
الجزء الثاني: العرض الذي لم يتوقعه مازن
وصلت هالة بعد أقل من عشرين دقيقة.
ما إن توقفت سيارتها بجواري حتى فتحت الباب وقفزت منها، ثم أسرعت نحوي.
— «نور!»
احتضنتني بحذر، ثم نظرت إلى ليان النائمة بين ذراعي.
— «يا إلهي… أنتِ ترتجفين من البرد.»
قلت وأنا أحاول التماسك:
— «أنا بخير.»
نظرت إلى المنزل خلفي، ثم عادت بعينيها إليّ.
— «هذا ليس وجه شخص بخير.»
لم أجب.
كانت هالة تعرفني جيدًا، ولذلك لم تضغط عليّ بالأسئلة.
فتحت باب السيارة وقالت:
— «اركبي. سنذهب إلى البيت أولًا، وبعدها نفهم ماذا سنفعل.»
جلست في المقعد الخلفي، ووضعت ليان بجواري.
طوال الطريق، ظللت أحدق من النافذة.
لم أبكِ.
لم أصرخ.
ولم أتصل بمازن.
كنت أشعر بشيء غريب بدلًا من ذلك.
هدوء شديد.
هدوء يسبق العاصفة.
بعد أن وصلنا إلى منزل هالة، وضعت ليان في غرفة دافئة، ثم جلست معها في غرفة المعيشة.
وضعت هالة كوبًا من الشاي أمامي وقالت:
— «والآن أخبريني بكل شيء.»
أخبرتها.
من البداية.
منذ اللحظة التي عدت فيها إلى المنزل برفقة ليان، وحتى اكتشفت أن رمز الباب لم يعد يعمل.
وعندما انتهيت، ظلت هالة صامتة.
ثم قالت:
— «كان يخطط لهذا.»
رفعت عيني إليها.
— «ماذا تقصدين؟»
— «لا أحد يغير رموز الدخول، ويسافر مع والدته، ثم يترك زوجته بعد ثلاثة أيام من الولادة بالصدفة.»
هززت رأسي ببطء.
— «أعرف.»
أخرجت هاتفي.
كانت هناك عشرات الرسائل من مازن.
لم أفتح أيًا منها.
قالت هالة:
— «لن تردي؟»
— «ليس الآن.»
رن الهاتف فجأة.
كان مازن.
نظرت إلى اسمه على الشاشة.
ثم تركته يرن.
توقف.
وبعد ثوانٍ، وصلت رسالة.
فتحتها.
كان مكتوبًا:
«نور، لا تجعلي الأمر أكبر مما هو عليه. أنتِ تعرفين أنني بحاجة إلى بعض الخصوصية مع والدتي. عندما أعود سنتحدث.»
ضحكت بسخرية.
قلت:
— «خصوصية؟ لقد طردني من منزلي.»
قالت هالة:
— «بل حاول أن يجعلك تشعرين أنكِ أنتِ المشكلة.»
رفعت عيني إليها.
— «لن أعطيه هذه الفرصة.»
في تلك اللحظة، رن هاتفي مرة أخرى.
هذه المرة كانت سلمى.
أجبت فورًا.
— «هل هناك جديد؟»
قالت:
— «نعم.»
سكتت للحظة.
ثم تابعت:
— «راجعت سند الملكية، وعقد الزواج، واتفاق ما قبل الزواج، وكل التحويلات البنكية المتعلقة بالمنزل.»
قلت:
— «وماذا وجدتِ؟»
— «كل شيء في صالحك.»
أغمضت عيني للحظة.
لكن سلمى لم تكن قد انتهت.
قالت:
— «وهناك شيء آخر.»
— «ما هو؟»
— «المشتري رفع عرضه.»
فتحت عيني.
— «إلى كم؟»
ذكرت الرقم.
ساد الصمت.
كان العرض أكبر بكثير مما توقعت.
قالت:
— «هو مستعد لتحويل المبلغ فورًا، لكنه يريد إتمام الإجراءات خلال أيام.»
نظرت إلى هالة.
كانت تراقب تعابير وجهي.
قلت:
— «وافقي.»
صمتت سلمى.
ثم سألت:
— «أنتِ متأكدة؟»
— «تمامًا.»
— «نور، هل تريدين حقًا بيع المنزل الذي عشتِ فيه كل هذه السنوات؟»
نظرت إلى غرفة الضيوف.
إلى الأثاث.
إلى الصور.
إلى كل الأشياء التي كانت يومًا تمثل حياتي.
ثم قلت:
— «المنزل لم يعد يعني لي شيئًا.»
توقفت.
— «لكنني أريد أن أبيع شيئًا واحدًا.»
— «ماذا؟»
ابتسمت لأول مرة.
— «وهم مازن بأنه يملكه.»
سكتت سلمى لثوانٍ.
ثم قالت:
— «سأبدأ الإجراءات فورًا.»
أنهيت المكالمة.
هالة كانت تحدق بي.
— «هل فعلتِها؟»
أجبت:
— «نعم.»
— «بعتِ المنزل؟»
هززت رأسي.
— «سيتم بيعه.»
ابتسمت هالة.
— «أعرف أنكِ لا تتخذين قرارًا كهذا دون سبب.»
قلت:
— «هناك سبب أكبر.»
— «ما هو؟»
نظرت إلى هاتفي.
— «أريد أن يعرف مازن أنني لم أكن أحتاج إليه لأمتلك حياتي.»
—
في اليوم التالي، كنت في مكتب سلمى.
كانت الملفات أمامنا مرتبة بعناية.
وضعت أمامي عقد البيع.
قالت:
— «إذا وقعتِ الآن، سيصبح نقل الملكية مجرد مسألة إجراءات.»
أمسكت القلم.
وقبل أن أوقع، سألت:
— «هل يمكنه إيقاف البيع؟»
ابتسمت سلمى.
— «ليس من الناحية القانونية، طالما أنكِ صاحبة الملكية الوحيدة، وعقد ما قبل الزواج سليم كما هو.»
وقعت.
ثم دفعت الأوراق إليها.
— «انتهى الأمر.»
لكن سلمى لم تبتسم.
بل قالت:
— «ليس تمامًا.»
نظرت إليها.
— «ماذا تقصدين؟»
فتحت ملفًا آخر.
— «راجعت أيضًا الحسابات التي كانت تُستخدم لدفع بعض مصاريف المنزل.»
— «وماذا وجدتِ؟»
— «مازن كان يحاول منذ أشهر أن يجعل بعض المصاريف تبدو وكأنها مساهمات منه في العقار.»
شعرت بشيء بارد في صدري.
— «لماذا؟»
قالت:
— «ربما كان يحاول بناء رواية قانونية تدعي أنه ساهم ماليًا في المنزل.»
حدقت فيها.
فجأة بدأت أستعيد تفاصيل صغيرة كنت أتجاهلها.
أسئلته عن قيمة المنزل.
أسئلته عن سند الملكية.
إصراره على معرفة تفاصيل حساباتي.
وحديثه المتكرر عن أن المنزل «يجب أن يصبح باسمنا».
لم يكن الأمر عشوائيًا.
كان يخطط.
منذ فترة طويلة.
قلت:
— «سلمى… هل تعتقدين أنه كان يحاول الاستيلاء على المنزل؟»
أجابت بهدوء:
— «أعتقد أن علينا أن نفترض أسوأ احتمال حتى نتأكد من الحقيقة.»
ثم أخرجت ورقة أخرى.
— «وهذا هو الجزء الذي يجب أن يقلقك.»
نظرت إلى الورقة.
كان اسم مازن ظاهرًا عليها.
لكن الاسم الآخر جعل قلبي يتوقف للحظة.
هدى.
والدة مازن.
رفعت عيني إليها.
— «ما علاقتها بهذا؟»
قالت سلمى:
— «لا أعرف بعد.»
ثم أضافت:
— «لكنني سأعرف.»
—
في مساء اليوم نفسه، وصل مازن إلى دبي.
كان في الفندق مع والدته.
رفع كأسًا من الشراب وهو يبتسم.
قالت هدى:
— «أخيرًا، ستتخلص من تلك السيطرة التي كانت تفرضها عليك نور.»
ضحك مازن.
— «الأمر انتهى.»
— «وماذا عن المنزل؟»
ابتسم بثقة.
— «عندما أعود، سيكون كل شيء كما أريد.»
لم يكن يعرف شيئًا.
لم يكن يعرف أن المنزل الذي كان يعتقد أنه أصبح ملكه…
لم يعد ملكي حتى.
ولم يكن يعرف أن المحامي الذي يعمل لصالحه كان على وشك تلقي خبر سيغير كل حساباته.
أما أنا، فكنت في منزل هالة، أجلس بجوار سرير ليان.
نظرت إلى وجه ابنتي الصغيرة.
ثم همست:
— «لن أسمح لأحد أن يجعل حياتك رهينة لأطماعه.»
رن هاتفي.
كانت سلمى.
أجبت.
قالت:
— «نور… اكتشفت من أين بدأ كل شيء.»
تجمدت.
— «من أين؟»
قالت:
— «قبل زواجك بمازن بثلاثة أشهر، حدث تحويل مالي كبير جدًا.»
— «من حساب من؟»
صمتت سلمى لحظة.
ثم قالت:
— «من حساب هدى.»
توقفت أنفاسي.
— «وإلى أين ذهب المال؟»
أجابت:
— «إلى شركة عقارية.»
ثم أضافت:
— «والشركة هي نفسها التي كان مازن يتعامل معها لشراء عقار جديد باسم…»
سكتت.
قلت:
— «باسم من؟»
جاءت الإجابة التي لم أتوقعها.
— «باسم مازن وهدى معًا.»
نظرت إلى ليان.
ثم إلى الظلام خلف النافذة.
وأدركت أن إغلاق باب منزلي في وجهي لم يكن سوى بداية القصة.
لأن مازن لم يكن يريد المنزل فقط.
كان يريد شيئًا أكبر بكثير.
وكان قد بدأ يخطط له منذ اليوم الذي دخل فيه حياتي.
الجزء الثالث: الخطة التي كانت مخفية خلف الزواج
ظللت صامتة بعد أن أخبرتني سلمى بما اكتشفته.
قلت أخيرًا:
— «أعيدي كلامك مرة أخرى.»
قالت:
— «قبل زواجك بمازن بثلاثة أشهر، حوّلت هدى مبلغًا كبيرًا إلى شركة عقارية. وبعد ذلك بأيام، بدأت الشركة إجراءات شراء عقار باسم مازن وهدى.»
شعرت ببرودة تسري في جسدي.
— «هل استخدموا أموالي؟»
— «ليس بشكل مباشر.»
— «إذن ماذا يريدون؟»
ترددت سلمى قليلًا.
— «هناك شيء لم أخبرك به بعد.»
— «قولي.»
— «العقار الجديد يقع بالقرب من أحد مشاريعك الاستثمارية القديمة.»
رفعت رأسي.
— «ماذا؟»
— «ويبدو أن الشركة التي اشترته كانت تحاول الاستحواذ على قطعة الأرض المجاورة لمشروعك منذ أكثر من عام.»
بدأت الصورة تتضح أمامي.
مازن لم يدخل حياتي مصادفة.
على الأقل، لم يعد بإمكاني تصديق ذلك.
قلت:
— «هل لديك دليل؟»
— «ليس كافيًا لإثبات نواياه حتى الآن، لكن لدينا مستندات تستحق التحقيق.»
ثم أضافت:
— «وهناك شيء آخر.»
— «ماذا؟»
— «طلبت من أحد المحاسبين مراجعة بعض التحويلات القديمة.»
توقفت.
— «وجدنا مدفوعات من حساب مشترك بينك وبين مازن إلى شركة استشارية.»
— «أي شركة؟»
ذكرت الاسم.
تجمدت للحظة.
كنت أعرف تلك الشركة.
كانت قد قدمت لنا قبل عامين عرضًا لتقييم أحد مشاريعي.
قلت:
— «هذه الشركة كانت تعمل معنا.»
— «نعم.»
— «لكنني لم أوافق على أي تحويلات إليها.»
قالت سلمى:
— «وهذا بالضبط ما يجعل الأمر خطيرًا.»
—
في صباح اليوم التالي، استيقظت على عشرات الرسائل.
كان معظمها من مازن.
«لماذا لا تردين؟»
ثم:
«نور، ما يحدث سخيف.»
ثم:
«أنا زوجك، ومن حقي أن أعرف أين أنتِ.»
وأخيرًا:
«إذا استمريتِ في تجاهلي، فسأضطر لاتخاذ إجراءات قانونية.»
قرأت الرسالة الأخيرة مرتين.
ثم ابتسمت.
اتصلت بسلمى.
— «لقد هددني بالقانون.»
ضحكت بهدوء.
— «جيد.»
— «جيد؟»
— «لأنه إذا كان واثقًا من موقفه القانوني، فسوف يضطر إلى إظهار ما لديه.»
قلت:
— «وماذا أفعل الآن؟»
— «لا تفعلي شيئًا.»
— «حتى لا أرد عليه؟»
— «بالضبط.»
—
بعد ساعات قليلة، اتصل بي شخص لم أكن أتوقع أن أسمع منه.
كان محامي مازن.
قال:
— «السيدة نور، أريد أن أتحدث معك بشأن وضع المنزل.»
أجبته بهدوء:
— «المنزل لم يعد موضوعًا للنقاش.»
ساد صمت قصير.
ثم قال:
— «ماذا تقصدين؟»
— «لقد بعته.»
لم يتكلم.
أعدت:
— «تم توقيع عقد البيع.»
سمعت تغيرًا واضحًا في نبرة صوته.
— «هذا غير ممكن.»
— «بل حدث.»
— «السيدة نور، أنتِ متزوجة.»
— «وهذا لا يجعل زوجي مالكًا لعقاري.»
صمت.
ثم قال:
— «مازن لم يكن يعلم أنك ستتخذين هذه الخطوة.»
— «لم يكن بحاجة إلى أن يعلم.»
ثم أنهيت المكالمة.
لكن قبل أن أضع الهاتف على الطاولة، وصلتني رسالة جديدة.
هذه المرة من هدى.
«أنتِ ترتكبين أكبر خطأ في حياتك.»
لم أجب.
وصلت رسالة أخرى.
«مازن لن يسمح لكِ بتدمير مستقبل عائلته.»
نظرت إلى هالة.
قالت:
— «هل تريدين الرد؟»
هززت رأسي.
— «لا.»
— «لماذا؟»
قلت:
— «لأنني أريد أن أعرف إلى أي مدى سيذهبون عندما يعتقدون أنني خائفة.»
—
بعد يومين، عاد مازن إلى عمّان.
كان غاضبًا.
جاء إلى منزل هالة، لكنه لم يدخل.
وقف أمام الباب واتصل بي.
— «انزلي.»
كنت في الداخل أحمل ليان.
قلت:
— «لن أنزل.»
— «نور، هذا منزلي أيضًا.»
أجبته:
— «لا.»
— «كيف تقولين ذلك؟»
— «لأن الأوراق تقول ذلك.»
بدأ صوته يرتفع.
— «أنتِ زوجتي!»
— «وهذا لا يعطيك ملكية شيء لم تشتره.»
ساد الصمت.
ثم قال:
— «لقد بعتِ المنزل، أليس كذلك؟»
لم أجب.
فعرف الإجابة.
— «أنتِ مجنونة!»
قلت بهدوء:
— «ربما.»
ثم أضفت:
— «لكنني لست غبية.»
انقطع الاتصال.
بعد دقائق، وصلتني رسالة من سلمى.
«نور، لا تخرجي من المنزل. لدينا تطور مهم.»
اتصلت بها فورًا.
— «ماذا حدث؟»
قالت:
— «المشتري أرسل لنا مستندات إضافية.»
— «أي مستندات؟»
— «صورًا من سجلات قديمة.»
— «وماذا فيها؟»
تنفست ببطء.
— «هناك شخص كان يبحث عن شراء منزلك قبل أكثر من عام.»
شعرت بالقلق.
— «من؟»
قالت:
— «شركة مرتبطة بهدى.»
سكتُّ.
ثم سألت:
— «قبل عام؟»
— «نعم.»
بدأ قلبي يخفق بقوة.
— «لكن لماذا؟»
قالت سلمى:
— «هذا هو السؤال الذي نحاول الإجابة عنه.»
—
في تلك الليلة، لم أستطع النوم.
جلست بجوار سرير ليان، أراقبها وهي نائمة.
تذكرت أول مرة قابلت فيها مازن.
كان لطيفًا.
هادئًا.
وكان يعرف الكثير عن عملي.
في ذلك الوقت، ظننت أن اهتمامه بي كان إعجابًا بإنجازاتي.
الآن بدأت أسأل نفسي:
هل كان معجبًا بي فعلًا؟
أم كان معجبًا بما أملكه؟
رن الهاتف.
كانت سلمى.
قالت:
— «وجدنا شيئًا.»
جلست مستقيمة.
— «ماذا؟»
— «هناك بريد إلكتروني قديم بين مازن وهدى.»
— «عن ماذا؟»
— «عن المنزل.»
توقفت أنفاسي.
— «ماذا كتب؟»
قالت سلمى:
— «كان ذلك قبل زواجكما.»
ثم قرأت لي جملة واحدة.
«بعد الزواج سيكون من السهل الوصول إلى كل شيء.»
لم أتكلم.
لم أستطع.
لأنني في تلك اللحظة فهمت الحقيقة الأكثر قسوة:
ربما لم يكن زواجي من مازن قصة حب بدأت بالصدفة.
ربما كان مشروعًا بدأ قبل أن أعرف حتى بوجوده.
الجزء الرابع: الحقيقة التي أخفوها عني
ظللت أحدق في الهاتف بعد أن أنهت سلمى قراءة الرسالة.
لم أكن أسمع سوى أنفاس ليان الهادئة.
قلت أخيرًا:
— «هل أنتِ متأكدة أن البريد حقيقي؟»
أجابت سلمى:
— «تمكنا من التحقق من مصدره وتاريخه. وهناك رسائل أخرى مرتبطة به.»
— «كم رسالة؟»
— «أكثر مما كنت أتمنى أن أجد.»
أغمضت عيني.
— «أرسليها كلها.»
بعد دقائق، بدأت الرسائل تصل إلى هاتفي.
رسالة من هدى إلى مازن قبل زواجنا.
«لا تتعجل. أهم شيء أن تثبت نفسك في حياتها أولًا.»
ثم رسالة أخرى:
«لا تجعلها تشعر أنك مهتم بأموالها. دعها تثق بك.»
ثم رسالة من مازن:
«ومتى أبدأ؟»
وكان رد هدى:
«بعد الزواج. عندها ستصبح الأمور أسهل.»
شعرت وكأن الأرض انسحبت من تحت قدمي.
وضعت الهاتف على الطاولة.
هالة، التي كانت تجلس أمامي، لاحظت تغير وجهي.
— «نور؟ ماذا وجدتِ؟»
رفعت الهاتف إليها.
قرأت الرسائل.
ثم رفعت رأسها ببطء.
— «كانوا يخططون لهذا منذ البداية.»
هززت رأسي.
— «يبدو ذلك.»
— «ماذا ستفعلين؟»
نظرت إلى ليان.
ثم قلت:
— «سأدعهم يعتقدون أنهم نجحوا.»
نظرت إليّ هالة باستغراب.
— «ماذا؟»
— «مازن يظن أنني غاضبة فقط لأنني فقدت المنزل.»
توقفت.
— «لكنني أريد أن يظن أنني لا أعرف شيئًا عن خطتهم.»
ابتسمت هالة.
— «أنتِ تخططين لشيء.»
— «نعم.»
—
في صباح اليوم التالي، أرسلت إلى مازن رسالة قصيرة.
«أريد أن نتحدث.»
جاء رده خلال أقل من دقيقة.
«أخيرًا.»
ثم اتصل بي.
أجبت.
قال بنبرة حاول أن يجعلها هادئة:
— «كنت أعرف أنك ستفهمين في النهاية.»
— «أفهم ماذا؟»
— «أن ما حدث لم يكن يستحق كل هذا.»
— «وأين والدتك؟»
سكت لحظة.
— «عادت إلى منزلها.»
— «جيد.»
— «نور، أريد أن نبدأ من جديد.»
كدت أضحك.
قلت:
— «من جديد؟»
— «نعم.»
— «بعد أن غيرت رمز منزلي ومنعتني من دخوله؟»
— «كنت غاضبًا.»
— «وبعد أن أخذت والدتك وسافرت؟»
— «كان تصرفًا سيئًا.»
— «وبعد أن حاولت معرفة تفاصيل ممتلكاتي؟»
ساد الصمت.
وهنا عرفت أنني لمست شيئًا حساسًا.
قال:
— «لماذا تتحدثين بهذه الطريقة؟»
— «لأنني بدأت أفهم بعض الأمور.»
توتر صوته.
— «ماذا تقصدين؟»
قلت:
— «لا شيء.»
ثم أغلقت المكالمة.
لم أكن أريد أن يعرف ما أعرفه.
ليس بعد.
—
بعد ساعات، وصلتني رسالة من رقم مجهول.
«إذا كنتِ تريدين معرفة الحقيقة كاملة، لا تثقي بزوجك ولا بوالدته.»
حدقت في الشاشة.
أرسلت:
«من أنت؟»
جاء الرد:
«شخص كان يعمل مع مازن.»
— «ماذا تريد؟»
«أريد أن أقابلك.»
ترددت.
ثم أرسلت:
«أين؟»
جاء العنوان.
كان مقهى هادئًا في وسط عمّان.
أخبرت سلمى.
قالت فورًا:
— «لن تذهبي وحدك.»
—
في الموعد المحدد، دخلت المقهى برفقة سلمى.
كان رجل في منتصف الأربعينيات يجلس في الزاوية.
نهض عندما رآني.
— «السيدة نور؟»
— «نعم.»
جلسنا.
قال:
— «اسمي سامر. كنت أعمل مستشارًا ماليًا لشركة كان مازن يتعامل معها.»
وضعت سلمى حقيبتها على الطاولة.
— «ما الذي تعرفه؟»
أخرج سامر ملفًا بنيًا.
— «قبل زواج مازن بنور، طلب مني أن أدرس وضعها المالي.»
شعرت بقلبي ينقبض.
— «لماذا؟»
— «قال إن الأمر يتعلق بالتخطيط للمستقبل.»
قالت سلمى:
— «وماذا وجدت؟»
— «أنها تمتلك أصولًا أكثر بكثير مما كان يتوقع.»
نظر إليّ.
— «وبعدها تغيرت تعليماته.»
— «كيف؟»
قال:
— «بدأ يسأل عن كيفية الوصول إلى ملكية العقارات، والحسابات الاستثمارية، والشركات التابعة لك.»
صمتت.
ثم سألت:
— «هل لديك دليل؟»
فتح الملف.
كانت هناك نسخ من تقارير مالية.
وأسماء.
وتواريخ.
وتوقيعات.
ثم أخرج ورقة أخيرة.
— «وهذا أهم شيء.»
أخذتها سلمى.
قرأت السطر الأول.
ثم نظرت إليّ.
— «نور… هذه ليست مجرد محاولة للاستفادة من أموالك.»
— «ماذا تعنين؟»
قال سامر:
— «كانوا يحاولون الاستحواذ على شركتك.»
توقفت أنفاسي.
— «شركتي؟»
— «نعم.»
— «كيف؟»
أجاب:
— «كان هناك مخطط لإقناعك بنقل جزء من أسهمك إلى شركة وسيطة بحجة إنشاء صندوق عائلي.»
شعرت بالغضب يصعد في صدري.
— «ومن كان وراء الشركة؟»
نظر سامر إلى سلمى.
ثم قال:
— «هدى.»
ساد الصمت.
لكن سامر لم يتوقف.
قال:
— «وكان مازن هو الشخص الذي كان يفترض أن يقنعك بالتوقيع.»
—
خرجت من المقهى وأنا أشعر أنني أعيش حياة شخص آخر.
كنت أظن أن المشكلة زوج يخون ثقتي.
لكن الحقيقة كانت أكبر.
كان هناك مخطط مالي كامل.
ربما كان زواجي نفسه جزءًا منه.
في السيارة، قالت سلمى:
— «الآن أصبح لدينا سبب حقيقي للتحرك.»
نظرت إليها.
— «ماذا سنفعل؟»
— «سنحمي كل شيء أولًا.»
— «وبعدها؟»
أجابت:
— «بعدها سنجعلهم يشرحون أمام الجميع ماذا كانوا يحاولون أن يفعلوا.»
—
في تلك الليلة، عاد مازن إلى منزله.
لم يكن يعلم أنني كنت قد حصلت على الملفات.
جلس مع هدى.
قال:
— «نور بدأت تشك.»
رفعت هدى عينيها إليه.
— «هل تعرف شيئًا؟»
— «لا أعتقد.»
— «إذن لا تقلق.»
ثم وضعت أمامه ملفًا.
— «لدينا مشكلة أكبر.»
فتح الملف.
تغير وجهه.
— «ما هذا؟»
قالت هدى:
— «المشتري الجديد للمنزل.»
— «ماذا عنه؟»
— «إنه ليس مجرد مشتري.»
نظر إليها.
— «ماذا تقصدين؟»
اقتربت منه وقالت:
— «إنه يعمل مع نور.»
تجمد مازن.
— «ماذا؟»
ابتسمت هدى ابتسامة متوترة.
— «لقد وقعنا في الفخ.»
—
وفي مكان آخر، كنت أنا أجلس بجوار ليان.
لم أكن أعرف بعد من هو المشتري الحقيقي.
لكنني كنت أعرف شيئًا واحدًا:
المنزل لم يكن الهدف النهائي.
لقد كان مجرد قطعة صغيرة من لعبة أكبر.
وللمرة الأولى، لم أعد أحاول إنقاذ زواجي.
كنت أستعد لإنقاذ حياتي كلها.
ثم رن هاتفي.
كانت سلمى.
قالت:
— «نور، لدينا مشكلة.»
— «ماذا حدث؟»
— «المشتري الذي اشترى المنزل يريد مقابلتك شخصيًا.»
— «لماذا؟»
صمتت لثوانٍ.
ثم قالت:
— «لأنه يعرف مازن منذ سنوات.»
تجمدت في مكاني.
— «من هو؟»
جاءت الإجابة التي لم أتوقعها.
«والد مازن.»
الجزء قبل الأخير: الرجل الذي عاد من الماضي
ظللت أحدق في سلمى عبر الهاتف.
— «والد مازن؟»
قالت:
— «نعم.»
— «لكنني كنت أعتقد أنه توفي منذ سنوات.»
— «هذا ما أخبرك به مازن.»
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
— «هل أنتِ متأكدة؟»
— «تحققت من الأمر. الرجل حي، ويعيش منذ سنوات في كندا. وقد عاد إلى عمّان قبل فترة قصيرة.»
جلست على الأريكة.
— «ولماذا اشترى منزلي؟»
قالت سلمى:
— «هذا ما سنعرفه منه.»
—
في اليوم التالي، قابلت الرجل في مكتب سلمى.
كان في أواخر الستينيات، أنيقًا وهادئًا، لكن ملامحه كانت تحمل شيئًا مألوفًا.
شيئًا رأيته كثيرًا في وجه مازن.
نهض عندما دخلت.
قال:
— «أنتِ نور.»
لم أجب سوى:
— «وأنت والد مازن.»
أومأ.
— «اسمي فؤاد.»
جلست أمامه.
كان أول سؤال خرج مني:
— «لماذا كذب ابنك عليّ بشأنك؟»
نظر إلى الأرض للحظة.
ثم قال:
— «لأنني طلبت منه ذلك.»
شعرت بالغضب.
— «لماذا؟»
— «لأنني كنت أراقبه.»
— «تراقبه؟»
— «منذ سنوات.»
فتحت سلمى ملفها.
قال فؤاد:
— «مازن لم يبدأ خطته وحده.»
توقفت أنفاسي.
— «هدى؟»
أومأ.
— «هدى كانت تعرف أن ابنها يريد الوصول إلى أموالك. لكنها لم تكن الوحيدة.»
— «ومن أيضًا؟»
نظر إليّ مباشرة.
— «أنا.»
ساد الصمت.
قال:
— «كنت أعرف أنكِ امرأة قوية، وكنت أعرف أن ابني لن يستطيع السيطرة عليكِ بسهولة.»
قلت:
— «إذن لماذا سمحت له بالزواج مني؟»
أجاب:
— «لأنني أردت أن أعرف إلى أي مدى سيذهب.»
شعرت بالغضب.
— «استخدمتموني كجزء من اختبار؟»
هز رأسه.
— «لم يكن الأمر بهذه البساطة.»
ثم وضع ملفًا أمامي.
— «قبل سنوات، حاول مازن الاستيلاء على جزء من شركة عائلية تخصني. اكتشفت أنه مستعد لفعل أي شيء من أجل المال.»
فتحت الملف.
كانت هناك تقارير وتحويلات ومراسلات.
ثم رأيت شيئًا جعلني أتوقف.
اسم هدى.
قال فؤاد:
— «هدى كانت شريكته منذ البداية.»
— «وما علاقتك أنت؟»
قال:
— «كنت أحاول جمع أدلة ضد الاثنين.»
نظرت إليه.
— «ولماذا اشتريت منزلي؟»
ابتسم ابتسامة خفيفة.
— «لم أشتره من أجل المنزل.»
— «إذن؟»
— «اشتريته حتى أمنع مازن من استخدامه كضمان للحصول على قرض كبير.»
رفعت رأسي بسرعة.
— «قرض؟»
— «نعم.»
أخرج ورقة.
— «كان قد بدأ بالفعل إجراءات للحصول على تمويل ضخم، وكان يخطط لاستخدام قيمة المنزل لإثبات أن لديه أصولًا كافية.»
قالت سلمى:
— «وهذا يفسر الكثير.»
قلت:
— «لكنه لم يكن يملك المنزل.»
أجاب فؤاد:
— «لكنه كان يحاول أن يجعل الآخرين يعتقدون أنه يملكه.»
ثم أخرج مستندًا آخر.
— «وهذا هو السبب الحقيقي الذي جعلني أتدخل الآن.»
نظرت إلى الورقة.
كان عليها اسم شركة مازن.
لكن بجوارها اسم آخر.
شركة باسم هدى.
قلت:
— «ماذا يعني هذا؟»
قال فؤاد:
— «يعني أن الاثنين كانا يحاولان نقل أصولك تدريجيًا إلى هذه الشركة.»
شعرت بالغضب.
— «كم مرة حاولوا؟»
— «ثلاث مرات.»
—
في تلك اللحظة، رن هاتف سلمى.
أجابت.
ثم تغير وجهها.
— «نور… هناك شيء حدث للتو.»
— «ماذا؟»
— «مازن قدم طلبًا رسميًا للمحكمة.»
تجمدت.
— «بأي صفة؟»
— «يدعي أنك غير مستقرة بعد الولادة، وأنك غير قادرة على إدارة ممتلكاتك بشكل سليم.»
حدقت فيها.
— «ماذا؟»
— «إنه يطلب تعيين وصي مؤقت على بعض أصولك.»
لم أصدق ما أسمع.
كان يريد استخدام ولادتي الحديثة ضدي.
قال فؤاد بهدوء:
— «كما توقعت.»
التفت إليه.
— «كنت تعرف؟»
— «كنت أخشى أن يصل إلى هذه المرحلة.»
قالت سلمى:
— «لكن طلبه سيصطدم بمشكلة كبيرة.»
— «ما هي؟»
ابتسمت.
— «الأدلة التي حصلنا عليها.»
—
في اليوم التالي، كانت قاعة المحكمة مزدحمة.
جلس مازن إلى جانب محاميه.
وبجواره هدى.
كان يبدو واثقًا.
وعندما رآني، ابتسم.
قال بصوت منخفض:
— «كان بإمكانك إنهاء الأمر بطريقة أسهل.»
لم أجب.
جلست بجوار سلمى.
بدأت الجلسة.
تحدث محامي مازن عن «الاستقرار» و«مصلحة الأسرة» و«الضغوط التي تتعرض لها نور بعد الولادة».
كان يحاول تصويري كامرأة ضعيفة وغير قادرة على اتخاذ قرارات مالية.
ثم جاء دور سلمى.
وقفت بهدوء.
وقالت:
— «لدينا مستندات نطلب تقديمها للمحكمة.»
بدأت بعرض الرسائل.
ثم التحويلات.
ثم سجلات الشركات.
ثم الوثائق التي تثبت أن مازن وهدى كانا يبحثان عن طريقة للسيطرة على أصولي قبل سنوات.
تغير وجه مازن.
أما هدى، فبدأت تتوتر.
ثم أخرجت سلمى آخر ملف.
وقالت:
— «وهذه مراسلات تثبت أن المدعى عليه كان يناقش كيفية الوصول إلى أصول زوجته قبل إتمام الزواج.»
ساد الصمت في القاعة.
نظر القاضي إلى مازن.
— «هل لديك تفسير لهذا؟»
فتح فمه.
لكنه لم يجد إجابة.
قال:
— «هذه الرسائل أُخرجت من سياقها.»
ردت سلمى:
— «لدينا السلسلة كاملة.»
ثم قدمت مستندًا آخر.
— «ولدينا أيضًا إثباتات على محاولات الحصول على تمويل باستخدام عقار لا يملكه المدعى عليه.»
نظر القاضي إلى الأوراق.
ثم سأل:
— «ومن اشترى العقار؟»
رفعت سلمى رأسها.
— «والد المدعى عليه.»
التفت الجميع إلى فؤاد.
كان جالسًا في الخلف.
وقف بهدوء.
وقال:
— «أنا.»
ثم أضاف:
— «ويمكنني تقديم بقية المستندات.»
نظر مازن إلى والده وكأنه رأى شبحًا.
— «أبي؟»
قال فؤاد:
— «كنت أحذرك منذ سنوات.»
هز مازن رأسه.
— «أنت دمرت حياتي.»
أجابه فؤاد:
— «لا. أنت دمرت حياتك بنفسك.»
—
بعد انتهاء الجلسة، خرجت من المحكمة.
كان مازن ينتظرني في الخارج.
قال:
— «نور، انتظري.»
توقفت.
اقترب مني.
لأول مرة، لم أره الرجل الواثق الذي تزوجته.
كان مرتبكًا.
خائفًا.
قال:
— «أعطني فرصة.»
نظرت إليه طويلًا.
ثم قلت:
— «أعطيتك حياتي.»
توقف.
— «وأنت حاولت أن تجعلها ملكًا لك.»
لم يجد ما يقوله.
وضعت يدي على مقبض حقيبتي.
ثم قلت:
— «انتهى الأمر يا مازن.»
استدرت وغادرت.
لكنني لم أكن أعرف أن هناك مفاجأة أخيرة تنتظرني.
فبعد دقائق، اتصلت بي سلمى.
قالت:
— «نور، هناك شيء وجدناه في حسابات مازن.»
— «ماذا؟»
قالت:
— «تحويل مالي ضخم تم قبل زواجكما بأسبوع واحد.»
— «إلى أين؟»
صمتت.
ثم قالت:
— «إلى حساب باسم امرأة.»
— «من؟»
جاءت الإجابة التي جعلتني أتوقف في منتصف الطريق:
«ليست هدى… وليست امرأة نعرفها.»
ثم أضافت:
— «والأخطر من ذلك أن التحويل كُتب عليه سبب واحد فقط.»
— «ما هو؟»
قالت:
«دفعة أولى لتنفيذ الخطة.»
الجزء الأخير: النهاية التي لم يتوقعها أحد
وقفت في منتصف الطريق، والهاتف ما زال على أذني.
— «دفعة أولى لتنفيذ الخطة؟»
قالت سلمى:
— «نعم. وأنا أحاول الآن معرفة صاحبة الحساب.»
— «أريد أن أعرف كل شيء.»
— «سأعرف.»
أغلقت المكالمة، لكنني لم أتحرك.
كانت هناك قطعة أخيرة من اللغز لم أستطع فهمها.
إذا كانت هدى ومازن هما العقل المدبر، فمن تكون المرأة الأخرى؟
—
في المساء، وصلتني رسالة من سلمى.
«عرفنا هويتها.»
اتصلت بها فورًا.
— «من هي؟»
قالت:
— «اسمها داليا.»
توقفت.
— «هل أعرفها؟»
— «بطريقة غير مباشرة.»
— «ماذا يعني ذلك؟»
قالت:
— «كانت تعمل في مكتبك قبل سنوات.»
حاولت تذكر الاسم.
ثم تذكرتها.
— «داليا… كانت مساعدة المدير المالي؟»
— «نعم.»
— «لكنها غادرت منذ سنوات.»
— «وهذا صحيح.»
ثم أضافت:
— «لكنها لم تختفِ تمامًا.»
شعرت بالتوتر.
— «ماذا فعلت؟»
— «كانت ترسل معلومات عن شركتك إلى مازن.»
أغمضت عيني.
كل شيء بدأ يكتمل.
كان لديهم شخص من داخل شركتي.
شخص يعرف الحسابات.
والاستثمارات.
والعقود.
والأصول.
قالت سلمى:
— «لدينا أيضًا تسجيلات تثبت أنها كانت تتواصل مع هدى.»
— «هل يمكن استخدامها قانونيًا؟»
— «نعم، بعد التحقق من صحتها.»
—
في صباح اليوم التالي، تلقيت اتصالًا من رقم مجهول.
أجبت بحذر.
— «مرحبًا؟»
جاءني صوت امرأة متوتر.
— «نور؟»
— «من أنتِ؟»
— «أنا داليا.»
ساد الصمت.
قالت:
— «أعرف أنكِ عرفتِ كل شيء.»
لم أجب.
— «أريد أن أشرح.»
قلت:
— «ليس لي.»
— «ماذا؟»
— «للمحكمة.»
سكتت.
ثم بدأت تبكي.
— «لم أكن أعرف إلى أين سيصل الأمر.»
قلت:
— «لكنك كنت تعرفين أنك تخونين ثقتي.»
— «كنت خائفة.»
— «ممن؟»
— «من هدى.»
ثم قالت:
— «كانت تهددني.»
تغيرت نبرتي.
— «بماذا؟»
— «كانت تملك مستندات تثبت أنني اختلست أموالًا من الشركة في الماضي.»
صمتُّ.
قالت:
— «قالت إنها ستسلمها للشرطة إذا لم أساعدها.»
أخبرتني داليا بكل شيء.
كيف كانت ترسل المعلومات.
كيف كان مازن يسأل عن ممتلكاتي.
وكيف كانت هدى تضع الخطط.
ثم قالت جملة واحدة جعلتني أفهم حجم المؤامرة:
— «كانوا يريدون أن يجردوكِ من السيطرة على شركتك قبل أن تعرفي حتى ما يحدث.»
—
بعد أسبوع، انعقدت جلسة جديدة.
هذه المرة لم يحضر مازن وحده.
كانت هدى موجودة.
وداليا حضرت أيضًا.
لكنها جاءت برفقة محاميها.
بدأت المحكمة في مراجعة الأدلة.
التحويلات.
الرسائل.
المراسلات.
المستندات.
ثم جاءت اللحظة الحاسمة.
قدمت داليا إفادتها.
شرحت كيف بدأت الخطة.
وكيف طلب منها مازن الحصول على المعلومات.
وكيف كانت هدى تتولى التواصل معها.
ثم قدمت سجلات الاتصالات.
كان مازن ينظر إلى الأرض.
أما هدى، فلم تتوقف عن تحريك يديها بتوتر.
وعندما انتهت داليا، ساد الصمت.
ثم قال القاضي:
— «السيد مازن، هل لديك ما تقوله؟»
رفع رأسه.
— «كنت أريد فقط أن أحمي عائلتي.»
رد القاضي:
— «من ماذا؟»
لم يجب.
ثم قال:
— «كنت أعتقد أن نور لن توافق على مشاركة أصولها معي.»
نظرت إليه.
— «لأنها أصولي.»
لم يقل شيئًا.
تابعت:
— «كنت مستعدًا لأن تأخذ كل شيء مني بدلًا من أن تطلب مني شيئًا بصدق.»
خفض رأسه.
—
بعد انتهاء الإجراءات، خرجت من المحكمة.
كان الجو مشمسًا.
وقفت على درجات المبنى وأنا أحمل ليان.
كانت نائمة بسلام.
اقتربت مني هالة.
— «انتهى؟»
ابتسمت.
— «انتهى.»
احتضنتني.
قالت:
— «وماذا ستفعلين الآن؟»
نظرت إلى ابنتي.
— «سأبدأ من جديد.»
—
بعد أشهر، تم الانتهاء رسميًا من بيع المنزل.
انتقلت الأموال إلى حساباتي الخاصة.
وأصبحت كل أصولي تحت حماية قانونية جديدة.
أما مازن، فقد خسر القضية، وانتهت إجراءات زواجه مني بشكل رسمي.
هدى اضطرت لمواجهة التحقيقات المتعلقة بتحويلات مالية ومحاولات الاستيلاء على الأصول.
أما داليا، فقد قدمت تعاونها الكامل للجهات المختصة.
لكن أكثر شيء أراحني لم يكن المال.
ولا المنزل.
ولا حتى انتهاء زواجي.
كان أنني تمكنت من حماية ابنتي من أن تكبر وهي تعتقد أن الحب يعني أن تتنازل عن نفسك.
—
بعد عام، كنت أقف في شرفة منزلي الجديد.
كان المنزل في الإسكندرية، بعيدًا عن كل شيء يذكرني بما حدث.
كانت ليان تركض في الحديقة وهي تضحك.
اقتربت هالة مني.
قالت:
— «هل تشتاقين إلى المنزل القديم؟»
نظرت إليها.
ثم ابتسمت.
— «لا.»
— «حقًا؟»
— «كنت أعتقد أنني خسرت منزلي في ذلك اليوم.»
نظرت إلى ابنتي.
— «لكنني اكتشفت أنني لم أخسر منزلًا.»
سكتُّ لحظة.
— «لقد خسرت رجلًا كان يحاول أن يجعلني أصدق أن كل ما أملكه أصبح ملكًا له.»
ثم ابتسمت.
— «وأنا ربحت حياتي.»
في تلك اللحظة، ركضت ليان نحوي.
حملتها بين ذراعي.
وضممتها إلى صدري.
وتذكرت تلك الليلة الممطرة، عندما وقفت أمام باب منزلي القديم والرمز يرفض الدخول.
كنت يومها أظن أنني امرأة طُردت من بيتها.
لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.
في تلك الليلة، لم يُغلق مازن الباب في وجهي.
بل أغلق بنفسه آخر باب كان يمكن أن يعيده إلى حياتي.
ومنذ ذلك اليوم، لم أعد أنظر إلى الوراء.
تمت حكايات محمد عبده




