
الجزء الثاني
الباب اتفتح فجأة.
دخل راجل في أواخر الأربعينات، لابس بدلة مدنية، وفي إيده ملف بني قديم.
محمود عبدالسلام قام من مكانه.
—حضرتك مين؟
الراجل حط بطاقة على الترابيزة.
—العقيد سامح فؤاد. كنت مسؤول عن ملف اختفاء هدى منصور من خمس سنين.
أنا بصيت له بدهشة.
—هدى؟
العقيد فتح الملف، وطلع منه صورة قديمة.
كانت لامرأة واقفة قدام عربية، شعرها مربوط للخلف، وملامحها هادية.
عرفتها فورًا رغم إني ماقابلتهاش قبل كده.
—دي هدى؟
سامح هز راسه.
—أيوه.
وبعدين حط صورة تانية جنبها.
الصورة كانت لجزء من حائط داخل بدروم.
نفس المكان اللي أنا وصفته.
محمود قرب من الصور.
—إنت متأكد إن الصور دي من نفس البيت؟
—أنا شخصيًا كنت هناك من خمس سنين.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
—طيب ليه ما فتشتوش الحائط؟
العقيد سكت لحظات.
—لأن كريم الشاذلي وقتها قدم لنا أوراق تثبت إن هدى سافرت بره مصر بإرادتها.
—وأنت صدقته؟
—ماكانش عندنا دليل يخالف كلامه.
قلب سامح صفحات الملف.
—لكن من شهرين، وصلني ظرف مجهول.
طلع منه ورقة صغيرة.
—الظرف كان فيه صورة للحائط، ومعاها جملة واحدة.
قرأها بصوت واضح:
«اللي اتدفن هنا من خمس سنين لسه قادر يدفن صاحبه.»
حسيت بقشعريرة في جسمي.
محمود بص لي.
—وإيه علاقة الصورة بقضيتنا؟
سامح ما ردش.
بدل كده، فتح صفحة تانية.
—لأن الشخص اللي بعت الظرف كان عارف إن حسن المنشاوي .
أنا اتجمدت.
—يعني الشخص ده كان بيراقب كريم؟
—أو كان شريكًا له.
سكتنا كلنا.
وفجأة سألت:
—طيب ليه ظهر دلوقتي؟
سامح بص لي مباشرة.
—لأن اللي بعت الظرف مات من ثلاثة أيام.
محمود انتفض.
—مات إزاي؟
—حادث عربية.
—حادث عادي؟
سامح ابتسم بسخرية.
—الفرامل اتقطعت.
سادت لحظة صمت طويلة.
بدأت أفهم إن القضية أكبر بكتير من مجرد اتهام ليا أبويا.
قلت:
—أنا عايزة أعرف حاجة واحدة.
—إيه؟
—مين كان عارف إن هدى ماتت؟
سامح قلب في الملف.
—حسب التحقيق القديم… كريم، والدته، وشخص رابع اسمه طارق رجب.
الاسم ضربني كأنه مألوف.
—طارق رجب؟
—كان محامي العيلة وقتها.
محمود فتح الكمبيوتر بسرعة.
—وهو فين دلوقتي؟
سامح رد:
—مات من سنتين.
أنا بصيت له.
—هو كمان ؟
—أيوه.
—إزاي؟
—أزمة قلبية.
ضحكت ضحكة قصيرة من شدة التوتر.
—غريبة.
محمود بص لي.
—إيه اللي غريب؟
—كل الناس اللي تعرف أسرار كريم بتموت.
سكت الكل.
وبعدين العقيد سامح قال:
—وده بالضبط اللي خلاني أرجع أفتح ملف هدى.
—
بعد أقل من ساعة، النيابة أصدرت أمرًا بتأجيل ترحيلي.
لكن كريم ماكانش عارف.
كان فاكر إني خلاص خرجت من حياته.
وفي نفس الوقت، كان واقف قدام المستشفى مع نورا وأمه.
نورا كانت حاطة إيدها على .
—كريم، هو إحنا هنفضل مستخبيين كتير؟
كريم بص لها بضيق.
—قولتلك متسأليش دلوقتي.
سميحة تدخلت:
—بنتي، اصبري. أول ما مريم تترحل، كل حاجة هتخلص.
نورا بصت لها.
—بس لو فتشوا البيت؟
كريم اتجمد.
—إنتِ بتقولي إيه؟
—أنا سمعت مريم وهي بتتكلم عن الحائط.
وش كريم اتغير.
—إنتِ سمعتي إيه بالظبط؟
—قالت إن هدى موجودة هناك.
سميحة قربت منه.
—كريم…
هو بص لأمه.
ولأول مرة، الخوف ظهر في عينه.
—لازم نروح البيت قبل الشرطة.
—
في نفس الوقت، كنت أنا في غرفة التحقيق.
اللواء محمود قدامي.
—مريم، لازم أسألك سؤال مهم.
—اتفضل.
—إنتِ عرفتي مكان جثة هدى إزاي؟
سكت.
السؤال كان متوقع.
لكن إجابتي ماكنتش.
—أنا ماعرفتش.
—إنتِ اللي قلتي مكان الحائط بالتحديد.
—أيوه.
—إزاي؟
بصيت له.
—قبل وفاة أبويا بأسبوع، لقيت حاجة في مكتبه.
محمود مال للأمام.
—إيه؟
—مفتاح.
—مفتاح إيه؟
—ماعرفش.
طلعته من جيبي.
كان مفتاح صغير قديم، وعليه رقم 27.
محمود أخده بحذر.
—لقيتيه فين؟
—في درج مقفول في مكتب أبويا.
—وليه ماقولتيش عنه قبل كده؟
—لأني لما لقيته، كنت فاكرة إنه مفتاح لخزنة.
—وجربتيه؟
—أيوه.
—فتح إيه؟
بصيت له.
—باب في البيت القديم بتاع العيلة في دمنهور.
محمود اتوتر.
—أي باب؟
—باب مخزن محدش بيدخله من سنين.
سامح بص لمحمود.
—يبقى لازم نروح هناك.
لكن قبل ما يتحركوا، تليفون محمود رن.
رد.
فضل ساكت.
وبعدين قال:
—إمتى؟
صمت.
—متأكدين؟
قفل الخط.
وشه كان مختلف.
سألته:
—في إيه؟
بص لي.
—قوة من الشرطة راحت الفيلا في التجمع.
قلبي دق بسرعة.
—ولقوا هدى؟
—لسه.
—إيه اللي حصل؟
محمود قال:
—كريم كان هناك.
أنا وقفت.
—وهرب؟
—لا.
—أمال؟
—كان بيحاول يكسر الحائط.
—
في نفس اللحظة، وصلت قوة الشرطة للفيلا.
كريم كان واقف قدام الحائط، وهدومه متربة.
أول ما شاف الضباط، وقف.
—أنا كنت… بصلح الحائط.
الضابط بص للمطرقة اللي في إيده.
—بتصلحه بالمطرقة؟
كريم ما ردش.
واحد من الضباط قرب من الحائط.
خبط عليه.
الصوت كان أجوف.
الضابط بص لزميله.
—اكسروا.
كريم صرخ:
—استنى!
لكن فات الأوان.
أول ضربة نزلت على الحائط.
وبعدها التانية.
وبعد دقائق…
ظهر شيء أبيض خلف الأسمنت.
الضابط قرب.
مد إيده.
وسحب قطعة قماش قديمة.
وبعدها ظهرت رائحة غريبة انتشرت في المكان.
الجميع رجع للخلف.
أما كريم…
فوقف مكانه كأنه فقد القدرة على الكلام.
الضابط بص له.
—إنت كنت عارف إن فيه حاجة هنا، صح؟
كريم ما ردش.
وفي اللحظة دي، خرجت مكالمة من تليفون أحد الضباط.
—سيادة اللواء، لقينا بقايا بشرية جوه الحائط.
أنا كنت لسه في مكتب النيابة لما وصل الخبر.
لكن العقيد سامح ما اكتفاش بده.
قال:
—في حاجة تانية.
بصيت له.
—إيه؟
طلع ظرف أبيض صغير.
—ده اتبعت مع تقرير المعمل.
فتح الظرف.
طلع منه نصف صورة ممزقة.
كانت صورة لهدى.
لكن المفاجأة ماكانتوش هدى.
كان فيه شخص واقف جنبها.
شخص أعرفه كويس.
شخص كنت فاكرة إنه كان بريئًا تمامًا.
أبويا حسن المنشاوي.
بصيت للصورة وأنا مش قادرة أتنفس.
قلت:
—إيه اللي كان بيجمع أبويا بهدى قبل خمس سنين؟
سامح رد بصوت منخفض:
—ده السؤال اللي ممكن يغير القضية كلها.
وبعدين قلب الصورة.
كان مكتوب على ظهرها بخط يد واضح:
«لو حصل لي أي حاجة… ابحثوا عن مريم.»
تجمدت مكاني.
—مريم؟
سامح بص لي.
—أيوه.
—بس ليه أبويا كان كاتب اسمي؟
ماحدش رد.
وفي اللحظة دي، دخل ضابط شاب وهو بيجري.
—سيادة اللواء… لازم تشوف ده فورًا.
محمود أخد منه الهاتف.
وبعد ثواني، رفع عينيه لي.
—مريم… تحليل أولي للبقايا اللي لقيناها في الحائط وصل.
سألته:
—وطلعت هدى؟
هز راسه ببطء.
—أيوه… لكن فيه مشكلة.
—إيه؟
—الوفاة حصلت من خمس سنين فعلًا…
وسكت.
—لكن هدى ما ماتتش بالطريقة اللي إحنا متوقعينها.
لأن الطبيب الشرعي لقى في عظامها أثر إصابة قديمة… حصلت قبل اختفائها بأيام.
وفي نفس اللحظة، وصل تقرير تاني.
وكان فيه اسم شخص ظهر لأول مرة في القضية…
اسم مريم نفسها.
بصيت للواء محمود وأنا مش فاهمة.
—اسمي أنا؟ إزاي يعني؟
حط التقرير قدامي.
—الطبيب الشرعي لقى إن هدى اتعرضت لإصابة قبل وفاتها بأيام. والإصابة دي مرتبطة بتقرير قديم موجود في ملف تاني.
—ملف إيه؟
محمود بص للعقيد سامح.
سامح هو اللي رد:
—ملف حادث العربية اللي حصل لكِ من خمس سنين.
اتجمدت.
—حادث عربيتي؟
—أيوه.
بدأت الذكريات ترجع لي واحدة واحدة.
كنت وقتها في بداية شغلي مع أبويا.
كنت راجعة من الإسكندرية للقاهرة، وفجأة فقدت السيطرة على العربية.
اتنقلت المستشفى.
فضلت يومين فاقدة الذاكرة جزئيًا.
والأطباء قالوا إن الحادث كان مجرد حادث طريق.
لكن سامح قال:
—الحادث ده ماكانش عادي.
بصيت له.
—إيه اللي تقصده؟
فتح ملف قديم.
—قبل الحادث بيومين، هدى اتعرضت للضرب في مكان قريب جدًا من المكان اللي كنتِ فيه.
—وأنا مالي؟
—المشكلة إن تقرير المستشفى بتاع هدى فيه وصف لإصابة في الرأس… والتقرير بتاعك فيه إصابة شبهها جدًا.
حسيت إني مش قادرة أستوعب.
—يعني إيه؟ إن هدى كانت معايا؟
—مش بالضرورة.
سامح حط صورة قديمة قدامي.
كانت كاميرا مراقبة من محطة بنزين.
الصورة مش واضحة، لكن كان فيها عربيتين.
واحدة عربية هدى.
والتانية عربيتي.
وكانوا واقفين في نفس المكان.
قلت بصوت منخفض:
—أنا مش فاكرة اليوم ده.
محمود سألني:
—مين كان معاكِ؟
حاولت أفتكر.
وجع شديد ضرب رأسي.
وبعدين ظهرت صورة في دماغي.
رجل واقف جنب عربيتي.
بدلة سوداء.
ساعة فضية.
وصوت بيقول:
«مريم، انسي اللي شوفتيه.»
فتحت عيني فجأة.
—كريم.
سامح قرب مني.
—متأكدة؟
—أيوه.
—إنتِ شفتيه يوم الحادث؟
—مش بس شفته




