روايات وقصص

الجزء الاول

لن أنسى أبدًا اللحظة التي همست فيها ابنتي ذات الخمسة عشر عامًا:

— بطلت أحكي لبابا… لأنه عمره ما بيصدقني.

وبعد أقل من أربع وعشرين ساعة، كنت قد اتخذت قرارًا سريًا لم أخبر به زوجي. ذهبت إلى مدرسة ابنتي وأخذتها دون علمه، ثم انطلقت بها مباشرة إلى المستشفى.

وقبل أن ينتهي الأطباء حتى من فحصها، رأيت لون وجه أحدهم يتغير فجأة…

ساد صمت مرعب داخل الغرفة.

وفي تلك اللحظة، أدركت أن الكابوس الذي كنت أخشاه طوال الوقت لم يكن سوى البداية.

كنت أعتقد أن زوجي نجح بالفعل في إقناع الجميع بأن ابنتنا تبالغ في شكواها، لكنني كنت أخفي في داخلي قرارًا سيغير كل شيء…

وما حدث بعد ذلك حطم عائلتنا بالكامل.

—

كنت أعرف أن هناك شيئًا خطيرًا يحدث لابنتي ليان، قبل وقت طويل من أن يعترف أي شخص آخر في منزلنا بذلك.

في البداية، كانت العلامات تبدو بسيطة ويمكن تجاهلها.

كل يوم بعد عودتها من المدرسة، كانت تلقي حقيبتها بجوار باب المنزل، ثم تختفي داخل غرفتها دون أن تلمس الطعام.

هذه لم تكن الفتاة المشرقة والمليئة بالحيوية التي أعرفها.

كانت ليان في السابق تملأ بيتنا بالموسيقى، وتتنقل بحماس من تدريب للكرة الطائرة إلى آخر، وتحمل كاميرتها لتلتقط صور غروب الشمس، وتضحك مع صديقاتها لدرجة أن كل من حولها كان يبتسم تلقائيًا.

لكنني كنت أشاهد تلك الفتاة المليئة بالحياة تختفي تدريجيًا أمام عيني…

وكأنني أفقدها قطعة قطعة، رغم أنها كانت لا تزال واقفة أمامي.

بعد مرور أسبوعين، قلت لزوجي:

— لازم نودي ليان للدكتور.

رفع عينيه عن هاتفه بالكاد وقال:

— غالبًا مجرد التهاب في المعدة.

مر أسبوع آخر، ولم يتحسن شيء.

فعدت وفتحت الموضوع معه.

تنهد، ووضع فنجان القهوة على الطاولة، ثم نظر إليّ وكأنني أبالغ في كل شيء.

— يا هبة، هي عندها خمسة عشر سنة. المراهقين بيسهروا طول الليل، وبيأكلوا أكل غير صحي، ويفضلوا— يمكن عايزة تخس.

— أنا مش مصدقة إن ده السبب.

— إنتِ دايمًا بتتوقعي الأسوأ.

كان هذا أسلوبه دائمًا.

لم يكن يرفع صوته، ولم يكن يشتمني أو يوجه لي كلمات جارحة.

لكنه بطريقة غريبة كان قادرًا على جعل أي قلق أشعر به يبدو وكأنه مبالغة لا أساس لها.

حتى بدأت أشك في نفسي…

رغم أن قلبي كان يصرخ بداخلي بأن هناك شيئًا خطيرًا يحدث.

كان أكثر ما يخيف زوجي دائمًا هو المصاريف غير المتوقعة.

كان رجلًا مجتهدًا، يدفع الفواتير في موعدها، ويحسب كل جنيه ننفقه.

لكن مع مرور السنوات، أصبحت المحافظة على المال بالنسبة له أهم من الاستماع إلينا.

كل زيارة للطبيب كان يعتبرها أزمة مالية يجب أن يكون لها سبب مقنع جدًا.

وكان دائمًا يقول:

— لو كل ما حد اشتكى من حاجة رحنا بيه المستشفى، هنقضي عمرنا كله بندفع فواتير علاج.

كنت أرغب في الجدال معه.

لكنني بدلًا من ذلك بدأت أراقب ابنتي بعناية أكبر من أي وقت مضى.—

في إحدى الأمسيات، وجدتها جالسة وحدها في الشرفة الخلفية بعد غروب الشمس.

ورغم أن الجو كان دافئًا، كانت ترتدي سترة زوجي الواسعة، وتضم ركبتيها إلى صدرها بينما تحدق في الظلام.

بدت أصغر بكثير من عمرها الحقيقي.

جلست بجوارها وسألتها:

— حبيبتي، إنتِ كويسة؟

هزت كتفيها.

مددت يدي وأبعدت خصلة شعر عن وجهها.

— من فترة.

— طب ليه ما قولتيليش؟

رفعت عينيها نحوي.

كانت نظرتها مليئة بحزن مزق قلبي.

ثم قالت:

— أنا قلتلك.

خفضت عينيها إلى يديها وهمست:

— بس بطلت أقول حاجة… عشان بابا دايمًا بيقول إني بألف.

شعرت وكأن شيئًا تحطم داخلي.

قلت لها:

— إمتى خلاكي تحسي كده؟

قالت:

— كل مرة كنت بقول فيها إني تعبانة.

ثم نظرت إلى يديها مرة أخرى.

— كان دايمًا بيقول إني بدور على حجة عشان ما أعملش حاجة.

ضممتها إلى صدري بقوة.

— عمرك ما تخبي ألمك عني. فاهمة؟

ولأول مرة منذ أسابيع، بكت.

لم يكن بكاءً عاليًا.

كانت دموعًا صامتة تهز كتفيها بينما كنت أحتضنها بكل قوتي.

—

في صباح يوم الاثنين التالي، اتصلت بي ممرضة المدرسة الثانوية التي تدرس فيها ليان في مدينة الإسكندرية.

قالت:

— ليان جات عندي في المكتب مرتين النهارده.

شعرت بالقلق وسألتها:

— عندها — أكلت الغدا؟

— أكلت كام لقمة بس.سكتت الممرضة للحظات، ثم قالت:

— أنا مش دكتورة يا مدام هبة، ومش هقدر أشخص حالتها… لكن أنا فعلًا شايفة إن ليان لازم تتفحص عند طبيب في أسرع وقت ممكن.

شعرت بمعدتي تنقبض من الخوف.

بعد حوالي عشرين دقيقة، دخل زوجي المنزل.

حكيت له كل شيء.

استمع إليّ وهو يفك رابطة عنقه، ثم هز كتفيه وكأن الأمر لا يستحق القلق.

— ممرضات المدارس بيقولوا للأهالي يروحوا للدكتور على كل حاجة صغيرة.

قلت بغضب:

— هي ما كانتش بتتكلم باستهانة. قالت إن ليان لازم تتفحص.

ابتسم بسخرية وقال:

— يعني دلوقتي هناخد نصيحة طبية من واحدة شغلانتها تحط لزقة جروح؟

لم أصدق ما أسمعه.

قلت:

— بنتنا تعبانة بقالها تقريبًا شهر!

رد:

— هتبقى كويسة.

— إنت ما تعرفش.

— وإنتِ كمان ما تعرفيش.

شعرت بالغضب يحرق كل جزء بداخلي.

صرخت:

— طب لو فيه حاجة خطيرة؟

لم يجب.

وفي تلك اللحظة، أدركت شيئًا مرعبًا.

الشخص الذي كان يجب أن يساعدني في حماية ابنتنا لم يعد يرى معاناتها أصلًا.

ولأول مرة، شعرت أن الخطر الذي يجب أن أحميها منه لم يعد المرض وحده…

بل الرجل الذي رفض أن يصدق أنها تتألم.

—

في صباح اليوم التالي، كان زوجي يعتقد أن ليان تجلس في فصلها الدراسي كالمعتاد.

لكنه لم يكن يعرف أنني اتخذت قراري.

ذهبت إلى المدرسة سرًا.

أخذت ابنتي دون أن أخبره.

ثم قدت سيارتي بأقصى سرعة باتجاه المستشفى.

طوال الطريق، كانت ليان صامتة، بينما كنت أحاول السيطرة على خوفي.

كنت أكرر في داخلي:

“يا رب تكون حاجة بسيطة.”

لكن شيئًا بداخلي كان يخبرني أن الأمر أكبر بكثير مما تخيلنا.

وصلنا إلى المستشفى.

دخلت معها إلى غرفة الفحص.

بدأ الطبيب يسألها عن الألم، ومتى بدأ، وهل تفقد شهيتها، وهل تشعر بالدوار.

ثم بدأ يفحصها.

كنت واقفة بجوار السرير، أمسك يدها.

وفجأة…

توقف الطبيب عن الكلام.

تغيرت ملامح وجهه تمامًا.

السابق1 من 8
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى