روايات وقصص

القصة كاملة للنهاية بقلم محمد عبده

الجزء الثاني: السر اللي جوزي كان مخبيه عني فضل أحمد واقف قدامي ساكت، وكل ما كنت بستناه يرد، كان بيتهرب من عيني أكتر. قلت له وأنا بحاول أتحكم في أعصابي: «أنا سألتك سؤال واضح يا أحمد. إنت وعدت نهى بإيه من ورايا؟» تنهد بضيق، وبعدها سحب كرسي وقعد عليه. «أنا وعدتها إن الولاد يفضلوا هنا لحد ما تستقر في شغلها الجديد.»

 

بصيت له بعدم تصديق.

«يعني إنت كنت عارف من البداية؟»

هز راسه ببطء.

«أيوه.»

«وعارف إنها حجزت تذكرة السفر؟»

«أيوه يا مي.»

حسيت بوجع في صدري، مش بسبب وجود روبي وفين، لكن بسبب إن جوزي كان قادر يبص في عيني كل يوم لمدة تلات أيام، ويتعامل معايا بشكل طبيعي، وهو عارف إنه أخد قرار ممكن يغيّر حياتنا من غير ما يقولي.

قلت له:

«إنت فاهم معنى اللي عملته؟ أنا مش واحدة بتساعدك في البيت وخلاص. أنا شريكتك، وأي قرار يخص بيتنا لازم نتفق عليه سوا.»

رد بتأثر:

«أنا كنت بحاول أساعد أختي! هي تعبت كتير، والفرصة دي ممكن تكون آخر فرصة ليها عشان تقف على رجليها.»

«وأنا قلت لك إني ضد مساعدتها؟ أنا اعترضت على إنك تقرر بالنيابة عني!»

دخلت نهى المطبخ في اللحظة دي، وكانت عينيها حمرا من العياط.

قالت بصوت ضعيف:

«مي، أنا آسفة لو حسستك إننا بنستغلك. والله ما كان قصدي.»

بصيت لها وقلت:

«طيب، خليني أسألك سؤال واحد. إنتِ كنتِ متوقعة إنك تسيبي ولادك عندنا لمدة قد إيه؟»

ترددت قبل ما تجاوب.

«كنت بفكر في شهرين أو تلاتة، لحد ما أقدر أأجر شقة مناسبة وأظبط أموري.»

حطيت إيدي على جبيني.

شهرين أو تلاتة!

يعني أنا كنت فاكرة إنهم ضيوف مؤقتين، بينما هي كانت مخططة إننا نتحمل مسؤولية ولادها لفترة طويلة، وجوزي كان موافق!

سألتها:

«وإنتِ كنتِ هتعملي إيه في الإجازات؟ ومين هيتابع واجباتهم؟ ومين هياخدهم للدكتور لو تعبوا؟ ومين هيقعد معاهم لو أنا عندي شغل لازم أخلصه؟»

ردت بسرعة:

«هنرتب كل حاجة بالتليفون، وأنا هبعت مصاريفهم.»

بصيت لها باستغراب.

«المصاريف بس يا نهى؟ الأطفال محتاجين رعاية ووجود أمهم، مش مجرد فلوس تتحول آخر الشهر.»

نهى نزلت عينيها، لكن أحمد تدخل مرة تانية.

«يا مي، إحنا مش غرب عن بعض. إنتِ هتساعديهم شوية لحد ما الدنيا تستقر.»

لفيت له وقلت:

«هو ليه كل مرة بتتكلم كأن وقتي ملكك؟ إنت سألت نفسك أنا هقدر أعمل كل ده إزاي؟»

ما ردش.

كنت متوقعة إنه على الأقل يعترف إن طريقته غلط، لكن بدل ما يعمل كده، قال جملة خلتني أحس إن المشكلة أعمق من مجرد سوء تفاهم.

«بصراحة يا مي، أنا كنت متأكد إنك هتوافقي في الآخر. إنتِ طول عمرك بتحبي الأطفال، وعمرك ما قصرتي مع حد من عيلتي.»

بصيت له للحظات.

يعني هو عارف إني بحب أساعد الناس، وبدل ما يقدّر ده، قرر يستغله!

قلت له:

«كوني طيبة مش معناه إن من حقي أقلل من نفسي عشان أرضي كل اللي حواليا.»

وبعدها خرجت من المطبخ، لأنني لو فضلت واقفة قدامهم أكتر من كده، كنت هقول كلام مش عايزة الأطفال يسمعوه.

دخلت أوضة نومنا وقفلت الباب، وقعدت على طرف السرير.

حاولت أفتكر كل التفاصيل اللي حصلت خلال الأسابيع الستة اللي فاتت.

كنت أنا اللي بصحى بدري أجهز الفطار، وأنا اللي براجع مع روبي واجباتها، وأنا اللي بجهز شنطة فين لما ينسى كراسة أو كتاب، وأنا اللي بوقف شغلي عشان أساعدهم في أي حاجة.

وفي كل مرة كنت بتعب، كنت بقول لنفسي إن دي فترة وهتعدي.

لكن الحقيقة إنهم كانوا بيبنوا خطة كاملة على تعبي ومجهودي، من غير ما حد يفكر يسألني إذا كنت قادرة أكمل.

بعد حوالي عشر دقايق، خبط أحمد على الباب.

«مي، ممكن نتكلم؟»

ما رديتش.

خبط مرة تانية وقال:

«أنا عارف إنك متضايقة، بس لازم نلاقي حل.»

فتحت الباب وقلت له:

«الحل يبدأ بأنك تعترف إنك غلطت لما وعدت نهى بحاجة تخصنا إحنا الاتنين من غير ما ترجع لي.»

هز راسه وقال:

«خلاص، أنا آسف. بس دلوقتي نعمل إيه؟ أختي عندها سفر وشغل، ومش هينفع أقول لها تسيب الفرصة.»

قلت له:

«أنا مش همنعها من السفر، ومش هطلب منها تضحي بشغلها. لكن لازم نعرف الأطفال هيروحوا فين، وإزاي هتتدبر رعايتهم، بدل ما نعتبر إن الحل الوحيد هو إنهم يعيشوا عندنا.»

أحمد سكت شوية، وبعدها قال:

«طيب، هكلم نهى ونشوف.»

كنت فاكرة إن الكلام خلص عند كده، لكن قبل ما يمشي، موبايله رن.

بص للشاشة بسرعة، ولما شاف اسم المتصل، خرج من الأوضة عشان يرد.

الباب كان مفتوح شوية، وصوته وصل لي من غير ما أقصد أسمع.

«أيوه يا نهى، أنا قلت لك متقلقيش… مي هتهدى، والموضوع هيمشي زي ما اتفقنا.»

وقفت مكاني.

زي ما اتفقنا؟

يعني لسه فيه اتفاقات تانية أنا معرفش عنها حاجة؟

سمعته بيكمل بصوت أوطى:

«بس لازم نخلص موضوع الفلوس قبل الخميس، عشان محدش يسأل كتير.»

حسيت بقلبي بيدق بسرعة.

موضوع الفلوس إيه؟

وليه لازم يخلص قبل سفرها؟

استنيت لحد ما أنهى المكالمة، وبعدها خرجت من الأوضة.

كان أحمد واقف في الصالة، وأول ما شافني، خبّى الموبايل في جيبه.

سألته مباشرة:

«إيه الفلوس اللي كنت بتتكلم عنها؟»

ارتبك للحظة، لكنه حاول يبتسم.

«موضوع خاص بنهى، مش مستاهل تقلقي نفسك بيه.»

قلت له:

«طالما الموضوع يخص أختك وبيتنا، يبقى من حقي أفهم.»

رد بسرعة:

«أنا هشرح لك بعدين.»

وبعدين مشي ناحية أوضة الأطفال، كأنه عايز ينهي الكلام بأي طريقة.

لكن المرة دي، أنا مكنتش مستعدة أعدي الموضوع.

تاني يوم الصبح، صحيت بدري كعادتي.

دخلت المطبخ عشان أجهز الفطار، ولقيت روبي قاعدة على الكرسي، ماسكة كوباية اللبن بإيديها الاتنين.

كان باين عليها إنها منمتش كويس.

قربت منها وسألتها:

«صباح الخير يا حبيبتي. مالك؟ مش قادرة تنامي؟»

هزت راسها وقالت:

«أنا خايفة.»

قعدت جنبها.

«خايفة من إيه يا روبي؟»

بصت ناحية باب المطبخ، وبعدها همست:

«ماما قالت لي إني لازم أكون شاطرة وأساعد في البيت، عشان إنتِ مش هتقدري تعملي كل حاجة لوحدك.»

الكلام وجعني، لكن حاولت أحافظ على هدوئي.

قلت لها:

«إنتِ طفلة يا حبيبتي، ومش مطلوب منك تشيلي مسؤولية أكبر من سنك. إنتِ مهمتك تروحي المدرسة وتلعبي وتتعلمي، والكبار هما اللي لازم يرتبوا أمورهم.»

بصت لي بعينين مليانين قلق، وبعدها قالت:

«بس ماما قالت لي كمان إن خالو أحمد هيخليكي توافقي.»

اتجمدت.

سألتها بهدوء:

«قالت لك كده إمتى؟»

ردت:

«من كام يوم، لما كانت بتتكلم معاه في أوضتها. قالت له إنه وعدها إنه هيخليكي توافقي، وإن كل حاجة هتكون سهلة بعد ما تسافر.»

حسيت إن الصورة بتتكشف قدامي حتة حتة.

السابق1 من 5
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى