
الجزء الثاني
ما كنتش أعرف وقتها إن الدليل اللي خرج من بيت حماتي كان هيقلب القضية كلها.
كنت لسه على السرير، والممرضين بيدفعوني في ممر طويل بعيد عن الجناح اللي كانت فيه عيلتي.
سألت الممرضة هبة بصوت ضعيف:
— إحنا رايحين فين؟
قالت وهي بتبص حوالين منها:
— هننقلك لقسم تاني. الدكتور محمود طلب إن محدش يعرف مكانك الحالي غير الفريق المسؤول عن حالتك.
هزيت راسي، لكن جوايا كان فيه إحساس غريب.
كأن حد أخيرًا صدقني.
بعد حوالي عشر دقايق، دخلوني أوضة صغيرة في آخر الممر.
كانت أبسط من الأوضة الأولى، لكن بالنسبة لي كانت أأمن مكان في الدنيا.
قفلت هبة الباب، وقعدت جنبي.
وقالت بصوت منخفض:
— سلمى، في حاجة لازم تعرفيها.
بصيت لها.
— إيه؟
قالت:
— جارِتك الحاجة زينب اتصلت بالمستشفى أكتر من مرة.
قلبي دق بسرعة.
— هي كويسة؟
— أيوه. بس هي كانت خايفة جدًا.
وبعدين طلعت من جيبها كيس صغير شفاف.
جواه قطعة قماش ممزقة.
بصيت لها باستغراب.
— دي إيه؟
قالت:
— الحاجة زينب قالت إنك كنتِ ماسكاها وإنتِ بتطلعي من شباك المطبخ.
مديت إيدي ألمس الكيس، لكن هبة منعَتني.
— ما تلمسيهاش. الشرطة أخدتها كدليل.
سكت.
وبدأت أفتكر.
الليلة اللي حصل فيها كل شيء…
الشباك…
الألواح…
المسامير…
وفجأة افتكرت حاجة.
قلت لها:
— هبة… أنا مش اللي فتحت الشباك بس.
— أمال مين؟
— حسام هو اللي كان مركب الألواح.
بصتلي باهتمام.
— متأكدة؟
— أيوه.
وبعدين قلت:
— وكان بيقول إنها عشان تمنعني من الخروج لو حصلت مشكلة بينا.
هبة ما ردتش.
لكن نظرتها اتغيرت.
بعد دقائق خرجت من الأوضة.
وأنا فضلت لوحدي.
لأول مرة من أربع سنين، بدأت أفكر في كل التفاصيل اللي كنت بتجاهلها.
ليه حسام كان دايمًا بيطلب مني أسيب فلوسي معاه؟
ليه والدته كانت بتحتفظ بأوراق البيت؟
ليه كل مرة كنت أقول إني عايزة أعيش لوحدنا، كانوا بيخلقوا مشكلة؟
وليه كانوا مصرين إن البيت ده حقهم؟
فجأة سمعت صوتًا عند الباب.
دخل الدكتور محمود.
ومعه راجلين بملابس مدنية.
قال:
— سلمى، دول من النيابة.
اتوترت.
الراجل الأول قدم نفسه:
— أنا المستشار ياسر.
والتاني كان ضابط اسمه المقدم كريم.
قال ياسر:
— إحنا مش جايين نضغط عليكِ. إحنا محتاجين نسمع منك اللي حصل بالضبط.
حكيت.
من أول طبق الأكل…
لحد ما خرجت من الشباك.
ما سألونيش أسئلة كتير.
لكن قبل ما يخرجوا، قال المقدم كريم:
— عندنا معلومة مهمة.
بصيت له.
— إيه؟
قال:
— أثناء تفتيش بيت حماتك، لقينا حاجة ما كانوش متوقعين إننا نلاقيها.
سألته:
— إيه؟
قال:
— كاميرا صغيرة.
اتجمدت مكاني.
— كاميرا؟
— أيوه.
— فين؟
— في المطبخ.
حطيت إيدي على بقي.
المقدم كمل:
— والغريب إنها كانت بتسجل.
قلت:
— يعني… كل اللي حصل اتصور؟
رد:
— جزء كبير منه.
حسيت إني مش قادرة أتنفس.
لكن المقدم ما خلانيش أفرح.
قال:
— المشكلة إن التسجيل مش كامل.
— ليه؟
— لأن آخر جزء من التسجيل اتمسح.
سكت.
وبعدين سألته:
— مين مسحه؟
بص للمستشار ياسر.
وبعدين رجع بصلي.
— لسه بنحاول نعرف.
خرجوا.
