
الفصل الثاني: التحويلات اللي كشفت الحقيقة تاني يوم الصبح، صحيت على صوت ليلى وهي بتناديني من جنب السرير. «ماما، هو إحنا هنرجع البيت النهارده؟» فتحت عيني وبصيت لها، لقيتها قاعدة جنبي، وحاضنة الدبدوب الصغير اللي كانت مصممة تاخده معاها في الرحلة.
ابتسمت لها وقلت:
«مش النهارده يا حبيبتي. إيه رأيك نقضي اليوم على البحر، وناكل آيس كريم، ونعمل كل الحاجات اللي بتحبيها؟»
ابتسمت، لكن ابتسامتها ماكانتش كاملة.
«طب ولما نرجع، هنحكي لتيتة عن الرحلة؟»
السؤال خلاني أسكت لحظة.
وبعدين قلت لها:
«لما نرجع، هنشوف يا روحي».
ماحبيتش أزرع في قلبها كره لجدتها، لكن في نفس الوقت، ماكنتش هقدر أكذب عليها وأقول إن كل حاجة طبيعية.
بعد ما جهزت الفطار للتوأم، خرجت معاهم يتمشوا على الشاطئ. قضينا الصبح في اللعب، ولما رجعوا الفندق، طلبوا يتفرجوا على فيلم كرتون.
استغليت الوقت ده، وفتحت اللابتوب.
كان عندي هدف واحد: أفهم إزاي أمي قدرت تغيّر حجزي، وإزاي اتخصم المبلغ من حسابي، وليه بابا بعتلي فواتير رحلات ماوافقتش عليها أصلًا.
بدأت أراجع رسائل البريد الإلكتروني القديمة.
وبعد حوالي ساعة، لقيت رسالة من شركة الرحلات البحرية بتأكد تفاصيل الحجز الأصلي.
كان الحجز باسمي، ومربوط ببطاقتي البنكية، لكن كان فيه عنوان بريد إلكتروني تاني مضاف باعتباره وسيلة اتصال احتياطية.
العنوان ده كان خاص بأختي ندى.
استغربت.
أنا ماطلبتش إضافتها، ولا فاكرة إني وافقت على أي تعديل يسمح لها بالتصرف في حجزي.
اتصلت بالشركة مرة تانية، وطلبت منهم يراجعوا سجل التغييرات.
الموظف أكد لي إن التعديلات تمت باستخدام بيانات الحجز، وإن الشخص اللي طلب التغيير قدم معلومات كافية للتحقق من الطلب.
لكن لما سألته عن تفاصيل إضافية، وضح لي إن بعض البيانات ماينفعش يشاركها معايا عبر الهاتف، وإن عليّ تقديم طلب رسمي للحصول على سجل التعديلات.
سجلت رقم الطلب، وقفلت المكالمة.
بعدها فتحت تطبيق البنك.
كنت متوقعة ألاقي مصاريف الرحلة الأخيرة بس، لكن لما بدأت أراجع التحويلات خلال السنتين اللي فاتوا، اكتشفت حاجة غريبة.
كل شهر تقريبًا، كان فيه تحويل بمبلغ ثابت لحساب بابا.
المبلغ ماكانش كبير لدرجة تخليني ألاحظه وسط مصاريف البيت والمدرسة، لكنه لما اتجمع على مدار سنتين، طلع رقمًا ضخمًا.
وبجانب التحويلات الشهرية، كانت فيه مبالغ تانية تحت مسميات مختلفة.
«مصاريف صيانة».
«مساعدة لندى».
«قسط متأخر».
«مصاريف طارئة».
افتكرت كل واحدة منهم.
فاكرة يوم ما بابا اتصل بيا وقال إن عنده مشكلة مؤقتة في المعاش وإنه محتاج مساعدة شهرين بس.
وفاكرة لما أمي قالت إن ندى بتواجه ظروف صعبة، وإن جوزها مش قادر يغطي كل المصاريف.
وفاكرة كمان اللي حصل لما احتاجت أمي تعمل بعض الإصلاحات في البيت، وطلبت مني أشارك في التكلفة.
كنت بساعدهم وأنا مقتنعة إن الفلوس دي بتروح فعلًا للحاجات اللي قالوا عليها.
لكن لما راجعت التواريخ، لاحظت إن بعض التحويلات كانت بتتم في نفس الأيام اللي بابا كان بيشتكي فيها من ضيق الحال.
وفي نفس الوقت، كانت حساباته تستقبل مبالغ تانية من مصدر ماكنتش أعرفه.
فتحت كشف الحساب بالتفصيل.
المبالغ دي كانت بتيجي من شركة عقارية محلية.
اسم الشركة ماكانش مألوفًا بالنسبة لي، لكن الملاحظات المرفقة بالتحويلات كانت بتتكرر:
«دفعة شهرية».
«تسوية حساب».
«مستحقات عقارية».
حسيت بقلق شديد.
ليه بابا بياخد تحويلات من شركة عقارية، وفي نفس الوقت بيطلب مني فلوس بحجة إن دخله مش مكفيه؟
يمكن فيه تفسير منطقي.
حاولت أقنع نفسي بكده.
لكن كل ما كنت أراجع البيانات، كانت الأسئلة بتزيد.
قررت أعمل حاجة عمري ما تخيلت إني هحتاج أعملها مع عيلتي.
اتصلت بالمحاسب اللي كان بيساعدني في تنظيم بعض الأمور المالية من وقت ما بدأت أشتغل.
اسمه أستاذ سامح.
شرحت له إن عندي تحويلات قديمة محتاجة أفهم طبيعتها، وإن فيه معاملات مرتبطة بشركة عقارية مش عارفة سببها.
سمعني بهدوء، وبعدها قال:
«بصي يا أستاذة مريم، خلينا نمشي خطوة خطوة. لازم نفرّق بين الفلوس اللي إنتِ حولتيها بإرادتك، وأي مبالغ اتخصمت أو اتصرف فيها من غير موافقتك. ماينفعش نستنتج حاجة قبل ما نراجع المستندات».
كلامه هدّاني شوية.
بعت له كشوف الحساب اللي تخصني، وطلبت منه يساعدني أرتب المعاملات حسب التاريخ والقيمة والجهة المستفيدة.
وبعدها، رجعت أبص على رسالة بابا.
كانت الفواتير المرفقة تخص رحلات خاصة لأفراد العيلة خلال الرحلة البحرية، بالإضافة إلى حجوزات لخدمات فاخرة على الجزر اللي هيرسو عندها المركب.
وفي آخر الرسالة، كتب جملة واحدة:
«حوّلي المبلغ قبل نهاية الأسبوع عشان مايحصلش أي تأخير».
ماكتبش حتى كلمة عن اللي حصل معايا.
ما سألنيش إذا كنت قدرت أحجز مكانًا بديلًا لأولادي.
ما اهتمش إذا كنت خسرت فلوسي أو إذا كان التوأم زعلانين.
كان كل اللي شاغله إن الفاتورة تتدفع.
قفلت الرسالة، وفتحت محادثة أمي.
كتبت لها:
«أنا محتاجة أفهم إزاي غيرتي الحجز من غير موافقتي، وليه بابا بيطلب مني أدفع فواتير رحلات أنا ماحجزتهاش».
فضلت باصة للشاشة لحظات قبل ما أبعت الرسالة.
وبعدين ضغطت إرسال.
بعد أقل من خمس دقايق، ظهر إنها قرأت الرسالة.
لكنها ما ردتش.
بدلًا منها، اتصلت بيا ندى.
رديت، وسمعت صوتها المليان ضيق.
«مريم، إنتِ بتعملي إيه بالضبط؟»
قلت بهدوء:
«مش فاهمة قصدك».
ردت بسرعة:
«ماما بتقول إنك بتسألي عن الحجز والفلوس، وإنك مكبرة الموضوع بشكل مش طبيعي».
أخدت نفسًا عميقًا.
«ندى، أنا كنت حاجزة رحلة ليا ولولادي، وإنتوا أخدتوا الحجز من غير ما ترجعوا لي. وبابا بعتلي فواتير عايزني أدفعها، مع إني ماوافقتش عليها».
سكتت لحظة، وبعدها قالت:
«إنتِ عارفة إننا كنا محتاجين الجناح الأكبر. ولادي كانوا متحمسين جدًا، وماما قالت إنك هتتفهمي».
«وأنا وولادي؟ ماكناش متحمسين؟»
ردت ببرود:
«إنتِ بتعرفي تتصرفي، يا مريم. طول عمرك بتعرفي تدبري أمورك. إحنا افتكرنا إنك هتلاقي حل».
الجملة دي كانت كفيلة إنها تشرح لي حاجات كتير.
لأنها ماقالتش إن اللي حصل كان غلط.
مااعتذرتش.




