
الجزء الثاني
في صباح اليوم التالي، توجهت إلى مكتب الموثق يوسف منصور في وسط الإسكندرية.
كنت أظن أنني سأجد مجرد أوراق ناقصة أو خطأ إداري قديم.
لكن بعد أن فتح يوسف الملف، تغيرت ملامح وجهه.
ظل صامتًا لعدة ثوانٍ، ثم قال:
— سلمى، هل أنتِ متأكدة أن والدتك لم توقّع أي تنازل عن حقوقها في المنزل؟
قلت بسرعة:
— لا. أمي كانت مريضة، لكنها لم تتحدث معي يومًا عن بيع المنزل أو التنازل عنه.
قلب يوسف عدة صفحات، ثم أخرج مستندًا قديمًا.
— انظري إلى هذا.
مد الورقة نحوي.
كان عليها اسم أمي هدى، لكن التوقيع الموجود أسفل الصفحة لم يكن يشبه توقيعها على الإطلاق.
قلت:
— هذا ليس توقيع أمي.
رفع يوسف عينيه نحوي.
— هذا ما كنت أخشاه.
ثم أضاف:
— هناك أكبر.
شعرت بقلبي يهبط.
— ماذا؟
أشار إلى العنوان.
تجمدت.
— غرفة رقم 4؟
أومأ.
— نعم. والمشكلة أن المخطط الرسمي للمنزل في ذلك الوقت كان يحتوي على ثلاث غرف نوم فقط.
حدقت فيه غير مصدقة.
— يعني أن الغرفة الرابعة لم تكن موجودة؟
— بالضبط.
سألت:
— وكيف يمكن أن يرسلوا إخطارًا قانونيًا إلى مكان غير موجود؟
قال يوسف:
— هذا هو السؤال الذي يجب أن نعرف إجابته.
أخذت نفسًا عميقًا.
ثم تذكرت شيئًا.
— يوسف، هل يمكن أن يكون والدي هو من فعل ذلك؟
لم يجبني مباشرة.
أعاد الأوراق إلى الملف وقال:
— لا أريد أن أتهم أحدًا دون دليل. لكن هناك شيئان واضحان: التوقيع محل شك، والإخطار أُرسل إلى عنوان غير صحيح.
ثم أخرج نسخة أخرى.
— وهناك شيء ثالث.
نظرت إليه.
— ماذا؟
قال:
— والدتك لم تتنازل عن المنزل. المستند الذي أمامنا لا يثبت انتقال الملكية بطريقة سليمة.
شعرت بشيء يشبه الصدمة.
طوال هذه السنوات كنت أعتقد أن أبي أصبح المالك الشرعي للمنزل.
لكن يبدو أن القصة كانت مختلفة تمامًا.
سألت:
— إذن ماذا كان يحدث طوال هذه السنوات؟
قال يوسف:
— هذا ما سنكتشفه.
في تلك اللحظة رن هاتفي.
كان أبي.
نظرت إلى الشاشة، ثم أغلقت الاتصال.
بعد ثوانٍ وصلتني رسالة:
«تعالي إلى المنزل فورًا. هناك موضوع مهم يجب أن نتحدث فيه.»
أريتها ليوسف.
فقال:
— لا تذهبي وحدك.
نظرت إليه باستغراب.
— لماذا؟
قال بهدوء:
— لأنهم إذا عرفوا أنكِ بدأتِ تبحثين في هذه الأوراق، فقد يحاولون التخلص من أي شيء آخر يثبت الحقيقة.
كانت كلماته ثقيلة.
لكني لم أكن مستعدة للعودة إلى المنزل بعد.
في المساء، جلست مع زوجي كريم وأخبرته بكل شيء.
ظل صامتًا فترة طويلة، ثم قال:
— هل تتذكرين الصندوق الخشبي الموجود في مخزن والدتك؟
قلت:
— الصندوق القديم؟
— نعم. عندما كنتِ صغيرة، كانت أمك تخفي فيه أوراقًا وصورًا قديمة. ربما يجب أن نبحث عنه.
في صباح اليوم التالي عدنا إلى المنزل.
كان أبي خارجًا.
أما نوال ورانيا فكانتا في المطبخ.
دخلت إلى غرفة أمي القديمة.
كانت فارغة تقريبًا.
ماكينة الخياطة اختفت.
الأقمشة اختفت.
حتى الخزانة القديمة لم تعد موجودة.
لكن خلف أحد الألواح الخشبية، وجدت شيئًا لم ينتبه إليه أحد.
فتحة صغيرة.
نزعت اللوح بيدي.
وكان هناك الصندوق.
سحبته بسرعة.
