روايات وقصص

الجزء الثاني والاخير

فضلت ماسكة الموبايل على ودني، مش قادرة أصدق اللي سمعته من أمي.

«إنتِ سمعاني يا مريم؟» سألتني بنبرة حادة. «بقول لك لو أحمد حاول يتواصل معاكي، ما تصدقيش أي كلمة يقولها!»

بلعت ريقي بصعوبة، وسألتها:

«ماما، إنتِ عرفتي منين إني قابلت أحمد؟ وإيه اللي حصل له أصلًا؟»

سكتت للحظات، وبعدها ردت ببرود غريب:

«الموضوع انتهى من سنين، ومش عايزة أفتح فيه كلام تاني.»

صرخت من غير ما أحس:

«انتهى إزاي؟! أنا لسه شايفاه من شوية بيلم علب من الزبالة علشان يعرف يعيش! الراجل اللي كان جوزي، واللي إنتوا كنتوا بتقولوا إنه سابني ودمّر حياتي، طلع مشرد! وإنتِ عايزاني ما أسألوش عن السبب؟!»

صوت أمي اتغير فجأة.

«مريم، إنتِ مش فاهمة حاجة. فيه حاجات لو عرفتيها، حياتك كلها هتتغير.»

الجملة دي كانت كفاية علشان أحس إن فيه سر أكبر بكتير من اللي كنت متخيلة.

قلت لها بحزم:

«يبقى من حقي أعرفه.»

لكنها قفلت المكالمة في وشي.

فضلت باصة للموبايل، وبعدها رفعت عيني ناحية الشارع.

كان عندي اختيارين: إما أرجع البيت وأتصرف كأن شيئًا لم يحدث، أو أبدأ أدور على الحقيقة بنفسي.

ولأول مرة في حياتي، قررت إني مش هسمح لأي حد يختار بالنيابة عني.

رجعت البيت بعد المغرب.

لقيت أمي قاعدة في الصالة، وأبويا قدامها بيشرب الشاي، وأخويا كريم بيتكلم في الموبايل وكأن اليوم عادي جدًا.

أول ما دخلت، أمي رفعت عينيها ناحيتي.

«اتأخرتي ليه؟»

ما رديتش.

حطيت شنطتي على الكنبة، وبصيت لأبويا مباشرة.

«أنا شفت أحمد النهارده.»

الكوباية اللي كانت في إيده وقفت في نص الطريق لفمه.

أما أمي، فوشها شحب للحظة، قبل ما تحاول ترجع ملامحها لطبيعتها.

كريم أنهى المكالمة بسرعة، وبص لي باستغراب.

قلت وأنا براقب ردود أفعالهم:

«الغريب إن أول ما شفته، كان واضح عليه إنه خايف مني… أو بالأصح، خايف عليَّ. ولما سألته عن اللي حصل له، قال لي إنه ضحّى بكل حاجة علشاني.»

أبويا حط الكوباية على الترابيزة بقوة.

«الكلام ده هبل! الراجل ده ضيّع نفسه بإيده، وإحنا مالناش دعوة بيه.»

سألته فورًا:

«طيب ليه أمي قالت لي ما أصدقش أي كلمة منه قبل حتى ما أحكيلها هو قال إيه؟»

الصمت نزل على الصالة.

أمي قامت من مكانها وقالت:

«أنا تعبت، ومش ناقصة تحقيق النهارده.»

لكن قبل ما تتحرك، قلت لها:

«أنا مش همشي من هنا غير لما أفهم. إنتوا قلتوا لي إن أحمد هو اللي رفض يكمل الجواز، وإنه كان بيكدب عليَّ، وإنه اختفى علشان يهرب من مسؤولياته. طيب ليه لما شفته النهارده، كان بيتصرف كأنه لسه بيحاول يحميني؟»

أبويا وقف فجأة.

«إنتِ هتسمعي كلامنا، ومش هتفتحي الموضوع ده تاني!»

بصيت له بصدمة.

طول عمري كنت بخاف من نبرة صوته دي. كنت بتراجع أول ما يرفع صوته، وبقتنع إن الكبار أكيد فاهمين أكتر مني.

لكن المرة دي، حاجة جوايا اتغيرت.

قلت بهدوء:

«لأ يا بابا. المرة دي مش هسكت.»

وشه احمر من الغضب.

أما أمي، فكانت بتبص لي بعيون مليانة قلق، وكأنها عارفة إن اللحظة اللي كانت بتحاول تتجنبها من سنين وصلت أخيرًا.

دخلت أوضتي وقفلت الباب.

قعدت على طرف السرير، وحاولت أرتب أفكاري.

افتكرت يوم انفصالي عن أحمد من حوالي خمس سنين.

في الوقت ده، كنت بمر بفترة صعبة، وأهلي كانوا بيقولوا لي إن أحمد بيخبي عني أمورًا مالية، وإنه بيحاول يستغل ثقتي فيه علشان يستفيد من ممتلكات العيلة.

أبويا وراني أوراق قال إنها بتثبت إن أحمد كان متورطًا في تصرفات مالية مشبوهة.

وأمي فضلت تعيط وهي بتقول لي إنها خايفة عليَّ من إني أضيع عمري مع راجل مش بيقدرني.

أما كريم، فكان بيأكد لي إنه سمع أحمد بيتكلم مع شخص غريب عن فلوس العيلة.

وقتها، كنت حاملًا في الشهر التاني.

كنت محتاجة حد يطمني، وحد يقول لي إن كل حاجة هتبقى كويسة.

لكن بدل ما أواجه أحمد وأسمع منه، سمحت لخوفى وشكوك أهلي يسيطروا عليَّ.

لما واجهته بالأوراق اللي أبويا اداهالي، أحمد أنكر كل حاجة.

قال لي إن فيه حد بيحاول يوقع بيننا، وإن الأوراق دي مش زي ما أنا فاهمة.

طلب مني أمهله يومين بس علشان يثبت لي الحقيقة.

لكن أبويا ضغط عليَّ، وأمي قالت إن رجوعي لأحمد هيكون أكبر غلطة في حياتي.

وفي النهاية، انفصلنا.

بعد فترة قصيرة، فقدت حملي.

كنت وقتها محطمة نفسيًا، وكنت محتاجة أحمد يكون جنبي، لكني كنت مقتنعة إنه اختار يبعد عني.

بعدها سمعت إنه خسر شغله، وإنه اضطر يبيع بيته، وإنه دخل في مشكلات مالية كبيرة.

وأهلي قالوا لي إن دي نتيجة اختياراته.

صدقتهم.

حاولت أبدأ حياة جديدة، وركزت في شغلي، وبعد فترة أقنعت نفسي إن اللي حصل كان لازم يحصل.

لكن دلوقتي، بعد ما شفته بعيني، كل حاجة بدأت تتغير.

فتحت درج المكتب الصغير اللي جنب سريري.

كان فيه صندوق قديم حاطة فيه حاجات من أيام جوازي.

صور، وخطابات، وبعض الأوراق اللي ما قدرتش أرميها رغم كل اللي حصل.

طلعت صورة قديمة ليا أنا وأحمد في يوم عيد جوازنا الأول.

كان بيضحك فيها من قلبه، وأنا مسنودة على كتفه.

قلبت الصورة، فلقيت جملة كان كاتبها لي بخط إيده:

«لو الدنيا كلها وقفت ضدك، افتكري إن فيه حد عمره ما هيختار يسيبك لوحدك.»

حسيت بدموعي بتنزل من غير ما أقدر أوقفها.

هل كان بيقصد الكلام ده فعلًا؟

وهل كان بيحاول ينفذ وعده حتى بعد ما انفصلنا؟

في اللحظة دي، لاحظت ظرفًا صغيرًا واقعًا في قاع الصندوق.

ما افتكرتش إني شفته قبل كده.

كان عليه اسمي بخط أحمد.

إيدي بدأت ترتعش وأنا بفتحه.

جواه ورقة واحدة، مكتوب فيها:

«مريم، لو وصل لك الظرف ده في يوم من الأيام، فده معناه إني ما قدرتش أوصلك للحقيقة بنفسي.

أنا عارف إنك يمكن تكرهيني، ويمكن تكوني صدقتي كل اللي اتقال عني.

لكن فيه حاجة لازم تعرفيها: أنا ما سبتكيش بإرادتي.

والأوراق اللي شوفتيها يومها ما كانتش السبب الحقيقي لانهيار جوازنا.

الحقيقة موجودة في المكان اللي بدأ منه كل شيء.

دوري على الملف الأزرق في مكتب والدك القديم.

ولو لقيتيه، ما تواجهيش أي حد قبل ما تقري كل كلمة فيه.

أحمد.»

فضلت باصة للورقة وقتًا طويلًا.

مكتب أبويا القديم!

السابق1 من 6
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى