روايات وقصص

الجزء الثاني والاخير

الجزء الثاني: أربع سيارات سوداء توقفت أمام الكوخ… والسر اللي قلب كل حاجة! فضلت طول الليل أفكر في الرسالة اللي ظهرت على موبايل إبراهيم. اتنين مليار وأربعمية مليون دولار! رقم أكبر من كل الثروات اللي سمعت عنها في حياتي، ومع ذلك كان صاحبه عايش في كوخ خشبي بسيط، وبيتصرف كأنه إنسان عادي جدًا.

 

حاولت أقنع نفسي إن فيه تفسير منطقي لكل ده، وإن يمكن الرسالة تخص شخص تاني، أو إن الموضوع كله مجرد سوء فهم.

لكن نظرة إبراهيم لما سألته عن هويته كانت كفيلة إنها تخليني أشك إن ورا الراجل ده حكاية محدش يعرفها.

مع أول ضوء للنهار، صحيت على صوت ماكينة عربية جاية من بعيد.

قمت من سريري، وفتحت الستارة بحذر، وبصيت من الشباك.

وفجأة، اتسمرت مكاني!

أربع سيارات دفع رباعي سوداء كانت بتدخل الطريق المؤدي للكوخ.

العربيات كانت فخمة ولامعة، وبتتحرك ببطء وسط الطريق الضيق، كأن أصحابها عارفين بالضبط المكان اللي رايحين له.

وقفت السيارات قدام الباب مباشرة.

نزل منها رجال لابسين بدل رسمية، وكان واضح من طريقة تحركهم إنهم مش جايين زيارة عادية.

واحد منهم فتح باب العربية الأولى، ونزل منها رجل في أواخر الخمسينات، شعره أبيض، وملامحه جادة.

كان ماسك حقيبة جلدية سوداء، وبيمسح بعينيه المكان لحد ما وقعت نظرته على باب الكوخ.

في اللحظة دي، خرج إبراهيم من أوضته، وكان لابس قميصًا بسيطًا وبنطلونًا قديمًا.

بص من الشباك، وبعدها قال بهدوء غريب:

«وصلوا بدري النهارده.»

لفيت ناحيته بسرعة.

«إنت كنت عارف إنهم جايين؟»

ما ردش على سؤالي.

بدلًا من كده، راح ناحية الباب وفتحه بنفسه.

الرجل صاحب الشعر الأبيض تقدم خطوة، وبمجرد ما شاف إبراهيم، وقف مكانه للحظة، وبعدها عدّل وقفته وقال باحترام شديد:

«صباح الخير يا فندم.»

أنا كنت واقفة ورا إبراهيم، براقب كل حركة.

الرجل اللي نزل من أفخم عربية في المكان كان بيتكلم مع زوجي، اللي عيلتي كانت بتسخر منه من ساعات قليلة، وكأنه بيتعامل مع شخصية بالغة الأهمية.

إبراهيم رد عليه ببساطة:

«صباح الخير يا أستاذ عادل. اتفضلوا.»

دخل الرجل، وتبعه اثنان من مساعديه، بينما فضل الباقون بره.

حط الحقيبة الجلدية على الطاولة، وبعدها فتحها وطلع منها ملف كبير مليان أوراق.

قال بصوت رسمي:

«كل الإجراءات اكتملت. مجلس الإدارة وافق على الخطوة الأخيرة، والمبلغ اللي حضرتك طلبت تأكيده بقى جاهز للتنفيذ.»

كنت واقفة مكاني، مش فاهمة حاجة.

إبراهيم أشار له إنه يكمل.

فتح عادل إحدى الأوراق وقال:

«إجمالي قيمة الأصول والاستثمارات اللي تحت إدارة المجموعة وصل إلى ما يعادل مليارين وأربعمائة مليون دولار، بعد إتمام الصفقة الأخيرة.»

حسيت إن رجلي مش شايلاني.

إذن الرسالة كانت حقيقية!

لكن قبل ما أقدر أستوعب الكلام، عادل بص ناحيتي، وكأنه لاحظ وجودي لأول مرة.

سأل إبراهيم:

«هل تسمح لي أعرف مين الآنسة؟»

إبراهيم رد من غير تردد:

«دي تيسا، زوجتي.»

اتغيرت ملامح عادل للحظة.

بص لي باهتمام، وبعدها رجع نظره لإبراهيم وقال:

«زوجتك؟»

ابتسم إبراهيم ابتسامة خفيفة.

«أيوه. اتجوزنا امبارح.»

عادل سكت شوية، وبعدها قال:

«ألف مبروك يا فندم. بس أعتقد إن مدام تيسا من حقها تعرف جزءًا من الحقيقة، خصوصًا بعد اللي حصل امبارح.»

بصيت لإبراهيم، مستنية منه تفسيرًا.

لكنه سحب كرسيًا وأشار لي أقعد.

«تعالي يا تيسا. أعتقد إن الوقت جه علشان تعرفي أنا مين.»

قعدت وأنا حاسة إن قلبي بيدق بسرعة.

إبراهيم شبك إيديه فوق الطاولة، وبدأ يتكلم.

«من حوالي عشرين سنة، كنت شغال في شركة صغيرة متخصصة في توريد الأخشاب. كنت بشتغل بإيدي، وبحوش كل قرش أقدر أوفره. ما كانش عندي عيلة غنية، ولا حد بيفتح لي الأبواب.»

وقف لحظة، وبعدها كمل:

«لكن كان عندي حلم إني أبني شركة خاصة بيا. بدأت بمخزن صغير، وبعدها اشتريت معدات، ودخلت في شراكات، وفضلت أوسع شغلي سنة ورا التانية.»

كنت بسمعه باهتمام، وكل كلمة كانت بتكشف لي جانبًا مختلفًا عن الشخص اللي اتجوزته.

قال:

«بعد سنين، الشركة الصغيرة بقت مجموعة استثمارية كبيرة. دخلنا في العقارات، والصناعة، والنقل، والتكنولوجيا. ومع الوقت، بقيت أمتلك حصصًا في شركات كتير، بعضها بيشتغل داخل مصر، وبعضها بره.»

عادل فتح ملفًا آخر، وطلع منه مستندات عليها أسماء شركات وشعارات معروفة.

إبراهيم كمل:

«أنا ما كنتش بحب الظهور في الإعلام، ولا كنت محتاج أعيش في قصور علشان أثبت لنفسي أو لغيري إني نجحت. فضلت محتفظ بحياتي البسيطة، لأن دي الحياة اللي أنا مرتاح فيها.»

بصيت له بعدم تصديق.

«يعني إنت مش عامل أخشاب عادي؟»

ابتسم وقال:

«أنا بدأت عاملًا في مجال الأخشاب فعلًا. لكن دلوقتي عندي مجموعة شركات بتشتغل في مجالات مختلفة. وبالنسبة للكوخ ده، فهو ملكي، وأنا اللي اخترت أعيش فيه.»

سكتُّ للحظات، وبعدها سألت السؤال اللي كان شاغلني:

«طيب، ليه ما قلتليش الحقيقة من البداية؟»

اختفت ابتسامته، وبص لي بجدية.

«لأن الناس لما بتعرف حجم ثروتك، أحيانًا بتنسى تشوفك إنت. بتبدأ تشوف الفلوس، والمصالح، والفرص اللي ممكن تحصل عليها من وراك.»

أخذ نفسًا عميقًا، ثم أضاف:

«أنا كنت عايز أعرف إذا كان ممكن أعيش حياة طبيعية، وأتعامل مع شخص من غير ما تكون ثروتي هي أول حاجة تشغل باله.»

نزلت عيني للأرض.

افتكرت سخرية نادية وسالي، وإزاي كانوا بيتكلموا عنه كأنه أقل من كل الموجودين.

وفجأة، فهمت إنهم حكموا عليه من هدومه، ومن بيته، ومن شغله القديم، من غير ما يعرفوا عنه أي حاجة حقيقية.

لكن لسه كان عندي سؤال أهم من كل ده.

«إبراهيم، إنت عرفتني إزاي؟ وإزاي وافقت تتجوزني من غير ما نكون نعرف بعض كويس؟»

اتبادل إبراهيم وعادل نظرة سريعة.

وبعدين إبراهيم قال:

«أنا ما كنتش أعرفك شخصيًا قبل امبارح. لكن قبل الجواز بأيام، وصلني طلب من شخص أعرفه، بيطلب مني أوافق على الجواز ده.»

عقدت حاجبي.

«مين الشخص ده؟»

بص لي مباشرة.

«أبوك.»

حسيت إن حد سحب الأرض من تحتي.

«أبويا؟! »

هز رأسه.

«أيوه. هو اللي تواصل مع أحد معارفي، وقال إن عنده بنت محتاجة تتجوز وتبدأ حياة جديدة بعيد عن المشاكل العائلية.»

حسيت بالغضب بيزيد جوايا.

«يعني أبويا هو اللي اختارك علشان أتجوزك؟»

رد إبراهيم بهدوء:

«أبوك كان طرفًا في الموضوع، لكن الصورة مش كاملة. زوجة أبوك هي اللي أصرت على إن الجواز يتم بالشكل اللي شفتيه امبارح، وكانت مصممة إنك تروحي لراجل تفتكره فقيرًا علشان تذلك.»

سكت لحظة، ثم أضاف:

«لكن فيه حاجة تانية ما تعرفيهاش يا تيسا. أبوك ما كانش صامتًا امبارح لأنه موافق على كل اللي حصل. كان خايف.»

ضحكت بمرارة.

«خايف؟ من إيه؟ ده حتى ما قدرش يبص في وشي! »

إبراهيم ما حاولش يدافع عنه.

قال فقط:

«مش هطلب منك تسامحيه، ولا هقول لك إن تصرفه كان صح. لكن فيه أمور لازم تعرفيها قبل ما تحكمي على كل اللي حصل.»

وقبل ما أقدر أطلب منه يوضح أكتر، رن موبايله.

بص على الشاشة، ولما شاف اسم المتصل، تغيرت ملامحه.

رد على المكالمة وقال:

«أيوه يا أستاذ محمود.»

سمعت صوت رجل بيتكلم بسرعة من الناحية التانية، لكن ما قدرتش أميز كلامه.

إبراهيم ظل ساكتًا وهو بيسمع، وبعد ثوانٍ قال بنبرة حاسمة:

«محدش يدخل أي مستند جديد في الصفقة قبل ما أراجعه بنفسي. وأي محاولة لنقل ملكية من غير توقيعي تتوقف فورًا.»

أنهى المكالمة، وبص لعادل.

عادل فهم على ما يبدو إن فيه مشكلة، فأخرج ورقة من الملف وقال:

«فيه تطور جديد بخصوص شركة منصور للتطوير العقاري.»

لما سمعت اسم عيلتي، رفعت راسى بسرعة.

«شركة أبويا؟»

عادل أومأ.

السابق1 من 5
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى