روايات وقصص

القصة كاملة للنهاية بقلم محمد عبده

الجزء الثاني بقيت أحدق في الشاشة لعدة ثوانٍ، غير قادر على استيعاب ما أراه. اسم المستفيد في وثيقة التأمين كان: داليا نوال عبد الرحمن. أختي. شعرت ببرودة تسري في جسدي. عدت إلى الملف وبدأت أراجع التفاصيل واحدة تلو الأخرى. كانت هناك وثيقة تأمين ضخمة باسم سلمى، وقد تم تعديلها قبل أشهر قليلة فقط.

 

وفي حال وفاتها، سيذهب جزء كبير من المبلغ إلى داليا.

لكن ذلك لم يكن كل شيء.

كان هناك مستند آخر يتعلق بالمنزل.

اكتشفت أن أمي لم تكن تكتفي بإدارة أموالي.

لقد كانت قد نقلت ملكية جزء من العقارات التي اشتريتها بأموالي إلى اسمها، بحجة أنها “أمينة على ممتلكات العائلة”.

شعرت بالغضب، لكنني أجبرت نفسي على الهدوء.

كان عليّ أن أعرف الحقيقة كاملة قبل أن أتحرك.

أخذت صورًا للملفات بهاتفي، ثم أغلقت الحاسوب كما كان.

وقبل أن أغادر المكتب، لاحظت ملفًا صغيرًا يحمل اسمًا واحدًا:

سامح عبد الجليل.

فتحت الملف.

كان يحتوي على رقم هاتف وعنوان عيادة خاصة في القاهرة.

وتحت الاسم وجدت ملاحظة قصيرة:

“هو يعرف كل شيء عن الجرعات.”

لم أنم تلك الليلة.

جلست بجوار سلمى في الغرفة الصغيرة، أراقب وجهها الشاحب وهي نائمة.

كنت أشعر بالذنب.

أربع سنوات كاملة وأنا أرسل المال وأنا أظن أنها تعيش بأمان.

كنت أعتقد أن أمي تحميها.

بينما كانت الحقيقة مختلفة تمامًا.

في الصباح، تظاهرت بأنني لم أكتشف شيئًا.

دخلت المطبخ ووجدت أمي تتناول الإفطار.

ابتسمت لي.

— نمت كويس يا ابني؟

ابتسمت بدوري.

— جدًا.

قالت:

— بما إنك هتاخد التعويض الكبير، لازم نفكر بعقل. البيت محتاج تجديد، وداليا نفسها محتاجة عربية أفضل.

نظرت إليها بهدوء.

— طبعًا.

ثم سألتها:

— بالمناسبة، سلمى بقالها قد إيه مريضة؟

توقفت يدها للحظة.

ثم أجابت:

— حوالي خمسة أشهر.

— والغريب إنك ما قلتيليش.

تنهدت.

— كنت مش عايزة أشغلك وأنت بره.

ابتسمت.

— تصرف حكيم.

لكن داخلي كان يغلي.

بعد ساعة، خرجت بحجة شراء بعض الأشياء.

لم أذهب إلى أي متجر.

ذهبت إلى العنوان الموجود في ملف سامح.

كانت العيادة في مبنى قديم بوسط القاهرة.

دخلت وانتظرت حتى خرج الطبيب من إحدى الغرف.

كان رجلًا في أواخر الخمسينيات.

قلت له:

— دكتور سامح؟

نظر إليّ بتوتر.

— أيوه.

أخرجت هاتفي وفتحت صورة من الملف.

تغير وجهه فورًا.

قلت:

— أنا زوج سلمى.

ظل صامتًا.

ثم قال:

— لازم نتكلم في مكان خاص.

دخلنا مكتبه وأغلق الباب.

جلست أمامه.

— إيه اللي حصل لمراتي؟

مرر يده على وجهه.

— أنا عملت غلطة كبيرة.

قلت بغضب:

— غلطة؟

خفض عينيه.

— والدتك وأختك جابوا لي ملف تحاليل مزور، وقالوا إن زوجتك مصابة بمرض خطير وإن العلاج اللي كنت بكتبه لها مجرد أدوية مساعدة.

شعرت بقلبي يهبط.

— لكن الكبسولات؟

— لم تكن فيتامينات.

ساد الصمت.

قلت:

— كانت بتاخد إيه؟

نظر إليّ طويلًا قبل أن يجيب:

— أدوية يمكن أن تسبب أعراضًا شديدة إذا استُخدمت دون إشراف. تساقط الشعر، فقدان الشهية، القيء، الضعف… ومع استمرار استخدامها، قد تؤدي إلى أضرار خطيرة.

قبضت يدي.

— يعني أنتم كنتم تسممونها؟

هز رأسه بسرعة.

— أنا لم أكن أعرف الحقيقة في البداية. وعندما بدأت أشك، حاولت التوقف، لكنهم هددوني.

— هددوك بإيه؟

سكت قليلًا.

ثم قال:

— كانوا يملكون مستندات تثبت أنني كتبت وصفات مخالفة للقانون لمرضى آخرين. قالوا إنهم سيدمرون حياتي إن تكلمت.

أخرجت هاتفي.

— وأنا لو قدمت المستندات اللي عندي للشرطة؟

نظر إليّ.

— ستحتاج إلى أكثر من ذلك.

— إيه؟

قال:

— تحتاج إلى إثبات أن ما حدث لسلمى كان متعمدًا.

ثم أضاف:

— ويمكنني مساعدتك.

أخرج ملفًا من درج مكتبه.

ووضعه أمامي.

— احتفظت بنسخ من بعض التحاليل الحقيقية.

فتح الملف.

كانت النتائج واضحة.

سلمى لم تكن مصابة بالمرض الذي ادعوه.

قلت:

— ليه احتفظت بيها؟

أجاب:

— لأنني خفت أن يحدث لها شيء.

ثم قال شيئًا جعلني أشعر بقشعريرة:

— لكن هناك شخصًا آخر يجب أن تبحث عنه.

— مين؟

— محامي عائلتكم.

رفعت رأسي.

— لماذا؟

قال:

— لأنه هو الذي أحضر لي وثيقة التأمين أول مرة.

عدت إلى المنزل قبل الظهر.

كنت أريد أن أواجه أمي فورًا.

لكنني تراجعت.

إذا كان المحامي متورطًا أيضًا، فلا بد أن هناك شبكة أكبر مما توقعت.

دخلت غرفة المكتب مرة أخرى، لكن هذه المرة بحثت عن ملفات والدي القديمة.

بعد دقائق، وجدت صندوقًا معدنيًا مخفيًا خلف خزانة.

كان عليه اسم أبي.

فتحت الصندوق.

وجدت عقودًا قديمة، وأوراقًا بنكية، وصورًا عائلية.

وفي أسفل الصندوق كان هناك ظرف بني قديم.

فتحته.

وفي داخله رسالة كتبها والدي قبل وفاته.

قرأت أول سطر فقط…

فتوقفت أنفاسي.

كان يقول:

“إذا حدث لي شيء، فلا تثق بنوال ولا بالمحامي.”

تجمدت.

أعدت قراءة الجملة.

ثم قلبت الورقة.

وفي ظهرها كان هناك اسم آخر.

اسم شخص لم أسمعه منذ سنوات.

خالد منصور.

وتحت الاسم رقم هاتف.

لكن الشيء الأكثر رعبًا لم يكن الاسم.

بل التاريخ الموجود أسفل الرسالة.

كانت الرسالة مكتوبة قبل وفاة والدي بثلاثة أشهر فقط.

وفي تلك اللحظة أدركت أن قصة سلمى لم تبدأ منذ خمسة أشهر.

ربما كانت مؤامرة العائلة أقدم بكثير.

وربما…

كانت وفاة والدي نفسها جزءًا من السر الذي حاول الجميع دفنه.

لكنني لم أكن أعرف أن الاتصال بخالد سيكشف لي الحقيقة التي ستقلب حياتي كلها.
الجزء الثالث

وضعت الرسالة في جيبي، وخرجت من غرفة المكتب قبل أن تلاحظ أمي وجودي.

كنت بحاجة إلى مكان أستطيع فيه التفكير بعيدًا عن الجميع.

اتصلت بالرقم الموجود أسفل اسم خالد منصور.

رن الهاتف مرتين فقط.

ثم جاء صوت رجل مسن:

— ألو؟

قلت:

— أستاذ خالد؟

ساد صمت طويل.

— مين؟

— أنا عمر… ابن محمود عبد الرحمن.

لم يجب.

ثم سمعت أنفاسه تتغير.

— أنت رجعت؟

تجمدت.

— أنت عارف إني رجعت؟

قال:

— كنت مستني اليوم ده من زمان.

شعرت بقشعريرة.

— مستني إيه بالضبط؟

قال بصوت منخفض:

— مستني اليوم اللي تكتشف فيه إن أبوك ما ماتش بالطريقة اللي قالوهالك.

جلست على أقرب كرسي.

— ماذا تقصد؟

— مش على الهاتف. تعال لي.

أعطاني عنوانًا في منطقة هادئة بالقاهرة.

قبل أن أغلق المكالمة سألته:

— وهل تعرف شيئًا عن زوجتي؟

تردد.

ثم قال:

— أعرف أكثر مما تتخيل.

ذهبت إليه في نفس اليوم.

كان يعيش في شقة متواضعة مليئة بالكتب والملفات القديمة.

بمجرد أن رآني، ظل ينظر إلى وجهي للحظات.

ثم قال:

— أنت شبه أبوك جدًا.

جلست أمامه.

— احكي.

أخرج ملفًا قديمًا.

— والدك كان شريكًا في مشروع عقاري كبير مع والدتك وبعض الأشخاص الآخرين.

فتحت الملف.

كانت هناك عقود بمبالغ ضخمة.

قال خالد:

— والدك اكتشف أن جزءًا من أموال المشروع كان يتم تحويله إلى شركات وهمية.

سألته:

— مين كان بيحول الفلوس؟

نظر إليّ مباشرة.

— والدتك.

شعرت بأنني فقدت القدرة على الكلام.

تابع:

— أبوك واجهها. وبعدها قرر إنه يرفع قضية ويكشف كل شيء.

— وما حصل؟

— قبل ما يعمل أي حاجة… مات.

قلت بغضب:

— حادث العربية؟

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى