأسه.

“كان لازم أخليكي تكرهيني.”

“وعشان كده خليتني أعيش سنين وأنا فاكرة إني ماكنتش كفاية؟”

لم يجب.

كانت سارة تبكي.

“أنا ماكنتش أعرف إنه هيعمل كل ده.”

بصيت لها.

“بس كنتِ عارفة إنك بتدخلي بيت متجوز.”

خفضت عينيها.

وقتها تكلم يوسف.

“في حاجة أهم.”

بصيت له.

“إيه؟”

قال:

“الملف اللي ظهر النهاردة مش ملف رامي.”

“أمال ملف مين؟”

أخرج هاتفه وفتح رسالة وصلته منذ دقائق.

“ملف عيلتك.”

اتجمدت.

“عيلتي؟”

هز رأسه.

“أيوه.”

رامي اقترب بسرعة.

“يوسف، ماتفتحش الموضوع هنا.”

لكن يوسف لم يهتم.

قال:

“التحويلات ما بدأتش من شركة رامي.”

ثم نظر إليّ.

“بدأت قبلها بسنين.”

“قبل جوازنا؟”

“قبل ما تعرفي رامي أصلًا.”

شعرت ببرودة في جسدي.

“يعني إيه؟”

يوسف قال:

“الاسم الأول الموجود في الملف…”

سكت.

ثم نظر لي مباشرة.

“هو اسم والدك.”

لم أستطع الكلام.

والدي الذي توفي منذ سنوات.

والذي كنت أعتقد أنه عاش حياته رجلًا بسيطًا لا علاقة له بعالم الشركات والاستثمارات.

نظرت إلى رامي.

لكنه كان يشيح بعينيه.

قلت:

“إنت كنت تعرف؟”

قال:

“من البداية.”

وفي نفس اللحظة…

سمعنا صوت سقوط شيء زجاجي خلفنا.

التفتنا جميعًا.

كانت سارة واقفة مكانها، ووجهها شاحب.

لكنها لم تكن تنظر إلى رامي.

كانت تنظر إلى رجل دخل القاعة للتو.

رجل لم أره منذ أكثر من عشر سنوات.

عمي.

شقيق والدي.

وكان يحمل في يده…

نفس وحدة التخزين التي ظننت أنني فقدتها قبل خمس سنوات.

رفع عينيه نحوي وقال:

“ندى… لازم نتكلم.”

ثم أضاف جملة جعلت الدم يتجمد في عروقي:

“أبوك ما ماتش وهو بريء.”

يتبع…
وقفت قدام عمي وأنا مش قادرة أستوعب الجملة اللي قالها.

“أبوك ما ماتش وهو بريء.”

بصيت له وكأني مستنية يكمل.

“يعني إيه؟”

عمي بص ليوسف، ثم لرامي، وبعدها قال:

“يعني أبوكي كان عارف كل حاجة.”

اتحشر صوتي في حلقي.

“كل حاجة إيه؟”

حط وحدة التخزين على الترابيزة.

“التحويلات، الشركات الوهمية، الحسابات السرية… كل ده بدأ قبل ما رامي يدخل حياتك.”

رامي قال بعصبية:

“عمي، مش هنا.”

لكن عمي رد:

“لأ. لازم تعرف دلوقتي.”

ثم بصلي.

“أبوكي اكتشف إن شريكه القديم كان بيستخدم اسم الشركة في تحويلات غير قانونية. ولما حاول يوقفه، اكتشف إن الموضوع أكبر مما كان متخيل.”

سألته:

“ومين كان شريكه؟”

سكت.

ثم قال:

“والد رامي.”

نظرت إلى رامي.

وجهه كان متجمدًا.

فجأة فهمت.

كل حاجة كانت متشابكة.

والدي…

والد رامي…

شركة رامي…

الملفات…

والطلاق.

قلت:

“طب ليه أبويا ماقالليش؟”

عمي تنهد.

“لأنه كان عايز يحميكي.”

ضحكت بمرارة.

“الجملة دي بدأت أكرهها.”

يوسف قرب مني.

لكنني رفعت يدي.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى