الجزء الثاني
لما شفت التسجيل بعيني، اكتشفت إن اللي حصل لابني ماكانش مجرد اعتداء من بنت أختي… لكن كان فيه سر أكبر، وأبويا نفسه كان مستعد يضحّي بكل حاجة عشان يخفيه!
الساعة كانت قربت من 11 بالليل، وأنا قاعدة في ممر المستشفى، مستنية الدكتور يخرج يطمني على يوسف بعد العملية.
كنت مرهقة، لكن النوم ماكانش قادر يقرب من عيني.
كل ما أفتكر صرخة ابني وهو بيقع على الأرض، أحس إن قلبي بيتعصر من الوجع.
وفجأة، موبايلي رن.
كان إسلام، فني الكاميرات اللي بعت لي الرسالة قبل كده.
رديت بسرعة.
— ألو يا إسلام، وصلت لحاجة؟
صوته كان متوتر.
— أيوه يا أستاذة سارة، بس اللي هقوله لحضرتك ممكن يغيّر كل حاجة.
اعتدلت في قعدتي وقلت:
— اتكلم.
قال:
— قدرت أسترجع نسخة من التسجيلات اللي اتمسحت من جهاز الفيلا. لكن فيه حاجة لازم تعرفيها… التسجيل مش بس موضح اللي حصل لابنك، ده كمان موضح مين اللي حاول يمسح الأدلة.
سكت لحظة، وبعدين كمل:
— أنا هبعت لحضرتك نسخة محفوظة بالطريقة اللي تضمن سلامتها، والأفضل إنك تسلميها للجهات المختصة عشان تتعامل معاها رسميًا.
قفلت معاه، وبعد دقائق وصلتني نسخة من المقطع.
حطيت السماعة في ودني وبدأت أشوف التسجيل.
في البداية، ظهر يوسف وهو قاعد على الترابيزة الصغيرة، بيرسم مبنى زي ما بيعمل كل مرة.
بعدها ظهرت ليلى، وهي بتحط كوباية العصير فوق الرسمة.
شفت كل حاجة حصلت قدامي مرة تانية.
شفتها وهي بتخطف الكشكول من إيده.
وشفت ابني وهو بيحاول يسترده.
وبعدين…
شفت ليلى وهي بتشد دراعه وتزقه بكل قوتها ناحية وحدة الرخام!
ماكانش فيه أي شك.
ماكانش حادث.
وماكانش يوسف هو اللي بدأ المشكلة زي ما عيلتي حاولت تقنعني.
لكن المفاجأة الحقيقية ظهرت بعد سقوط ابني.
أبويا دخل الكادر، وبص ناحية يوسف لثوانٍ قليلة، ثم التفت إلى ليلى.
ما حاولش يطمن عليه.
ما طلبش حد يساعده.
بدل كده، أشار لليلى ناحية وحدة التحكم الخاصة بالكاميرات.
وبعدها، ظهرت نجلاء وهي بتقف جنب بنتها، وبتتكلم معاها بسرعة.
الصوت ماكانش واضح في الجزء ده، لكن حركاتهم كانت كفاية تخليني أفهم إنهم كانوا بيتصرفوا مع بعض.
كملت مشاهدة التسجيل.
وبعد دقائق، ظهر أبويا وهو بيقفل أبواب غرفة السفرة، بينما كانت أمي بتبعد بقية أفراد العيلة عن المكان.
وفي اللحظة اللي كنت فاكرة إن التسجيل خلص عندها، ظهر شخص تاني.
كان عمي، سامح الشافعي، أخو أبويا الأصغر.
دخل الغرفة، ووقف قدام أبويا، وقال جملة التقطها الميكروفون بوضوح:
— محمود، إنت وعدتني إن موضوع الأوراق هيتقفل النهارده. مش ناقصة مشاكل جديدة!
أبويا رد عليه بعصبية:
— مش وقته يا سامح! البنت بوّظت الدنيا، ولازم نخلّص الموضوع ده الأول.
عمي بص ناحية ليلى، وبعدين قال:
— المهم محدش يجيب سيرة الملف اللي في المكتب. لو الموضوع اتفتح، كلنا هنتورط!
بعدها، التسجيل انتهى.
فضلت باصة للشاشة، وأنا مش مستوعبة.
إيه علاقة كسر دراع ابني بملف موجود في مكتب أبويا؟
وليه عمي كان خايف إن حد يتكلم عن الأوراق دي؟
في اللحظة دي، فهمت إن الحكاية أعمق من مجرد محاولة لحماية ليلى من عواقب تصرفها.
لكن بدل ما أبدأ أفسر الأمور من دماغي، حفظت التسجيل كما وصلني، واحتفظت بالرسائل، وقررت أسيب التحقيق يكشف حقيقة الملف ده.
أنا ماكنتش عايزة أستخدم منصبي، ولا أتدخل في قضية تخص عيلتي.
كل اللي كنت عايزاه هو حماية ابني، وإثبات الحقيقة بالطريقة القانونية.
في الصباح، خرج الدكتور من غرفة العمليات.
جريت ناحيته وأنا قلبي بيدق بسرعة.
ابتسم ابتسامة مطمئنة وقال:
— العملية نجحت الحمد لله، وابنك حالته مستقرة. هيحتاج فترة علاج وتأهيل، لكن إحنا متفائلين جدًا.
حسيت إن رجلي مش شايلاني من شدة الارتياح.
دخلت أشوف يوسف.
كان نايم على السرير، ودراعه متثبت، ووشه هادي بعد ساعات طويلة من الألم.
أول ما فتح عينيه وشافني، همس:
— ماما، هو أنا عملت حاجة غلط؟
السؤال ده وجعني أكتر من أي حاجة حصلت في الليلة كلها.
قربت منه، وبوست راسه.
— لأ يا حبيبي. إنت ماعملتش أي حاجة غلط. ومش من حق أي حد يأذيك، حتى لو كان من عيلتنا.
بص لي شوية، وبعدين سأل:
— طب ليه خالو محمود قال إني وقعت لوحدي؟
مسكت إيده السليمة وقلت:
— ساعات الكبار بيغلطوا يا يوسف، لكن الغلط مش بيبقى صح لمجرد إن ناس كتير قالوا عليه كده.
حضنته بحذر، ووعدته إنني مش هسمح لحد يضغط عليه أو يجبره يقول حاجة مش حقيقية.
بعد ما اطمنت عليه، تواصلت مع المحقق المسؤول عن البلاغ، وسلمته المعلومات المتاحة عندي، بما فيها التقرير الطبي والرسائل والتسجيل المستعاد، وطلبت أن يتم فحصها والتحقق من صحتها.
ماطلبتش معاملة خاصة.
وماكلمتش أي مسؤول بسبب منصبي.
كنت حريصة إن كل خطوة تحصل وفق القانون، عشان محدش يقدر يقول بعد كده إنني استغليت وظيفتي عشان أنتقم من عيلتي.
لكن أهلي ماكانوش مستعدين يتقبلوا إنني مش هتنازل.
بعد يومين، كنت قاعدة جنب يوسف في المستشفى لما أمي دخلت الأوضة.
كانت شايلة شنطة صغيرة، ووشها باين عليه القلق.
قربت من السرير، وبصت ليوسف، وبعدها التفتت ناحيتي.
— يا سارة، كفاية لحد كده. أبوكي مش بينام من يوم اللي حصل.
ما رديتش.
كملت كلامها:
— ليلى غلطت، وإحنا مش بنقول إنها ملاك، بس دي بنت أختك في الآخر. مستقبلها هيضيع لو الموضوع كبر.
قلت لها بهدوء:
— ومين كان بيفكر في مستقبل يوسف لما كان واقع على الأرض وبيتألم؟
نزلت عينيها للأرض.
— ماكانش قصدنا نأذيه.
رديت:
— أنا مش هقدر أتكلم عن النوايا. اللي أعرفه إن ابني اتصاب، وإنكم حاولتوا تقنعوني أقول إنه وقع لوحده.
أمي قربت مني وهمست:
— أبوكي عايز يشوفك. هو مستعد يزوّد المبلغ، ويدفع كل مصاريف علاج يوسف، وكمان يكتب لك شقة باسمك لو وافقتي تنهي الموضوع.
بصيت لها بصدمة.
حتى بعد كل اللي حصل، لسه شايفين إن المشكلة مجرد رقم ممكن يتكتب على شيك!
قلت لها:
— يا ماما، ابني مش سلعة عشان نتفاوض على حقه. ومش هبيع الحقيقة مقابل شقة أو فلوس.
اتغيرت ملامحها، وقالت بنبرة حادة:
— إنتِ اتغيرتي أوي يا سارة. الفلوس والنفوذ خلّوكي تنسي عيلتك!
ابتسمت بحزن.
— أنا اللي نسيت عيلتي؟ ولا إنتوا اللي نسيتوا إن يوسف طفل، وإنه من دمكم؟
ما ردتش.
خرجت من الأوضة وهي بتتمتم بكلام ماقدرتش أسمعه.
لكن قبل ما الباب يتقفل، قالت جملة خلتني أتأكد إن أبويا بدأ يحس إن سيطرته بتضيع:
— أبوكي مش هيسيب الموضوع يعدي بالساهل.




