
الجزء التاني: المكالمة اللي قلبت حياتي كلها
بعد ما خلصت أجمع هدومي من الجنينة، رفعت الشنطة وحطيتها جنب رجلي، وبصيت لأخويا أدهم اللي كان لسه واقف على باب البيت بنفس الابتسامة المستفزة.
قال بسخرية:
«إيه يا نُهى؟ مستنية إيه كمان؟ مش قولتلك البيت ده مبقاش ليكي؟»
بصيت له بهدوء وقلت:
«أنا مش جاية أعمل مشاكل يا أدهم، أنا جاية أودّع أبويا، وكنت فاكرة إن ده آخر مكان ممكن حد يطردني منه.»
ضحك وقال:
«أبوكي خلاص غاب، ومفيش حد هنا هيجاملِك بعد النهارده. البيت والشركة وكل حاجة بقت مسؤوليتي.»
عمتي سعاد دخلت في الكلام وقالت:
«أخوكي هو اللي فضل جنب أبوكي السنين دي كلها، إنما إنتِ اخترتي حياتك بعيد عننا. متجيش دلوقتي تطالبي بحاجة مش من حقك.»
مكنتش عايزة أرد.
مش لأن كلامهم وجعني بس، لكن لأني كنت عارفة إن فيه حاجات كتير هما لسه ما يعرفوهاش.
ركبت الشنطة في عربيتي، وقبل ما أمشي، بصيت للبيت مرة أخيرة.
كان نفس البيت اللي كبرت فيه، ونفس الحديقة اللي كنت بلعب فيها وأنا صغيرة، ونفس الشباك اللي كان أبويا بيقف عنده كل صباح يشرب قهوته.
مكنتش متخيلة إن آخر مرة أشوف فيها المكان ده هتكون بالشكل ده.
لكن وأنا بسوق، افتكرت المكالمة اللي جتلي من محامي أبويا قبل العزاء بساعات.
كان اسمه الأستاذ ياسر المنشاوي.
اتصل بيا وقال بصوت جاد:
«أستاذة نُهى، أنا عارف إن الوقت صعب، وعارف إن حضرتك لسه في ظروف غياب الوالد، لكن فيه موضوع مهم جدًا لازم نتكلم فيه.»
قلت له:
«خير يا أستاذ ياسر؟»
قال:
«والدك كان طالب مني أتواصل معاكي بنفسي بعد غيابه مباشرة. فيه وصية رسمية، ومستندات قانونية مهمة، وهو كان مصر إن حضرتك تحضري بنفسك وقت فتحها.»
سكت شوية وبعدين سألته:
«هو بابا سايب وصية؟»
رد:
«أيوه، ووصيته مختلفة تمامًا عن كل اللي ممكن تتخيليه.»
وقتها قلبي بدأ يدق بسرعة.
لكن قبل ما أسأله عن أي تفاصيل، قال:
«وفيه حاجة تانية يا أستاذة نُهى، والدك طلب مني تحديدًا إني ما أبلغش أخوكي بأي تفاصيل قبل ما نتأكد إن حضرتك استلمتي حقوقك القانونية كاملة.»
الكلام ده خلاني أستغرب أكتر.
ليه أبويا طلب كده؟
وإيه اللي كان متوقع يحصل بيني وبين أخويا؟
تاني يوم الصبح، رحت مكتب الأستاذ ياسر في أسيوط.
استقبلني بنفسه، وطلب مني أقعد في مكتبه.
كان راجل في أواخر الخمسينات، وبيعرف أبويا من أكتر من عشرين سنة.
حط قدامي ملف كبير، وبصلي وقال:
«قبل ما نبدأ، عايزك تعرفي إن والدك كان بيحبك جدًا، حتى لو ما كانش بيعرف يعبّر عن ده.»
ابتسمت ابتسامة حزينة وقلت:
«أنا طول عمري كنت فاكرة إنه زعلان مني، وإنه مش متقبل اختياري.»
فتح الملف وطلع منه جواب مكتوب بخط إيد أبويا.
قال:
«هو كان عارف إنك حاسة بكده، وعشان كده كتبلك الرسالة دي بنفسه.»
مسكت الورقة وإيدي كانت بتترعش.
فتحتها وبدأت أقرأ:
«بنتي نُهى…
لو إنتِ بتقري الرسالة دي، يبقى أنا مشيت من الدنيا، ومبقاش عندي فرصة أقولك الكلام اللي كان نفسي أقوله من سنين.
عايزك تعرفي إن عمري ما كنت زعلان منك عشان اخترتي الطيران.
يمكن كنت قاسي في كلامي، ويمكن سكوتي خلاكي تفتكري إني مش راضي عنك، لكن الحقيقة إني كنت خايف عليكي.
كنت نفسي أشوفك جنبي في الشركة، لكن لما عرفت إنك مصممة تحققي حلمك، بدأت أتابع أخبارك من بعيد.
كنت بشوف نجاحاتك، وبعرف أخبار ترقياتك، وكل مرة كنت بسمع إنك نجحتي في اختبار أو استلمتي مسؤولية جديدة، كنت بفرح بيكي
أنا آسف إني ما قلتلكيش الكلام ده وإنتِ جنبي.
سامحيني يا بنتي.
أبوكِ محمود.»
مقدرتش أكمل القراءة.
دموعي نزلت على الورقة، وحطيت إيدي على وشي.
تسع سنين وأنا مستنية منه كلمة واحدة، وفي الآخر اكتشفت إنه كان فخور بيا، لكنه ما عرفش يقولها.
الأستاذ ياسر سابني شوية لحد ما هديت، وبعدها قال:
«فيه جزء تاني من الموضوع، وده متعلق بالميراث.»
مسحت دموعي وبصيت له.
فتح ملف تاني وبدأ يطلع المستندات.
وقال:
«والدك قبل غيابه بفترة، عمل تقييم شامل لكل ممتلكاته واستثماراته وحساباته.»
وبعدين حط قدامي ورقة وقال:
«إجمالي قيمة التركة اللي حددها التقييم وصلت لحوالي 9.5 مليون دولار.»
اتسمرت مكاني.
تسعة مليون ونص دولار!
كنت عارفه
إن أبويا رجل أعمال ناجح، لكن مكنتش أعرف إن حجم ثروته وصل للرقم ده.
سألته:
«طيب، أخويا أدهم هياخد نصيبه إزاي؟»
بصلي الأستاذ ياسر وقال:
«وده تحديدًا اللي لازم تعرفيه. والدك خصصلك إنتِ الجزء الأكبر من التركة، بما يشمل الشركة والأصول الاستثمارية والعقارات، وفقًا للوصية والمستندات القانونية الموجودة عندنا.»
حسيت إن الكلام أكبر من قدرتي على الاستيعاب.
قلت له:
«يعني إيه؟ هو أدهم مش هيبقى ليه حاجة؟»
رد بهدوء:
«الموضوع محتاج شرح قانوني دقيق، لأن فيه حقوق ورثة لازم تتراعى، والوصية وحدها مش بتسمح بتجاوز الأنصبة الشرعية أو القانونية. لكن والدك كان عامل ترتيبات قانونية واستثمارية قبل غيابه، وطلب مني أشرحلك كل التفاصيل




