
هز رأسه.
— التقرير الرسمي قال حادث. لكن والدك كان قد أخبرني قبلها بأيام أنه يشعر أن حياته في خطر.
أخرج خالد نسخة من تقرير قديم.
— هذه نسخة احتفظت بها لأنني لم أثق في المحامي.
قلبت الأوراق.
كانت هناك تفاصيل لم أرها من قبل.
أحد شهود الحادث غيّر أقواله بعد أيام.
وهناك تسجيل لم يتم إرفاقه بالملف الرسمي.
قلت:
— أين التسجيل؟
قال:
— عندي.
أخرج هاتفًا قديمًا.
ضغط على زر التشغيل.
سمعت صوت أبي.
كان صوته متوترًا:
— لو حصل لي حاجة، خلي عمر يعرف إن الأموال اللي باسمه مش كلها أموال عائلية. فيه حسابات مخفية… ونوال تعرف عنها.
ثم توقف التسجيل.
نظرت إلى خالد.
— لماذا لم تخبرني طوال هذه السنوات؟
أجاب بحزن:
— لأنني كنت جبانًا.
ثم أضاف:
— ولأنني كنت أعتقد أنني لو تكلمت، ستصبح أنت الهدف التالي.
شعرت بأن الأمر أصبح أكبر من مجرد سرقة أموال.
سألته:
— وماذا عن سلمى؟
فتح ملفًا آخر.
— قبل وفاة والدك بفترة قصيرة، كانت هناك وثيقة تأمين كبيرة مرتبطة بأحد الأصول.
قلت:
— لكن لماذا يريدون قتل سلمى؟
نظر إليّ بجدية.
— لأن سلمى تعرف شيئًا.
— ماذا تعرف؟
— كانت تعمل في الشركة التي كانت تدير حسابات والدك قبل زواجكما.
اتسعت عيناي.
— مستحيل.
قال:
— قبل زواجها منك، اكتشفت تحويلات مالية غير قانونية. لكنها لم تكن تعرف أن والدتك متورطة.
سألته:
— إذن أمي عرفت أنها تعرف؟
— نعم.
بدأت الصورة تكتمل.
لم تكن سلمى مجرد زوجة يريدون التخلص منها.
كانت تحمل معلومة يمكن أن تكشف الماضي كله.
عدت إلى المنزل في المساء.
وجدت أمي جالسة في الصالة.
ابتسمت لي.
— اتأخرت ليه؟
— كنت بخلص شوية مشاوير.
اقتربت مني.
— فكرت في موضوع التعويض؟
ابتسمت.
— طبعًا.
قالت:
— أنا شايفة إننا لازم نتصرف بسرعة. ممكن نحط الفلوس في مشروع باسم العيلة.
قلت:
— فكرة ممتازة.
كانت تنظر إليّ بثقة.
لم تكن تعرف أنني سجلت كلامها.
في تلك اللحظة خرجت داليا من غرفتها.
قالت:
— ماما، الدكتور سامح اتصل.
توقفت أمي فجأة.
— وقال إيه؟
— قال إن الجرعة الأخيرة ما نفعتش.
تجمدت في مكاني.
كانت داليا تتحدث دون أن تعرف أنني أسمع.
قالت:
— بيقول إن سلمى بدأت تتحسن بدل ما تسوء.
ردت أمي بعصبية:
— إذن لازم نغير الخطة.
شعرت بأن الدم يغلي في عروقي.
لكنني لم أتحرك.
بعد دقائق، دخلت غرفتي وأغلقت الباب.
وجدت سلمى جالسة على السرير.
كانت مستيقظة.
قالت:
— عمر؟
— نعم؟
— أنا سمعتهم بيتكلموا.
اقتربت منها.
— سمعتِ إيه؟
قالت:
— كانوا بيقولوا إن لو العلاج فشل… هيعملوا حادث.
سألتها:
— حادث لمين؟
رفعت عينيها إليّ.
— ليّ.
في تلك اللحظة أدركت أن الوقت انتهى.
لم يعد بإمكاني الاكتفاء بجمع الأدلة.
كان علينا إخراج سلمى من المنزل فورًا.
لكن قبل أن أفعل، وصلني إشعار على هاتفي.
رسالة من رقم مجهول.
فتحتها.
كانت صورة لسيارة والدي القديمة.
وتحتها جملة واحدة:
“أنت تبحث في المكان الخطأ يا عمر.”
ثم وصلت رسالة ثانية.
كانت تحتوي على صورة أحدث.
صورة لي وأنا أدخل عيادة خالد.
وتحت الصورة كتب المرسل:
“نحن نراقبك منذ عودتك.”
رفعت عيني نحو النافذة.
كان هناك رجل يقف بجوار سيارة سوداء في الشارع.
ينظر مباشرة إلى منزلنا.
ثم رن هاتفي.
كان خالد.
أجبت بسرعة.
لكن صوته جاء مرتجفًا:
— عمر… لازم تسمعني كويس.
— ماذا حدث؟
قال:
— الملف اللي عندي اختفى.
صمت للحظة.
ثم قال:
— والشخص اللي أخذه كان يعرف مكانه بالضبط.
قبل أن أسأله أي شيء، انقطع الاتصال.
وفي اللحظة نفسها…
سمعت صوت ارتطام قوي خارج المنزل.
ثم صرخة أمي.
وعندما فتحت باب الغرفة، رأيت داليا تركض نحوي وهي تصرخ:
— سلمى اختفت!
الجزء الرابع
تجمدت في مكاني.
— اختفت إزاي؟
كانت داليا ترتجف وهي تشير نحو الغرفة.
— مش موجودة!
اندفعت إلى غرفة الخدمة.
كان السرير فارغًا.
النافذة مفتوحة.
والوشاح الذي كانت سلمى ترتديه صباحًا ملقى على الأرض.
لكنني لاحظت شيئًا جعلني أتوقف.
لم تكن هناك آثار مقاومة.
ولا أثاث مقلوب.
ولا زجاج مكسور.
رفعت الوشاح.
كانت رائحته ما تزال تحمل عطر سلمى.
ثم رأيت ورقة صغيرة تحت السرير.
التقطتها.
كان عليها سطر واحد بخط يد سلمى:
“لا تثق في الشخص الذي سيخبرك أنه أنقذني.”
رفعت رأسي ببطء.
في تلك اللحظة دخلت أمي.
قالت:
— يا ابني، لازم نبلغ الشرطة!
نظرت إليها.
كانت خائفة.
لكن شيئًا في عينيها لم يكن طبيعيًا.
قلت:
— أكيد.
ثم أخرجت هاتفي.
فجأة تغير وجهها.
— استنى.
توقفت.
— ليه؟
— يمكن تكون خرجت لوحدها.
— وهي بالحالة دي تقدر تخرج لوحدها؟
لم تجب.
كانت داليا تراقبني بصمت.
ثم قالت:
— عمر، أنت لازم تهدى.
نظرت إليها.
— أنا هادي جدًا.
كنت أعرف أن اختفاء سلمى لم يكن عشوائيًا.
وأعرف أن الشخص الذي أخذها كان يعرف أنها أصبحت قادرة على الكلام.
خرجت من المنزل دون أن أخبرهما إلى أين أذهب.
اتصلت بخالد مرة أخرى.
لم يرد.
حاولت الاتصال بالطبيب سامح.
أيضًا لم يرد.
عندها أدركت أنني لا أستطيع الوثوق بأي شخص.
عدت إلى التسجيلات التي أخذتها من مكتب داليا.
وبحثت عن أي شيء يمكن أن يدلني على مكان سلمى.
بعد دقائق، وجدت شيئًا.
في أحد الملفات كان هناك إيصال دفع لشركة نقل خاصة.
التاريخ كان نفس يوم اختفاء سلمى.
لكن اسم العميل لم يكن داليا ولا أمي.
كان اسمًا مختلفًا:
مريم الشاذلي.
بحثت عن الاسم داخل الملفات.
فوجدت عنوانًا.
كان مستودعًا قديمًا خارج القاهرة.
ذهبت إليه وحدي.
كان المكان شبه مهجور.
مبنى كبير تحيط به أسوار عالية.
توقفت سيارتي بعيدًا، ومشيت حتى وصلت إلى باب جانبي.
سمعت صوتًا من الداخل.
صوت امرأة.
كان مألوفًا.
اقتربت أكثر.
ثم سمعتها تقول:
— هو وصل.
توقفت.
كان صوت سلمى.
فتحت الباب بسرعة.
وجدتها جالسة على كرسي، وبجانبها امرأة في الأربعينيات.
كانت سلمى متعبة لكنها واعية.
اندفعت نحوها.
— سلمى!
وقفت بصعوبة.
احتضنتني.
لكن قبل أن أسألها شيئًا، قالت المرأة:
— عندنا دقائق قليلة فقط.
نظرت إليها.
— أنتِ مين؟
قالت:
— اسمي مريم.
تذكرت الاسم الموجود في الإيصال.
— أنتِ مريم الشاذلي؟
أومأت.
— نعم.
ثم نظرت إلى سلمى.
— وأنا السبب في إنها لسه عايشة.
شعرت بالارتباك.
— إزاي؟
قالت مريم:
— أنا كنت أعمل مع والدك منذ سنوات.
ثم أخرجت ظرفًا أسود.
— والدك ترك لي هذا قبل وفاته.
فتحته.
وجدت بداخله مجموعة صور ونسخًا من تحويلات مالية.
ثم رأيت شيئًا جعلني أشعر بالصدمة.
كانت هناك صورة لأمي مع رجل لم أعرفه.
وفي الخلفية كان أبي يقف بعيدًا.
قالت مريم:
— والدك اكتشف أنهم كانوا يسرقون أموال الشركة، لكنه لم يكن يعرف أنهم سيحاولون التخلص منه.
سألت:
— وماذا عن سلمى؟
قالت:
— بعد وفاة والدك، بحثوا عن الشخص الذي يمكنه كشف الحسابات القديمة.
نظرت إلى سلمى.
— وكان هذا الشخص زوجتك.




