روايات وقصص

الجزء الثاني والاخير

الجزء الثاني
رجعت البيت تاني يوم الصبح، بعد ما خلصت نوبة شغلي، لكن المرة دي ما دخلتش وأنا بفكر إزاي أصالح نهى أو أعدّي اللي حصل كأنه مجرد خلاف عائلي.

كنت داخل وأنا معايا أسئلة كتير، والأهم إني كنت عارف إن بنتي مش هتقدر تدافع عن نفسها لو فضلت أنا أصدق الكلام اللي بيتقال عنها من غير ما أتأكد.

أول ما فتحت الباب، لقيت نهى قاعدة على الكنبة، بتشرب قهوتها وبتتفرج على التلفزيون، وكأن مفيش أي حاجة حصلت الليلة اللي فاتت.

رفعت عينيها ناحيتي وقالت:

«صباح الخير. إنت رجعت بدري ليه؟»

بصيت لها بهدوء وقلت:

«أنا خلصت شغلي. ملك فين؟»

ردت وهي بتبص في موبايلها:

«أكيد عند أختك. وبصراحة، هي محتاجة تتعلم إن كل تصرف له نتيجة».

حطيت مفاتيحي على الترابيزة وقلت:

«وإنتِ شايفة إن نتيجة إنها تشتغل وترجع في معاد الأتوبيس هي إنها تبات بره بيتها؟»

اتغيرت ملامحها للحظة، لكنها سرعان ما استعادت هدوءها.

«أحمد، إنت مكبر الموضوع. البنت اتأخرت عن الميعاد اللي أنا حددته، وأنا طبقت القاعدة. لو كل مرة هتتدخل وتلغي كلامي، يبقى أنا ماليش أي سلطة في البيت».

سألتها:

«مين قال لك إن الساعة سبعة هي ميعاد رجوع ملك؟»

ردت بسرعة:

«إنت بنفسك وافقت».

فتحت الموبايل، لكني ما وريتهاش التسجيلات.

قلت:

«أنا مش فاكر إني وافقت. بالعكس، إحنا متفقين على الساعة تسعة ونص، مع مراعاة مواعيد الشغل».

رفعت صوتها:

«يعني إنت مصدق بنتك ومش مصدقني؟»

قلت لها:

«أنا بسألك سؤال، وإنتِ بتغيري الموضوع. ليه غيرتي كود الباب بتاع ملك؟»

لأول مرة، ما ردتش فورًا.

بصت لي باستغراب مصطنع، وبعدها قالت:

«غيرته عشان الأمان. مش كل حاجة لازم أرجع لك فيها».

قلت:

«والأمان ده بيشتغل على ملك بس؟»

سكتت.

كملت وأنا مركز في عينيها:

«ليه كود سلمى شغال طول الليل، وكود ملك بيتوقف الساعة سبعة؟»

قامت من مكانها بسرعة.

«إنت بتراقبني؟!»

ما كنتش متوقع إنها هتتمسك بالسؤال ده بدل ما ترد على اللي عملته.

قلت لها:

«دي كاميرات بيتنا، وأنا براجع تسجيلاتها لما تحصل مشكلة تخص أمان البيت. بنتي كانت واقفة بره، والكود مش شغال. طبيعي إني أشوف إيه اللي حصل».

ردت بعصبية:

«أنا مش هقبل إنك تحقق معايا في بيتي!»

بصيت لها وقلت:

«ده بيتي أنا كمان، وملك بنتي، ومن حقها تدخل بيتها بأمان».

نهى سابتني واقفة ومشيت ناحية المطبخ، وهي بتتمتم بكلام ما قدرتش أسمعه كله.

لكن قبل ما تختفي، قالت جملة خلتني أفهم إن المشكلة أعمق من مجرد ميعاد رجوع.

قالت:

«إنت عمرك ما هتفهم أنا بعاني قد إيه من البنت دي».

ما رديتش.

كنت عايز أعرف هي تقصد إيه بالضبط.

بعد حوالي ساعة، رحت بيت أختي دينا عشان أشوف ملك.

لقيتها قاعدة على السفرة، قدامها طبق فطار، وكشكولها بتاع العربية مفتوح جنبها.

أول ما شافتني، قامت بسرعة.

«بابا!»

حضنتها بقوة، وفضلت ماسكها شوية قبل ما أبعد عنها وأبص في وشها.

سألتها:

«نمتي كويس؟»

هزت راسها.

«أيوه».

وبعدها بصت للأرض وقالت:

«أنا آسفة يا بابا».

اتراجعت خطوة، وبصيت لها باستغراب.

«آسفة على إيه؟»

قالت بصوت واطي:

«إني خليتك تتخانق مع نهى. يمكن لو كنت رجعت بدري شوية، أو كنت طلبت من مديري يمشيني قبل المعاد، ما كانش حصل كل ده».

حسيت بغضب شديد، لكن مش منها.

غضبي كان من نفسي، لأني ما انتبهتش بدري كفاية إنها بقت شايلة إحساس بالذنب على حاجات مش غلطتها.

قعدت جنبها وقلت:

«بصي لي يا ملك. إنتِ خلصتي شغلك الساعة 6:45، وركبتي الأتوبيس اللي بيوصلك في معاده، ورجعتي البيت. فين الغلط في ده؟»

قالت:

«مش عارفة».

قلت:

«مفيش غلط. ومش مطلوب منك تعتذري عشان ترجعي بيتك».

سكتت شوية، وبعدها قالت:

«بابا، ممكن ما تخليش الموضوع يكبر؟ أنا مش عايزة مشاكل. أنا ممكن أبطل شغل لو ده هيريحها».

الجملة دي كانت كفيلة إنها تخليني أعرف إن الموضوع ما ينفعش يتقفل باعتذار وخلاص.

سألتها بهدوء:

«هي قالت لك قبل كده إن شغلك مضايقها؟»

ترددت.

«مش بالضبط».

«يعني إيه مش بالضبط؟»

فضلت تحرك صباعها على طرف الكشكول، وبعدها قالت:

«هي بتقول إن البيت مش فندق، وإن المفروض أساعد في البيت بدل ما أضيع وقتي في الشغل. وبتقول إنك بتصرف عليا كتير، وإن الفلوس اللي بجمعها مش هتعمل فرق».

بصيت للكشكول المفتوح قدامها.

كانت كاتبة فيه المبلغ اللي جمعته، وتحت الرقم حاطة صورة عربية مستعملة كانت طبعتها من الإنترنت.

قلت لها:

«إنتِ اشتغلتي عشان تتعلمي وتعتمدي على نفسك. وأنا فخور بيكي».

عينيها دمعت، لكنها حاولت تخبي ده بابتسامة صغيرة.

«بجد يا بابا؟»

«بجد. ومش هسمح لحد يخليكي تحسي إن اجتهادك عيب».

بعدها سألتها سؤال كنت متردد أسأله.

«ملك، هل دي أول مرة يحصل فيها موقف زي ده؟»

فضلت ساكتة.

طولت في السكوت لدرجة إني بدأت أخاف من الإجابة.

وبعدين قالت:

«لا يا بابا».

حسيت بقلبي بيقبض.

«احكي لي».

أخدت نفسًا طويلًا، وبدأت تتكلم.

قالت إن نهى كانت بتطلب منها ترجع بدري من أي مشوار، حتى لو كان نشاطًا مدرسيًا أنا وافقت عليه.

وإنها كانت بتخصم من مصروفها لو نسيت تعمل حاجة في البيت، بينما سلمى كانت بتعمل نفس الحاجة ومحدش بيكلمها.

وإنها في مرات كتير كانت بتضطر تستأذن قبل ما تستخدم المطبخ بعد الساعة تسعة، رغم إن سلمى كانت بتطلب أكل في نص الليل عادي.

سألتها:

«طب ليه ما قلتيليش؟»

ردت بسرعة:

«عشان كنت خايفة تفتكر إني مش متقبلة نهى، أو إني غيرانة من سلمى. إنت كنت مبسوط إننا بقينا عيلة واحدة، وأنا ما كنتش عايزة أكون السبب في إن الجواز يفشل».

ما لقيتش كلام أقوله.

بنت عندها 16 سنة كانت بتحاول تحافظ على جوازي، لدرجة إنها قبلت تتعامل كأنها ضيفة في بيت أبوها.

حضنتها تاني، وقلت لها:

«الجواز مش مسؤوليتك يا ملك. ومش مطلوب منك تتحملي معاملة مش عادلة عشان تحافظي على بيتي. دي مسؤوليتي أنا».

في اللحظة دي، قررت إن الموضوع مش هينتهي بمجرد إني أغير كود الباب.

كان لازم أعرف إذا كانت نهى بتتصرف بالشكل ده مع ملك بس، ولا فيه حاجات تانية بتحصل من ورايا.

رجعت البيت بعد الظهر، وطلبت من نهى نقعد نتكلم من غير صراخ.

وافقت، لكن من أول لحظة كانت متحفزة.

حطيت قدامها ورقة كتبت فيها مواعيد رجوع البنتين خلال الأيام اللي فاتت، بناءً على تسجيلات الكاميرا.

قلت لها:

«أنا مش جاي أتشاجر. أنا عايز أفهم ليه القواعد مختلفة بين ملك وسلمى».

بصت للورقة، وبعدها زقتها بعيد.

«عشان كل بنت مختلفة عن التانية».

«إزاي؟»

قالت:

«سلمى لسه صغيرة، وبتحتاج مني مرونة. إنما ملك بتتصرف كأنها مش محتاجة حد، وبتحاول تفرض شخصيتها في البيت».

قلت:

«ملك بتشتغل وبتجمع فلوسها. ده مش معناه إنها بتفرض شخصيتها».

ردت:

«إنت مش شايف اللي أنا شايفاه. هي بتخلي سلمى تحس إنها أقل منها».

سألتها:

«إمتى ملك عملت كده؟»

قالت:

«بطريقتها. كل شوية تتكلم عن شغلها وفلوسها والعربية اللي هتشتريها. سلمى بتسمع الكلام ده، وبتحس إنها مش ناجحة زيها».

قلت:

«طب هل الحل إننا نعاقب ملك عشان سلمى ما تحسش بالفرق؟»

نهى رفعت صوتها:

«أنا مش بعاقبها! أنا بحاول أخلي البيت متوازن».

ساعتها طلعت الموبايل وفتحت التسجيل.

شغلت المقطع اللي فيه سلمى راجعة الساعة 12:08 بعد نص الليل.

سمعنا صوتها وهي بتسأل:

«طب ولو أحمد عرف؟»

وبعدين سمعنا رد نهى:

«قواعد جوز أمك معمولة لبنته هو، مش ليا أنا».

وقفت التسجيل.

بصيت لها وقلت:

«ممكن تفسري لي الكلام ده؟»

وشها اتغير.

لأول مرة من بداية النقاش، ما كانش عندها رد جاهز.

وبعد ثوانٍ، قالت:

«أنا كنت بهزر معاها».

قلت:

«ده مش هزار. إنتِ بتقولي لبنتك إن القواعد اللي اتفقنا عليها ما تخصهاش، وبتقولي لبنتي إني وافقت على قواعد ما وافقتش عليها».

ردت بانفعال:

«يعني إيه؟ هتحاسبني على كل كلمة بقولها في بيتي؟»

قلت:

«هحاسب نفسي الأول، عشان سمحت إن ملك توصل لمرحلة إنها تخاف تدخل بيتها».

سكتت، وبعدين قالت بصوت أوطى:

«إنت اخترت بنتك عليا».

هزيت راسي.

«أنا مش باختار بينك وبينها. أنا بطلب العدل بين بنتين عايشين في نفس البيت».

لكن نهى قامت، وأخدت موبايلها، وقالت:

«أنا مش هفضل في جواز كل ما بنتك تزعل فيه أبقى أنا المتهمة».

ومشيت ناحية أوضة النوم وقفلت الباب.

فضلت قاعد مكاني، وبفكر في كلامها.

كنت عارف إن أي عيلة فيها اختلافات، وإن دمج عيلتين مش دايمًا سهل.

لكن اللي حصل ما كانش مجرد اختلاف في التربية.

كان فيه كذب واضح، وقرارات اتاخدت من ورايا، ومعاملة مختلفة اتفرضت على بنتي من غير علمي.

ومع ذلك، كان فيه سؤال لسه ما لقيتش له إجابة:

ليه نهى كانت مصممة تحديدًا على إن ملك ما تدخلش البيت بعد الساعة سبعة، رغم إنها عارفة إن شغلها بينتهي قبل الموعد ده بدقايق؟

الإجابة بدأت تظهر في نفس الليلة.

كنت بدور على فاتورة صيانة القفل الإلكتروني في بريدي الإلكتروني، لما لقيت رسالة قديمة من شركة تركيب النظام.

فتحتها، ولقيت مرفقًا فيه تفاصيل التعديلات اللي اتعملت على حساب الإدارة.

راجعت التاريخ.

التعديل ما كانش معمول يوم الجمعة، زي ما كنت متخيل.

كان معمول قبلها بأسبوعين كاملين.

يعني نهى خططت لتغيير صلاحيات دخول ملك قبل الواقعة بوقت طويل.

لكن ده ما كانش كل شيء.

في نهاية التقرير، لقيت ملاحظة عن محاولة سابقة لتغيير إعدادات الدخول، ومعاها وقت التنفيذ واسم المستخدم.

فتحت التفاصيل.

وبعدين رجعت قريتها مرة تانية.

المحاولة الأولى لتقييد كود ملك حصلت في نفس اليوم اللي أعلنت فيه بنتي إنها حصلت على زيادة في مرتبها، وبدأت تجمع فلوس أكتر للعربية.

فضلت أبص للشاشة وأنا بحاول أربط الأحداث ببعضها.