وفضلت أنا أبص للسقف.
لأول مرة حسيت إن الحقيقة ممكن تظهر.
لكن في نفس الوقت، كنت خايفة.
لأن حسام كان أذكى مما كنت أتصور.
في نفس الوقت، قدام المستشفى…
كانت نوال واقفة بتصرخ:
— أنا عايزة أشوف مرات ابني!
حسام حاول يهدّيها.
— اهدي يا أمي.
لكنها ردت:
— إزاي أهدي؟! أكيد هي بتقول كلام علينا!
حمايا عبد الرحمن كان واقف بعيد.
وفجأة ظهر قدامهم المقدم كريم.
قال:
— الأستاذ حسام؟
حسام لف.
— أيوه.
— محتاجينك معانا شوية.
حسام ابتلع ريقه.
— ليه؟
— للتحقيق.
نوال صرخت:
— تحقيق في إيه؟! ابني مالوش دعوة بحاجة!
المقدم رد بهدوء:
— ده اللي هنحاول نعرفه.
حسام بص لأمه.
ولأول مرة…
ما لاقاش عندها إجابة.
بعد ساعات، كنت لسه في المستشفى لما دخلت هبة وهي ماسكة تليفون.
قالت:
— سلمى، في اتصال ليك.
قلت:
— مين؟
قالت:
— والدتك.
مسكت التليفون.
سمعت صوت أمي:
— بنتي…
قلت:
— نعم يا ماما؟
قالت وهي بتحاول تمنع نفسها من البكاء:
— أنا جاية لك.
اتخضيت.
— لا يا ماما!
— ليه؟
— عشان حسام وعيلته ممكن يحاولوا يعملوا أي حاجة.
قالت بصوت حاسم:
— أنا مش هسيبك تاني.
سكت.
وبعدين قالت:
— وبالمناسبة… أبوكي عرف حاجة.
قلبي وقف.
— عرف إيه؟
قالت:
— إن البيت اللي عايشة فيه مش ملك حماتك أصلًا.
سكت.
— أمال ملك مين؟
قالت:
— ملكك يا سلمى.
حسيت الدنيا بتلف بيا.
— إزاي؟
قالت:
— أبوكي كان محتفظ بورق قديم من يوم جوازك.
وبصوت منخفض قالت:
— والورق ده بيقول إن والدك ساعدك في شراء البيت قبل جوازك، وإن اسمك موجود في عقد الملكية.
اتجمدت.
أربع سنين وأنا عايشة في بيتي…
لكنهم كانوا بيتعاملوا معايا كأني ضيفة.
وفجأة فهمت ليه كانوا بيخافوا إني أطلب أعيش لوحدي.
وليه حسام كان بيصر إن كل أوراق البيت تفضل مع والدته.
لكن أمي ما خلصتش.
قالت:
— وفي حاجة تانية.
— إيه؟
قالت:
— أبوكي لقى ورقة عليها توقيعك…
— توقيعي؟
— أيوه.
— مكتوب فيها إيه؟
سكتت أمي ثواني.
وبعدين قالت:
— تنازل عن البيت.
شهقت.
— إيه؟!
قالت:
— المشكلة إن التوقيع شبه توقيعك جدًا.
قعدت على السرير وأنا مش قادرة أتكلم.
لو الورقة دي حقيقية…
ممكن أخسر بيتي.
لكن لو مزورة…
يبقى فيه شخص خطط لكل حاجة من زمان.
وقبل ما أقفل المكالمة، أمي قالت:
— يا سلمى، في حاجة أبوكي قالها لي وخلتني أخاف.
— إيه؟
قالت:
— التوقيع ده مش معمول بعد جوازك…
سكتت.
— ده معمول قبل جوازك بأيام.
وهنا فهمت إن اللي حصل لي مش مجرد مشكلة مع حماتي.
حد كان مخطط ياخد بيتي من قبل ما أدخل بيت حسام أصلًا.
ما نمتش الليلة دي.
فضلت طول الليل باصة للسقف، وكل كلمة قالتها أمي بتتكرر في دماغي:
«التوقيع معمول قبل جوازك بأيام.»
يعني إزاي؟
مين كان عارف إن البيت هيبقى باسمي؟
ومين كان مستعد من قبل جوازي إنه ياخده مني؟
الصبح، دخل الدكتور محمود ومعاه المقدم كريم.
قال الدكتور:
— أخبارك النهارده أحسن شوية؟
هزيت راسي.
لكن المقدم كريم كان ماسك ملف أسود.
حطه قدامي وقال:
— إحنا لقينا حاجة تانية.




