
الجزء الثاني لم تستطع سلمى النوم طوال الرحلة. كانت تنظر من نافذة الطائرة إلى الغيوم، بينما تتصارع داخلها أفكار كثيرة. باريس؟ عمل جديد؟ رحلة مع ياسين؟ كل شيء حدث بسرعة لا تسمح لها حتى بالتفكير. والأكثر إرباكًا كان ياسين نفسه. منذ أن جلست بجواره، كان يتصرف وكأنه يعرف عنها أشياء لم تخبره بها.
وأخيرًا، لم تستطع منع نفسها من السؤال:
—ياسين… لماذا طلبت أن أجلس بجوارك تحديدًا؟
ظل ينظر إلى شاشة الكمبيوتر أمامه لثوانٍ، ثم أغلقها.
—لأنني كنت أبحث عنك منذ فترة.
تجمدت سلمى.
—تبحث عني؟ لماذا؟
—لأسباب سأخبرك بها عندما نصل.
—ولماذا لا تخبرني الآن؟
ابتسم ابتسامة صغيرة.
—لأنني لا أريد أن أقول شيئًا قبل أن أتأكد من بعض الأمور.
شعرت سلمى بالقلق.
—هل الأمر يتعلق بعمر؟
لم يجب فورًا.
وكان صمته إجابة كافية لإثارة خوفها.
—ماذا تعرف عن عمر؟
تنهد ياسين وقال:
—أعرف أكثر مما تتخيلين.
—كيف؟
اقترب قليلًا وخفض صوته:
—قبل عامين، طلب مني شخص أن أتحقق من بعض الأمور المتعلقة بشركة عمر.
عبست سلمى.
—لكن عمر لم يكن يعمل معك.
—صحيح.
—إذن لماذا؟
نظر إليها مباشرة.
—لأن هناك أموالًا كانت تختفي من حسابات الشركة.
شعرت سلمى بقشعريرة.
—ماذا تقول؟
—أنا لا أتهمه بشيء. كنت أتحقق فقط.
ثم أضاف:
—لكن أثناء البحث، ظهر اسمك أكثر من مرة.
صمتت سلمى.
—اسمي أنا؟
—نعم.
—مستحيل.
—كنتِ توقعين بعض الأوراق عندما كان عمر مريضًا، أليس كذلك؟
تذكرت سلمى تلك السنوات.
كانت توقع أحيانًا على مستندات تخص التأمين والعلاج، وأحيانًا أوراقًا طلب منها عمر توقيعها بسرعة.
قالت:
—نعم… لكنه كان يقول إنها أوراق خاصة بالتأمين والعلاج.
هز ياسين رأسه ببطء.
—وهنا تبدأ المشكلة.
لم تستطع سلمى الكلام.
بعد دقائق، قال ياسين:
—هناك شيء آخر.
—ماذا؟
—المرأة التي قال لك عمر إنها ستأتي غدًا ليست السبب الحقيقي في طلبه منك الرحيل.
نظرت إليه بحدة.
—ماذا تقصد؟
—أعتقد أن عمر كان يريدك خارج المنزل قبل أن تكتشفي شيئًا.
ضحكت سلمى بمرارة.
—كنت أتمنى لو قلت لي هذا قبل أن أخرج من بيتي.
—لو كنت أخبرتك قبل أن نركب الطائرة، ربما كنتِ ستعودين إليه وتواجهينه.
—وربما كنت سأفعل.
—لهذا لم أقل شيئًا.
ساد الصمت بينهما.
ثم قالت سلمى:
—أريد الحقيقة.
نظر ياسين إلى ساعته.
—ستحصلين عليها.
بعد ساعات، هبطت الطائرة في باريس.
كان فريق ياسين ينتظرهم في المطار.
لم تمنح سلمى نفسها وقتًا للتفكير.
ذهبت معهم إلى الفندق، ثم إلى مقر الشركة الفرنسية التي كانوا يتفاوضون معها.
وبمجرد دخولها غرفة الاجتماع، حدث شيء غريب.
توقفت إحدى السيدات الفرنسيات عن الكلام عندما رأت سلمى.
ثم قالت بالفرنسية:
—أنتِ سلمى؟
أجابتها:
—نعم.
اقتربت المرأة منها.
—كنت أعتقد أنك لن تأتي.
نظرت سلمى إلى ياسين بدهشة.
—ماذا تقصد؟
تدخل ياسين بسرعة:
—سنشرح لك كل شيء بعد الاجتماع.
جلست سلمى إلى الطاولة.
وبدأت الترجمة.
خلال دقائق، اكتشفت أن المفاوضات كانت في طريقها للفشل بسبب بند واحد في العقد.
بند صغير جدًا…
لكن تفسيره الخاطئ كان يمكن أن يجعل الشركة تخسر ملايين الدولارات.
ترجمته سلمى بدقة، ثم شرحت الفرق القانوني بين المصطلحين.
ساد الصمت في الغرفة.
ثم ابتسم المدير الفرنسي وقال:
—الآن فهمت لماذا أصر ياسين على حضورك.
نظرت سلمى إلى ياسين.
كان يبتسم.
وبعد انتهاء الاجتماع، قال لها:
—كنتِ رائعة.
أجابته:
—لم أكن أعرف أنني ما زلت أستطيع فعل ذلك.
قال بهدوء:
—أنتِ لم تفقدي قدرتك يا سلمى… أنتِ فقط توقفتِ عن استخدامها.
كانت تلك الجملة أكثر تأثيرًا عليها مما توقع.
لكن في تلك اللحظة، رن هاتفها.
كان رقمًا مصريًا.
نظرت إلى الشاشة.
عمر.
لم تجب.
بعد ثوانٍ وصلت رسالة.
فتحتها.
كانت قصيرة:
«ارجعي فورًا. هناك أشياء يجب أن تعرفيها قبل أن يسبقك ياسين إليها.»
تغير وجهها.
رفع ياسين عينيه إليها.
—ماذا حدث؟
ناولته الهاتف.
قرأ الرسالة.
وللمرة الأولى منذ بداية الرحلة، اختفت الابتسامة من وجهه.
قال:
—إذن بدأ يتحرك.
—ماذا يعني ذلك؟
لم يجب.
رن هاتفه في اللحظة نفسها.
أجاب:
—نعم؟
استمع لبضع ثوانٍ.
ثم تغيرت ملامحه تمامًا.
قال الشخص على الطرف الآخر:
—وجدنا المستند الأصلي.
أغلق ياسين الهاتف.
نظرت إليه سلمى.
—أي مستند؟
قال:
—المستند الذي وقعتِ عليه قبل ثلاث سنوات.
شعرت سلمى بأن الأرض تتحرك تحت قدميها.
—وماذا يوجد فيه؟
نظر إليها ياسين وقال:
—اسمك… بجوار توقيعك.
—على ماذا وقعت؟
صمت ياسين للحظة.
ثم قال:
—على نقل ملكية شيء لم تعرفي أصلًا أنك تملكينه.
تجمدت سلمى.
وفي تلك اللحظة أدركت أن خروجها من منزل عمر لم يكن نهاية زواجها…
بل ربما كان بداية كشف سر ظل مخفيًا عنها ثلاث سنوات كاملة.
الجزء الثالث
ظلت سلمى واقفة أمام ياسين، غير قادرة على استيعاب ما قاله.
—شيء أملكه أنا؟ ماذا تعني؟
أخرج ياسين هاتفه، ثم فتح صورة لمستند قديم.