هل كان الموضوع له علاقة بالفلوس؟

هل نهى كانت متضايقة فعلًا من استقلال ملك، ولا كان فيه سبب تاني ما عرفوش لسه؟

وقبل ما أقدر أوصل لأي نتيجة، سمعت صوت رسالة جاية على موبايلي.

كانت رسالة من أختي دينا.

كتبت فيها:

«أحمد، ملك قالت لي حاجة قبل ما تنام، وأنا شايفة إن لازم تعرفها. بس هي خايفة تقول لك بنفسها».

اتصلت بدينا فورًا.

ردت بعد الرنة الأولى، وقالت بصوت جاد:

«أنا مش عايزة أظلم نهى، لكن اللي ملك حكيته لي ممكن يغير فهمك لكل اللي حصل».

سألتها:

«قالت لك إيه؟»

سكتت لحظة، وبعدها قالت:

«ملك بتقول إن نهى طلبت منها من كام يوم إنها تسلمها الفلوس اللي بتجمعها للعربية، وقالت لها إن الفلوس دي لازم تتحط في مصاريف البيت».

حسيت إن الأرض بتنسحب من تحت رجلي.

سألتها:

«وملك عملت إيه؟»

ردت دينا:

«قالت لها إنها هتسألك الأول، وإن الفلوس دي من شغلها هي. ومن يومها، نهى بدأت تعاملها بطريقة مختلفة».

قفلت المكالمة، وبصيت ناحية باب أوضة النوم.

فجأة، بدأت أفهم إن ميعاد الساعة سبعة ممكن ما يكونش هو المشكلة الحقيقية أصلًا.

يمكن نهى ما كانتش بتحاول تعلم ملك الالتزام بالقواعد… يمكن كانت بتحاول تضغط عليها لحد ما تتنازل عن فلوسها.

لكن قبل ما أواجهها بالاحتمال ده، كان لازم أسمع الكلام من ملك نفسها، وأتأكد من كل تفصيلة.

لأن لو شكوكي طلعت صحيحة، فالموضوع ما بقاش مجرد معاملة غير عادلة بين بنتين.

الموضوع بقى متعلقًا بحق بنتي في تعبها، وبالثقة اللي اديتها لمراتي أربع سنين كاملة.

وفي صباح اليوم التالي، قررت أعمل حاجة ما كنتش متخيل إني هضطر أعملها في جوازي.

طلبت من نهى تقعد معايا، وقلت لها إن عندي سؤال واحد بس، وعايز إجابة واضحة من غير لف ولا دوران.

بصت لي بثقة وقالت:

«اتفضل».

فتحت كشكول ملك، وحطيت قدامها الرقم اللي كانت جمعته من شغلها.

وبعدين سألتها:

«يا نهى، إنتِ طلبتي من ملك فلوس العربية لنفسك؟»

في اللحظة دي، اختفت الابتسامة من على وشها.

وبدل ما تجاوب، بصت ناحية باب المطبخ، كأنها بتتأكد إن مفيش حد واقف بيسمعنا.

وبعدين قالت جملة واحدة خلتني أعرف إن اللي جاي هيكون أصعب بكتير من كل اللي فات:

«إنت ما تعرفش بنتك مخبية عنك إيه يا أحمد… ولو عرفت الحقيقة كاملة، يمكن إنت بنفسك تغيّر رأيك فيها».
فضلت باصص لنهى من غير ما أتكلم. كانت واقفة قدامي، وبدل ما ترد على سؤالي، بتحاول تنقل الاتهام لبنتي.

قلت لها بهدوء:

«أنا سألتك سؤال واضح. طلبتي من ملك فلوس العربية لنفسك؟»

عقدت إيديها قدام صدرها وقالت:

«أنا ما أخدتش منها جنيه واحد. أنا بس قلت لها إن البيت له مصاريف، وإنها لو عايشة معانا وبتشتغل، المفروض تساعد زي أي فرد في العيلة».

قلت لها:

«وده كلام مختلف تمامًا عن إنك تطلبي منها فلوس كانت بتجمعها لهدف هي تعبانه عشانه».

ردت بسرعة:

«هي مش محتاجة عربية أصلًا! عندها أربع سنين قدامها قبل ما تقدر تعتمد على نفسها بشكل كامل. الفلوس دي ممكن تساعدنا كلنا».

سألتها:

«تساعدنا في إيه تحديدًا؟»

اترددت، وبعدها قالت:

«في مصاريف البيت. إنت عارف الأسعار بقت عاملة إزاي».

قلت لها:

«أنا اللي بدفع مصاريف البيت، وعمري ما طلبت من ملك تدفع إيجار أو تتحمل مسؤولية مالية. ليه إنتِ قررتي ده من نفسك؟»

نهى سكتت ثواني، وبعدين قالت:

«لأنك بتعامل بنتك كأنها أميرة، وبتعامل سلمى كأنها لازم تستنى دورها في كل حاجة».

كانت بتحاول تخليني أحس بالذنب، لكن المرة دي قررت ما أسيبش الكلام العام يضيع السؤال الأساسي.

قلت:

«لو عندك مشكلة في تقسيم المصاريف، نتكلم فيها إحنا الاتنين. لكن ملك مش هتدفع تمن خلافات بيني وبينك».

نهى رفعت صوتها:

«إنت بتدافع عنها حتى قبل ما تسمع الحقيقة!»

رديت:

«أنا سمعتك. ودلوقتي عايز أسمع ملك كمان».

اتصلت بملك وطلبت منها تيجي تقعد معايا، لو كانت مستعدة تتكلم.

لما وصلت، كانت ماسكة شنطتها الصغيرة، وملامحها بتقول إنها متوقعة إنها داخلة على مشكلة جديدة.

قلت لها:

«يا حبيبتي، محدش هيزعق لك، ومحدش هيجبرك تقولي حاجة مش عايزة تقوليها. أنا بس عايز أفهم اللي حصل بخصوص فلوس العربية».

بصت لنهى، وبعدها رجعت بصت لي.

قالت بتردد:

«هي طلبت مني الفلوس من حوالي أسبوعين».

سألتها:

«طلبت منك كام؟»

ردت:

«قالت لي أديها كل اللي جمعته، وإنها هتحتفظ بيه لحد ما تقرر نستخدمه في إيه».

نهى قاطعتها:

«أنا ما قلتش كده! قلت لك إننا ممكن نستفيد بيه في حاجة مهمة».

ملك اتوترت، وبدأت تفرك صوابعها في بعض.

تدخلت فورًا:

«يا نهى، سيبيها تكمل».

بنتي أخدت نفسًا عميقًا وقالت:

«أنا قلت لها إن الفلوس دي من شغلي، وإني عايزة أشتري بيها عربية مستعملة لما أقدر. هي قالت لي إن أنا أنانية، وإن سلمى مش معاها فلوس، وإن مش عدل إني أحقق حلمي وهي لأ».

بصيت لنهى.

ما أنكرتش الكلام كله، لكنها قالت:

«أنا كنت بحاول أعلمها المشاركة».

سألت ملك:

«وبعدها حصل إيه؟»

ردت:

«قالت لي إن لو أنا فعلًا شايفة نفسي جزء من العيلة، لازم أثبت ده. وبعدها بيومين، قالت لي إن معاد رجوعي هيبقى الساعة سبعة».

سكتت لحظة، وبعدين أضافت:

«أنا ما قلتلكش يا بابا، لأني كنت فاكرة إنها هتنسى الموضوع بعد كام يوم».

حسيت إن كل تفصيلة جديدة بتكشف لي قد إيه بنتي كانت بتحاول تتجنب المشاكل على حساب نفسها.

سألتها:

«هل نهى أخدت منك أي فلوس بالفعل؟»

هزت راسها.

«لا. أنا كنت حاطة الفلوس في حساب التوفير بتاعي. لما طلبتها، قلت لها إني مش هسحبها من غير ما أتكلم معاك».

للحظة، حسيت بالارتياح لأنها ما خسرتش تعبها.

لكن نهى قالت فجأة:

«شايف؟ هي أصلًا مش بتثق فيا! مخبية فلوسها عني، وبتعاملني كأني غريبة».

بصيت لها وقلت:

«هي مش مطالبة تسلمك مدخراتها عشان تثبت إنها بتحبك. الثقة مش معناها إن حد يتنازل عن حقه».

ردت بعصبية:

«يبقى أنا ماليش أي قيمة في البيت ده!»

قامت من مكانها، لكني طلبت منها تستنى.

قلت:

«لسه فيه حاجة تانية لازم نوضحها. إنتِ قلتي لملك إن ميعاد الساعة سبعة متفق عليه معايا. وده ما حصلش. وبعدها غيرتي كود الباب بحيث ما تقدرش تدخل بعد الوقت ده. ليه؟»

نهى بصت لملك، وبعدها رجعت بصت لي.

قالت:

«لأنها لازم تتعلم إن فيه عواقب لرفضها أوامر البيت».

رديت:

«رفضها إنها تسلمك فلوسها مش معناه إنها فقدت حقها في الدخول لبيتها».

ساد الصمت.

وبعدين نهى قالت جملة كشفت لي حاجة تانية:

«أنا كنت عايزة أخليها تحس إن العيشة معانا ليها شروط، مش كل حاجة على مزاجها».

بصيت لها طويلًا.

قلت:

«يعني إنتِ اعترفتي بنفسك إنك استخدمتي الباب وسيلة ضغط عليها».

نهى ما ردتش.

أما ملك، فكانت قاعدة جنبي ووشها شاحب. واضح إنها ما كانتش متخيلة إن الكلام اللي كانت بتخاف تحكيه هيوصل للمواجهة دي.

التفت لها وقلت:

«إنتِ مش هتضطري تسيبي شغلك، ومش هتدفعي فلوسك لأي حد تحت الضغط. وأنا هظبط موضوع الباب بحيث ما يتكررش اللي حصل».

ملك همست:

«بس يا بابا، أنا مش عايزة أخليكم تتطلقوا بسببي».

مسكت إيدها وقلت:

«إنتِ مش السبب في أي قرار هنتخذه. الكبار مسؤولين عن تصرفاتهم، وإنتِ مش مطلوب منك تصلحي أخطاء حد».

نهى سمعت كلامي، وبعدها دخلت أوضة النوم وقفلت الباب.

كنت فاكر إن كده وصلنا لأصل المشكلة، لكني اكتشفت إن فيه جزء مهم لسه ناقص.

في نفس اليوم، اتصلت بأم سلمى، مي، وطلبت منها نتكلم في موضوع يخص البنتين.

ما كنتش عايز أتهم نهى قدامها، ولا كنت عايز أفتح باب لخلاف جديد. كنت بس محتاج أفهم إذا كانت سلمى نفسها عارفة إن فيه معاملة مختلفة بينها وبين ملك.

مي وافقت تقابلني في مكان عام قريب من شغلي.

لما وصلت، حكيت لها اللي حصل من غير ما أخفي أي تفصيلة، ووريتها تسجيل الباب اللي فيه نهى بتقول لسلمى إن القواعد تخص بنتي مش بنتها.

مي فضلت ساكتة فترة، وبعدها قالت:

«أنا كنت حاسة إن فيه حاجة غلط».

سألتها:

«يعني إيه؟»

قالت:

«سلمى كانت بتكلمني من فترة وتقول لي إن نهى بتطلب منها ما تحكيش لي بعض التفاصيل عن البيت. وكنت فاكرة إن ده مجرد خلاف عادي بين أم وبنتها».

سألتها:

«زي إيه؟»

ردت:

«كانت بتقول إن نهى بتقارنها بملك باستمرار، وبتقول لها إن ملك بتوفر فلوسها وبتشتغل، وإنها لازم تبقى أذكى منها وتعرف تستفيد من وجودك في البيت».

الكلام ده فاجأني.

أنا كنت فاكر إن نهى بتعامل سلمى معاملة مميزة لأنها بنتها، لكن الظاهر إن المقارنات كانت بتضغط على البنتين، كل واحدة بطريقة مختلفة.

مي كملت:

«أنا مش بقول إن نهى أم سيئة، لكن واضح إنها دخلت في منافسة مش مفهومة. يمكن هي حاسة إن ملك عندها فرص أكتر من سلمى، وبدل ما تساعد بنتها تتقدم، بدأت تحاول تقلل من ملك».

سألتها:

«تفتكري سلمى عارفة إن ملك اتمنعت من دخول البيت؟»

قالت:

«مش عارفة. لكن لو عرفت، لازم تسمع الحقيقة من غير ما تحس إنك بتعاقبها هي كمان».

كان كلامها منطقيًا.

سلمى مش مسؤولة عن تصرفات أمها، زي ما ملك مش مسؤولة عن الخلافات اللي حصلت بين الكبار.

وقبل ما أمشي، قالت مي:

«فيه حاجة كمان لازم تعرفها. سلمى قالت لي إن نهى كانت بتتكلم عن فلوس ملك من فترة، وإنها كانت بتقول إن الفلوس دي ممكن تساعد في مصاريف كورس تمثيل عايزة سلمى تدخله».

وقفت مكاني.

سألتها:

«كورس تمثيل؟»

هزت راسها.

«أيوه. سلمى كانت نفسها تدخل برنامج تدريب غالي شوية، ونهى كانت بتحاول تشوف هتدفع تكلفته منين».

ما علقتش.

لأن دي كانت أول مرة أسمع فيها إن فيه هدف محدد كانت نهى عايزة تستخدم فلوس ملك عشانه.

لكن كان لازم أسمع من سلمى نفسها.

رجعت البيت في المساء، ولقيت سلمى قاعدة في الصالة بتذاكر.

طلبت منها نقعد نتكلم شوية.

بصت لي بقلق وقالت:

«ماما قالت لي إنك متضايق منها بسببي».

قلت:

«أنا متضايق من اللي حصل، لكن إنتِ مش متهمة بأي حاجة. عايز أسألك سؤال، وتجاوبي باللي تعرفيه».