كان مغطى بالغبار، لكنه مقفل.
بحثت عن المفتاح في الأدراج القديمة، وبعد دقائق وجدته داخل علبة معدنية صغيرة.
فتحت الصندوق.
في البداية وجدت صورًا لأمي وأنا طفلة.
ثم بعض الرسائل.
ثم ظرفًا بنيًا عليه تاريخ قديم.
2009.
فتحته بيدين مرتجفتين.
وكان بداخله عقد ملكية أصلي.
لكن المفاجأة لم تكن في العقد.
كانت في الصفحة الأخيرة.
هناك كان اسم شخص لم أسمعه منذ سنوات طويلة.
«محمود الشاذلي».
تحت اسمه عبارة قصيرة:
«الشاهد على الاتفاق.»
رفعت رأسي نحو كريم.
— من محمود الشاذلي؟
نظر إليّ وكأنه يحاول تذكر الاسم.
— لا أعرف.
قلبت الأوراق بسرعة.
ثم وجدت رسالة بخط يد أمي.
كانت موجهة إليّ، لكن لم يكن مكتوبًا عليها سوى:
«سلمى، إذا قرأتِ هذه الرسالة، فهذا يعني أنني لم أستطع إخبارك بالحقيقة في الوقت المناسب.»
توقفت أنفاسي.
تابعت القراءة.
«لا تثقي في أي ورقة تحمل توقيعي بعد عام 2009.»
وضعت يدي على فمي.
وفي أسفل الرسالة كتبت أمي جملة أخيرة:
«والشخص الذي يجب أن تسأليه أولًا هو والدك.»
وفجأة سمعنا صوت مفتاح يدور في باب المنزل.
كان أبي قد عاد.
لكن هذه المرة…
لم أُغلق الصندوق.
تركته مفتوحًا فوق الطاولة.
لأرى ماذا سيفعل عندما يراه.
دخل أبي إلى الغرفة، وتوقف في مكانه.
نظر إلى الصندوق.
ثم إلى الأوراق.
ثم إلى وجهي.
ولأول مرة منذ وفاة أمي، رأيت الخوف واضحًا في عينيه.
قال بصوت منخفض:
— من أين حصلتِ على هذا؟
لم أجب.
فقط رفعت رسالة أمي أمامه وقلت:
— أمي قالت إنني يجب أن أسألك أنت.
ظل واقفًا بلا حركة.
ثم قال جملة واحدة جعلتني أشعر بأن الأرض اختفت من تحت قدمي:
— أمك لم تمت وهي مريضة فقط يا سلمى…
لقد كانت تعرف أن شخصًا ما سيحاول أخذ هذا المنزل منكِ.
الجزء الثالث
ظللت أحدق في والدي، غير قادرة على استيعاب كلماته.
— ماذا تقصد بأن أمي كانت تعرف أن أحدًا سيحاول أخذ المنزل مني؟
جلس أبي على حافة الكرسي، وأخذ نفسًا طويلًا.
— أمك اكتشفت أشياء لم يكن من المفترض أن تعرفها.
اقتربت منه.
— وما هي؟
نظر إلى الباب، ثم خفض صوته:
— قبل وفاتها بأشهر، اكتشفت أن هناك أوراقًا تُجهز باسمها دون علمها.
شعرت ببرودة تسري في جسدي.
— ومن كان يجهزها؟
صمت.
قلت بحدة:
— أبي، أريد الحقيقة.
رفع عينيه نحوي.
— كان هناك رجل يساعدني في إنهاء بعض الإجراءات.
— من؟
تردد للحظات، ثم قال:
— محمود الشاذلي.
تجمدت.
نظرت إلى اسم الرجل المكتوب في أوراق أمي.
— إذن أنت تعرفه؟
— نعم.
— ولماذا لم تخبرني؟
لم يجب.
دخلت رانيا فجأة إلى الغرفة.
كانت تحمل هاتفها، لكنها توقفت عندما رأت الأوراق فوق الطاولة.
قالت:
— ما الذي يحدث؟
أغلقت الصندوق بسرعة.
لكنها كانت قد رأت اسم محمود.
اقتربت مني.
— هل وجدتم شيئًا؟
قلت:
— لا شأن لكِ.
ابتسمت بسخرية.
— المنزل أصبح ملكًا لنا على أي حال.
نظر إليها أبي.
— رانيا، اذهبي إلى غرفتك.
لكنها لم تتحرك.
— لماذا؟ هل هناك شيء لا تريدونني أن أعرفه؟
صرخت فيها:
— اخرجي!
لأول مرة رأيت الخوف على وجهها.
خرجت وهي تغلق الباب خلفها بقوة.