هزت راسها.

سألتها:

«إنتِ تعرفي إن ملك اتمنعت من دخول البيت بسبب ميعاد الساعة سبعة؟»

وشها اتغير.

«أيوه».

اتصدمت.

«إنتِ عرفتي إمتى؟»

قالت بصوت واطي:

«ماما قالت لي يوم الجمعة. قالت إن ملك لازم تتعلم الالتزام، وإنك موافق على القرار».

سألتها:

«ولما عرفتي إن ملك فضلت بره البيت، عملتي إيه؟»

سلمى بصت للأرض.

«أنا بعت لها رسالة».

سألتها:

«قلتي لها إيه؟»

ردت:

«قلتلها إني آسفة، وإن الموضوع مش بإيدي».

كان واضح إنها محرجة.

قلت لها:

«أنا مش بلومك على قرار ما أخدتِهوش. لكن عايز أفهم حاجة تانية. هل أمك قالت لك إنها عايزة فلوس ملك عشان كورس التمثيل؟»

سلمى رفعت عينيها بسرعة.

«هي قالت إن ملك معاها فلوس كتير، وإن لو كانت فعلًا بتعتبرني أختها، ممكن تساعدني».

سألتها:

«وإنتِ طلبتي من ملك فلوس؟»

هزت راسها بالنفي.

«لا. أنا ما كنتش عايزة أطلب منها. أنا كنت هحاول أجمع الفلوس بنفسي، أو أستنى لحد السنة الجاية».

سكتت شوية، وبعدها قالت:

«بس ماما كانت بتقول إن ملك مش محتاجة الفلوس دي، وإنها بتخبيها عن العيلة».

قلت لها:

«الفلوس اللي الواحد بيتعب فيها من حقه يقرر يستخدمها إزاي. المساعدة الحقيقية لازم تكون باختيار الشخص، مش بالضغط عليه».

سلمى بدأت تعيط.

قالت:

«أنا ما كنتش عايزة ملك تتعاقب. أنا حتى ما كنتش أعرف إن ماما غيرت الكود بتاعها».

صدقتها في اللحظة دي، لأن رد فعلها كان مختلفًا تمامًا عن رد فعل نهى.

قلت لها:

«أنا مش هحملك مسؤولية حاجة ما عملتيهاش. لكن من النهارده، مش عايز أي واحدة فيكم تحس إنها لازم تكسب عشان التانية تخسر».

سلمى مسحت دموعها وقالت:

«ممكن أتكلم مع ملك؟»

قلت:

«طبعًا، لو هي موافقة».

في الليلة دي، ملك وافقت تقابل سلمى في الصالة.

في البداية، كان فيه توتر واضح بينهما.

سلمى بدأت الكلام:

«أنا آسفة إنك وقفتي بره البيت. أنا ما كنتش عارفة إن ماما عملت كده».

ملك ردت:

«أنا عارفة إن الموضوع مش بإيدك».

سلمى كملت:

«ومش عايزة فلوسك. حتى لو كنت محتاجة الكورس، مش عايزة آخده بالطريقة دي».

ملك بصت لها، وبعدها قالت:

«أنا مش زعلانة منك. أنا بس كنت زعلانة إن ماما بتعاملني كأني لازم أثبت كل يوم إني أستحق أعيش هنا».

سلمى نزلت عينيها.

«هي بتقارنني بيكي طول الوقت. بتقول لي إنك أشطر مني عشان بتشتغلي وبتوفري فلوسك. وكنت بحس إني لازم أثبت لها إني أحسن منك في أي حاجة تانية».

ملك اتفاجئت.

قالت:

«أنا عمري ما فكرت إننا بنتنافس».

سلمى ابتسمت بحزن.

«أنا عارفة دلوقتي».

فضلوا يتكلموا شوية، وبعدها رجعوا يهزروا في موضوع قديم بينهم.

وأنا كنت واقف بعيد، بتفرج عليهم وبفكر إن البنتين كانوا قادرين يتعاملوا مع بعض بشكل طبيعي، لولا إن الكبار دخلوا بينهم بحسابات ما كانش المفروض يتحملوها.

لكن الهدوء ما استمرش طويلًا.

نهى خرجت من أوضة النوم، ولما شافتهم قاعدين مع بعض، وقفت مكانها.

قالت:

«إيه اللي بيحصل هنا؟»

سلمى ردت:

«بنتكلم يا ماما».

نهى بصت لها بحدة.

«أنا ما طلبتش منك تدخلي في الموضوع».

سلمى قامت وقالت:

«بس الموضوع يخصني أنا كمان. أنا مش عايزة فلوس ملك، ومش عايزة حد يعاملها وحش عشاني».

نهى اتجمدت للحظة.

وبعدين بصت لي وقالت:

«إنت قلبت بنتي عليا؟»

قلت:

«أنا ما قلتلهاش تحس بإيه. أنا بس سمعت لها زي ما سمعت لملك».

نهى ردت بعصبية:

«يعني خلاص، بقيت أنا الوحيدة الغلطانة في البيت ده!»

قلت:

«إحنا مش في محكمة، ومحدش بيطلب منك تكوني مثالية. لكن لازم تعترفي إن اللي حصل غلط، وتوافقي إنه ما يتكررش».

نهى بصت للبنتين، وبعدها قالت:

«أنا مش هعتذر عن إني بحاول أحافظ على أسرتي».

ردت ملك بهدوء:

«إحنا كلنا عايزين نحافظ على الأسرة يا نهى. بس مش على حساب بعض».

الكلام خرج من بنتي من غير صراخ ولا إهانة، ومع ذلك كان واضح إنه أثر في نهى.

لكن بدل ما تعتذر، دخلت أوضة النوم وقفلت الباب مرة تانية.

في اليوم التالي، اتخذت أول خطوة عملية.

اتصلت بشركة نظام الأمان، وطلبت إعادة ضبط صلاحيات الدخول، بحيث ما يقدرش أي شخص يغيّر كود ملك أو يقفل عليها الباب من غير علمي.

وكمان اتفقنا على قواعد واضحة تنطبق على البنتين بالتساوي، مع مراعاة الشغل والدراسة وأي ظروف خاصة.

أما فلوس ملك، ففضلت في حسابها، تحت سيطرتها هي.

كنت فاكر إن الخطوات دي هتكون بداية حل المشكلة، لكن نهى كان عندها رأي تاني.

بعد يومين، رجعت من الشغل ولقيتها حاطة ورقة على السفرة.

كانت قائمة بمصاريف البيت الشهرية، وتحتها رقم كبير، وبجانبه جملة مكتوبة بخطها:

«مساهمة ملك في مصاريف البيت: 3000 جنيه شهريًا».

فضلت باصص للورقة، مش مصدق إنها لسه مصممة على نفس الفكرة.

ولما دخلت الصالة، لقيتها قاعدة مستنياني.

قالت بثقة:

«أنا فكرت في الموضوع، وده الحل العادل. طالما ملك بتشتغل، يبقى تساهم في البيت زي أي حد».

حطيت الورقة قدامها وسألتها:

«وإيه مساهمة سلمى؟»

ردت بسرعة:

«سلمى لسه صغيرة».

قلت:

«ملك أصغر منها بسنة واحدة، وبرضه لسه طالبة في المدرسة».

قالت:

«لكن ملك عندها دخل».

سألتها:

«يعني لو ملك بطلت شغلها، هتسقطي الطلب ده؟»

نهى ما ردتش.

كملت:

«ولو سلمى اشتغلت السنة الجاية، هتطلبي منها نفس المبلغ؟»

قالت:

«هنشوف وقتها».

هزيت راسي.

«لا يا نهى، مش هنشوف وقتها. إحنا مش هنحط قواعد على أساس مين بنحب أكتر ومين معاه فلوس أكتر».

نهى قامت من مكانها، وأخدت الورقة.

قالت بصوت بارد:

«واضح إنك قررت خلاص إن بنتك أهم من جوازك».

بصيت لها وقلت:

«أنا قررت إن العدل أهم من إننا نتظاهر إن كل حاجة كويسة».

ما ردتش، لكنها قبل ما تمشي قالت:

«لو فضلت على موقفك ده، ما تلومش غير نفسك على اللي هيحصل».

فضلت واقف مكاني بعد ما دخلت أوضتها.

ما كنتش عارف إذا كانت بتهددني بإنها هتسيب البيت، ولا كانت بتحاول تضغط عليا عشان أتراجع.

لكن حاجة واحدة كانت واضحة.

المشكلة ما عادتش مقتصرة على باب اتقفل، أو فلوس اختلفنا عليها.

بقت اختبارًا حقيقيًا لشكل الأسرة اللي كنت فاكر إني بنيتها.

وفي نفس الليلة، وأنا براجع رسائل قديمة بيني وبين نهى بخصوص مصاريف البيت، لقيت رسالة كانت باعتاها لي من حوالي شهرين، بتتكلم فيها عن «مصاريف إضافية تخص البنات».

وقفت عند جملة واحدة.

كانت كاتبة إنها دفعت مبلغًا كبيرًا لتجهيز احتياجات سلمى المدرسية، وإنها هتحتاج مني تعويض المبلغ في الشهر التالي.

المشكلة إنني كنت قد حولت لها بالفعل المبلغ المتفق عليه في نفس الشهر.

فتحت كشف التحويلات، وبدأت أراجع الأرقام.

ما كنتش عايز أتهمها بحاجة من غير دليل، لكن كان لازم أعرف إذا كانت المصاريف اللي بتتكلم عنها حقيقية، وإذا كان فيه أي مبلغ اتصرف بطريقة مختلفة عن اللي اتفقنا عليه.

وبينما كنت براجع الحسابات، وصلتني رسالة من رقم سلمى.

كانت كاتبة:

«يا عمو أحمد، ممكن أقول لك حاجة من غير ما ماما تعرف؟ فيه موضوع قديم أنا شفته بالصدفة، ومش عارفة إذا كان له علاقة باللي بيحصل دلوقتي ولا لأ».

قرأت الرسالة مرتين.

وبعدين كتبت لها:

«طبعًا يا سلمى. قولي اللي إنتِ مرتاحة تحكيه».

لكن ردها التالي خلاني أقف من مكاني فورًا.

«أنا لقيت ورقة في درج ماما من فترة، عليها اسم ملك ومبلغ فلوس، وماما قالت لي وقتها إن الورقة دي لازم تفضل سر بينا».

وتحت الرسالة، بعتت لي صورة للورقة.

أول ما فتحت الصورة، عرفت إن الموضوع أكبر من مجرد طلب مساهمة في مصاريف البيت.

لأن الورقة ما كانش مكتوب فيها مبلغ 3000 جنيه، ولا أي مصاريف شهرية.

كان مكتوب فيها رقم أكبر بكتير، وبجانبه تاريخ قديم، وتوقيع مش توقيع ملك.

وفي أسفل الورقة، كانت فيه جملة قصيرة:

«يتم تسليم المبلغ لنهى منصور عند موافقة ولي الأمر».

رفعت عيني عن الشاشة، وأنا بحاول أفهم إيه اللي ممكن يكون حصل.

إيه المبلغ ده؟

وليه اسم ملك مكتوب عليه؟

وليه نهى محتاجة موافقة ولي الأمر عشان تستلمه؟

كنت على وشك أسأل سلمى عن تفاصيل أكتر، لكن وصلني منها تسجيل صوتي جديد.

وفي أول ثانيتين منه، سمعت صوتها وهي بتقول:

«يا عمو أحمد، أنا مش متأكدة إذا كانت ماما عملت كده فعلًا، لكن الورقة دي كانت جوه ملف قديم… والملف كان مكتوب عليه اسم بابا الحقيقي».

ساعتها، فهمت إن فيه سر تاني متعلق بملف عائلي قديم، وإننا لسه ما وصلناش للحقيقة كاملة.

واللي ما كنتش أعرفه إن الورقة دي هتفتح بابًا لمشكلة قديمة، وإن المواجهة الجاية مع نهى مش هتكون عن فلوس ملك بس، لكنها هتكون عن حاجة حصلت قبل ما أتخيل أصلًا إن البنتين ممكن يعيشوا تحت سقف واحد.
### النهاية: السر اللي قلب حياة العيلة كلها

فضلت باصص للصورة اللي سلمى بعتها لي، وأنا بحاول أفهم معنى الورقة.

اسم ملك كان مكتوب بوضوح، والمبلغ الموجود فيها كان أكبر بكتير من أي مصاريف بيت عادية. والأغرب إن الورقة كانت موجودة في ملف قديم مكتوب عليه اسم والد سلمى الحقيقي.

اتصلت بسلمى فورًا، وطلبت منها ما تلمسش أي أوراق تانية، وما تدخلش نفسها في مواجهة مع أمها.

سألتها:

«إنتِ متأكدة إن الورقة دي كانت في ملف باباكي؟»

قالت:

«أيوه. كنت بدور على شهادة المدرسة، وفتحت الدرج بالغلط. لقيت الملف، ولما ماما شافتني، أخدته مني بسرعة وقالت لي ما أتكلمش عنه مع أي حد».

سألتها:

«طب إنتِ عرفتي إيه عن الورقة؟»

ردت:

«ما عرفتش غير اللي ظاهر فيها. لكن لما شوفت اسم ملك، افتكرت إن ممكن يكون له علاقة باللي حصل بينها وبين ماما».

شكرتها، وطلبت منها تسيب الموضوع لي.

ما كنتش عايز أتهم نهى بحاجة قبل ما أفهم الحقيقة، لكن ما قدرتش أتجاهل اللي شفته.

تاني يوم الصبح، اتصلت بسارة، أم ملك، وطلبت منها تقابلني. كنت محتاج أعرف إذا كانت فيه أي مستندات أو مبالغ قديمة تخص بنتنا ممكن تفسر الموضوع.

لما قابلتها، وريتها صورة الورقة.

أول ما شافتها، اتغيرت ملامحها.

قالت باستغراب:

«إنت جبت الورقة دي منين؟»

حكيت لها إن سلمى هي اللي لقتها بالصدفة، وإنني ما أعرفش تفاصيلها.

سارة فضلت ساكتة لحظات، وبعدها قالت:

«أحمد، فاكر الفلوس اللي جد ملك من ناحية أبويا سابها لها في حساب توفير وهي صغيرة؟»

هزيت راسي.

كنت فاكر إن فيه مبلغ بسيط اتخصص لمستقبل ملك، لكني ما كنتش أعرف كل التفاصيل، لأن الحساب كان تحت إدارة قانونية محددة وقتها، ومع مرور السنين انشغلنا بأمور تانية.

سألتها:

«إيه علاقة ده بالورقة؟»

قالت:

«بعد الطلاق، كنت فاكرة إن الحساب اتساب زي ما هو. لكن من فترة، ملك سألتني عن أوراق قديمة تخص جدها، وقلت لها إني مش عارفة مكانها. ما كنتش أعرف إن فيه مستندات بالشكل ده».

قلت لها:

«إحنا لازم نعرف الحقيقة من البنك أو الجهة المسؤولة عن الحساب، مش بالتخمين».

واتفقنا إننا نراجع الأوراق الرسمية، من غير ما نطلب من ملك تدخل في أي نقاش مالي مع نهى.

في اليوم التالي، بدأت أراجع المستندات القديمة اللي كانت عندي في البيت.

وبعد اتصالات واستفسارات، اتضح إن المبلغ المذكور في الورقة مرتبط بحساب توفير قديم مخصص لمستقبل ملك، وإن أي سحب أو تحويل منه كان محتاج مستندات وموافقات محددة حسب شروط الحساب.

لكن الورقة اللي معانا ما كانتش إثباتًا إن نهى أخدت الفلوس بالفعل.

كانت مجرد مستند داخلي يشير إلى طلب متعلق بالمبلغ، من غير ما يثبت إن العملية تمت.

وده كان فرقًا مهمًا.

ما كنتش عايز أظلمها، لكني في نفس الوقت ما كنتش مستعد أتجاهل احتمال إنها حاولت تستخدم فلوس بنتي من غير موافقتها.

طلبت كشفًا رسميًا بالحركات المالية، وبدأت أراجع التواريخ مع المستندات المتاحة.

وبعد مراجعة السجلات، ظهر إن المبلغ الأساسي ما زال في الحساب، وإنه ما حصلش سحب منه بالطريقة اللي كنت خايف منها.

تنفست براحة.

على الأقل، تعب ملك وفلوس مستقبلها ما ضاعوش.

لكن بقي سؤال واحد: ليه نهى كانت محتفظة بالورقة دي، وليه طلبت من ملك فلوسها الخاصة؟

ما كانش عندي إجابة مؤكدة.

وعشان كده قررت أواجهها بالمعلومات اللي نعرفها فعلًا، من غير اتهامات مبنية على الظنون.

رجعت البيت في المساء، وطلبت من نهى نتكلم.

دخلت الصالة وهي بتقول:

«لو جاي تفتح موضوع ملك تاني، فأنا تعبت من الكلام ده».

قلت:

«الموضوع مش بس ملك. أنا عايز أفهم ورقة قديمة موجودة في ملف عندك، مرتبطة بحساب توفير باسمها».

وشها اتغير بمجرد ما سمعت كلمة حساب توفير.

سألتني:

«إنت عرفت الورقة دي منين؟»

قلت:

«لقيتها ضمن مستندات قديمة، وراجعت المعلومات المتاحة عنها. الحساب لسه موجود، والمبلغ ما اتسحبش. لكن عايز أفهم ليه كانت الورقة عندك، وليه كنتِ عايزة ملك تسلمك مدخراتها».

نهى قعدت على الكنبة، وحطت إيديها على وشها.

فضلت ساكتة وقتًا طويلًا.

وبعدين قالت:

«أنا كنت بفكر في مستقبل البنتين».

سألتها:

«إزاي؟»

قالت:

«كنت شايفة إن ملك بتجمع فلوس كتير، وسلمى نفسها تدخل كورس تمثيل، وأنا كنت خايفة إن كل واحدة فيهم تعيش لنفسها، ومحدش يفكر في التانية».

قلت لها:

«وده خلاكي تعاقبي ملك لما رفضت تسلمك فلوسها؟»

ردت بصوت منخفض:

«أنا ما كنتش شايفة الموضوع عقاب. كنت فاكرة إنها لما تحس إن فيه عواقب، هتراجع نفسها».

قلت:

«لكنها ما كانتش غلطانة من الأساس. إنتِ طلبتي منها فلوسها، ولما رفضت، غيرتي كود الباب ومنعتيها تدخل بيتها».

نهى بدأت تعيط.

قالت:

«أنا كنت حاسة إنك بتحب ملك أكتر مني ومن سلمى. كل ما كانت تعمل حاجة كويسة، كنت بتتكلم عنها بفخر، وكنت بحس إن بنتي مش قادرة تنافسها».

بصيت لها بحزن.

«نهى، أنا عمري ما طلبت من سلمى تنافس ملك. أنا كنت عايز البنتين ينجحوا، كل واحدة بطريقتها».

قالت:

«عارفة. لكني كنت خايفة إن ملك تكبر وتبقى مستقلة، وساعتها سلمى تحس إنها أقل منها».

رديت:

«لو سلمى حاسة إنها أقل، فالحل إننا نساعدها تبني ثقتها بنفسها، مش إننا نقلل من ملك».

نهى سكتت.

وبعد لحظات، قالت:

«أنا غلطت في موضوع الباب».

كان ده أول اعتراف واضح منها.

لكنني قلت لها:

«المشكلة مش في الباب وحده. المشكلة إنك كذبتي عليا، وخلّيتي ملك تحس إنها مش مرغوب فيها في بيت أبوها، وحاولتي تضغطي عليها عشان تتنازل عن فلوسها».

ردت وهي بتمسح دموعها:

«أنا ما كنتش عايزة أأذيها».

قلت لها:

«يمكن ما كانش ده قصدك، لكن ده اللي حصل. والنية لوحدها مش كفاية لإصلاح الضرر».

في الأيام اللي بعدها، أخدت وقتًا أفكر في مستقبل جوازي.

ما كنتش عايز أقرر وأنا غضبان، لكني كمان ما كنتش مستعد أرجع لنفس الحياة القديمة لمجرد إن نهى اعتذرت.

قلت لها إن استمرارنا مع بعض مشروط بتغيير حقيقي، مش مجرد وعود.

لازم قواعد البيت تبقى واضحة وعادلة، ولازم ملك تحس بالأمان وهي راجعة من شغلها، ولازم فلوسها وحساباتها تفضل تحت سيطرتها.

وكمان اقترحت إننا نلجأ لمتخصص في الإرشاد الأسري لو كنا فعلًا عايزين نحاول نصلح علاقتنا.

نهى وافقت في البداية، لكن مع مرور الأيام، اتضح إنها لسه شايفة إن جزءًا كبيرًا من المشكلة سببه إني بدافع عن ملك.

كانت بتعتذر عن موقف، وبعدها ترجع تبرر موقفًا تاني.

وفي كل مرة كنت أسألها عن العدل بين البنتين، كانت ترجع تقول إنني مش مقدر دورها في البيت.

أما ملك، فبدأت ترجع لحياتها الطبيعية بالتدريج.

رجعت لشغلها، وكملت تجميع فلوس العربية، وبقت عارفة إن باب البيت مش هيتقفل في وشها بسبب خلاف ما لهاش ذنب فيه.

وسلمى كمان بدأت تتكلم بصراحة أكتر، وبقت تحاول تحقق أهدافها بنفسها بدل ما تحس إنها في سباق مع أختها.

وفي يوم، دخلت عليا ملك وأنا براجع جدول شغلي.

قالت:

«بابا، أنا عايزة أقول لك حاجة».

قفلت الكشكول وبصيت لها.

«قولي يا حبيبتي».

قالت:

«أنا مش عايزة أكون السبب في إنك تخسر جوازك».

ابتسمت لها بحزن وقلت:

«إنتِ مش السبب يا ملك. القرارات اللي بناخدها نتيجة تصرفاتنا، مش نتيجة إن حد طالب بحقه».

سألتني:

«يعني لو قررت إنك ما تكملش مع نهى، مش هتكون بتعمل كده عشاني؟»

مسكت إيدها وقلت:

«هكون بعمل كده بناءً على اللي حصل بيني وبينها، وعلى قدرتنا إننا نصلح علاقتنا أو لأ. إنتِ مش مطالبة تختاري لي، ولا تتحملي مسؤولية قراراتي».

حضنتني وقالت:

«أنا بس كنت عايزة بيتنا يفضل زي ما كان».

رديت:

«وأنا كنت عايز ده كمان. لكن البيت الحقيقي مش مجرد سقف وباب. البيت هو المكان اللي كل واحد فيه يحس إنه آمن، وإنه مش مضطر يثبت كل يوم إنه يستحق يكون موجود».

بعد أسابيع من المحاولات، وصلنا أنا ونهى لطريق مسدود.

كانت عايزة نرجع لحياتنا القديمة من غير ما نتكلم كتير عن اللي حصل، بينما أنا كنت محتاج أشوف تغييرًا مستمرًا، وأتأكد إن ملك مش هتتعرض لنفس المعاملة مرة تانية.

وفي النهاية، قررنا ننفصل.

ما كانش قرارًا سهلًا، وما احتفلتش بيه، لأن أي انفصال بيكون له ثمن، خصوصًا لما تكون فيه بنتين اتعودوا يعيشوا تحت سقف واحد.

لكننا اتفقنا إن خلافاتنا ما تتحولش لمعركة بين ملك وسلمى، وإن كل واحدة فيهم تفضل بعيدة عن أي لوم بسبب قرارات الكبار.

قبل ما نهى تمشي، وقفت عند باب البيت وبصت لي.

قالت:

«كنت فاكرة إنك هتختارني في الآخر».

قلت لها:

«أنا اخترت العدل. كنت أتمنى إننا نقدر نحققه وإحنا مع بعض».

نزلت عينيها، وبعدها خرجت.

قفلت الباب بهدوء، لكن المرة دي ما كانش فيه بنت واقفة بره بتحاول تدخل بيتها.

كان فيه أب فهم أخيرًا إن السكوت عن الظلم، حتى لو كان بدافع الحفاظ على الأسرة، ممكن يخلي أقرب الناس إليه يدفعوا الثمن.

بعد شهور، وفي يوم جمعة هادي، كنت قاعد في البيت مع ملك وسلمى.

ملك كانت بتراجع إعلانات العربيات المستعملة، وسلمى كانت بتحكي لنا عن تجربة أداء جديدة في المسرح.

وفجأة، ملك لفتت ناحيتي وقالت:

«بابا، فاكر لما كنت واقفة على الباب والكود مش راضي يفتح؟»

ابتسمت بحزن.

«فاكر طبعًا».

قالت:

«أنا وقتها كنت فاكرة إن المشكلة إني مش مرغوب فيا في البيت. لكن دلوقتي فهمت إن رفض حد ليا مش معناه إني أقل من أي حد».

بصيت لها بفخر وقلت:

«وده أهم درس تتعلميه يا حبيبتي».

سلمى تدخلت وقالت:

«وأنا اتعلمت إن مش لازم أكون أحسن من حد عشان أحس إني ناجحة».

ضحكنا إحنا التلاتة.

وفي اللحظة دي، حسيت إننا بدأنا فعلًا نصلح جزءًا من الضرر اللي حصل.

مش لأن كل المشاكل اختفت، لكن لأننا بقينا بنتكلم بصراحة، وبقينا فاهمين إن الحب مش معناه إننا نتجاهل الغلط، وإن الأسرة مش معناها إن شخصًا يضحي بكرامته عشان الباقيين يفضلوا مبسوطين.

وبعد فترة، ملك اشترت عربية مستعملة صغيرة بفلوسها اللي تعبت فيها.

يوم ما رجعت بيها البيت، وقفت قدام الباب، ورفعت المفاتيح في إيديها وهي بتضحك.

قالت:

«أول مشوار هعمله هيكون إني أجيب لك قهوة يا بابا».

ضحكت وقلت:

«بس بشرط ترجعي قبل معاد النوم!»

ضحكت هي وسلمى، وعرفنا كلنا إن الكلام ده مجرد هزار، مش قاعدة جديدة هنستخدمها ضد بعض.

أما أنا، فاحتفظت بنسخة من تسجيل الكاميرا اللي ظهرت فيه ملك وهي بتحاول تدخل البيت.

مش عشان أفضل أفتكر الإساءة، لكن عشان أفتكر اللحظة اللي فهمت فيها إن العدل مش بيتقاس بالكلام اللي بنقوله عن نفسنا، لكنه بيتقاس بتصرفاتنا لما نكون قادرين نتحكم في حياة حد أضعف مننا.

ومن يومها، عرفت إن حماية أولادنا مش معناها إننا نمنع عنهم كل ألم، لكنها معناها إننا ما نسمحش لهم يصدقوا إنهم يستحقوا الألم لمجرد إنهم طالبوا بحقهم.

لأن البنت اللي اتمنعت من دخول بيتها خمس دقايق بعد ميعاد مزعوم، ما كانتش محتاجة أبًا ينتقم لها.

كانت محتاجة أبًا يسمعها، ويصدقها، ويقف جنبها لما يكون الحق معاها.

والدرس اللي خرجت بيه من كل اللي حصل هو إن العيلة مش اللي بتفرض عليك شروط عشان تسمح لك تدخل، العيلة الحقيقية هي اللي تخليك عارف إن ليك مكان فيها، حتى لما تختلفوا.
تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى