منوعات

الجزء الثاني والاخير

### الجزء الثاني: الوردة الصفراء كشفت سرًّا كانت العروسة بتحاول تخبيه من سنين!

نهى فضلت واقفة مكانها، عينيها متسمّرة على المريلات البيضا، والورود الصفراء الصغيرة اللي عليها.

حاولت تستعيد هدوءها، ورفعت صوتها وهي بتقول:

— إيه اللي بيحصل هنا؟! مين سمح لكم تسيبوا المطبخ وتيجوا تقفوا بالشكل ده؟! إنتوا فاكرين نفسكم فين؟!

الحاجة زينب، اللي كانت واقفة في مقدمة الستات، بصتلها بهدوء وقالت:

— إحنا عارفين كويس إحنا فين يا عروسة. لكن واضح إنك إنتِ اللي مش عارفة إنتِ عملتي إيه.

نهى ضحكت بسخرية، وحاولت تبان إنها مش مهتمة.

— أنا مش فاهمة إنتِ بتتكلمي عن إيه! ارجعوا شغلكم بدل ما أخلّي صاحب القاعة يطردكم كلكم!

لكن زينب ما اتحركتش من مكانها.

رفعت إيديها ولمست الوردة الصفراء المطرزة على مريلتها، وقالت:

— قبل ما تطلبي من حد يمشي، بصّي كويس على العلامة دي. واسألي نفسك مين اللي علّمك إن الوردة دي مجرد رسمة قديمة.

في اللحظة دي، الحاجة سعاد خرجت من القاعة، وكانت ملامحها متوترة بشكل واضح.

أول ما شافت الستات واقفين حواليا، صرخت في زينب:

— إنتِ إزاي تسيبي المطبخ في يوم مهم زي ده؟! مين سمح لك بالكلام ده؟!

زينب بصتلها وقالت:

— إحنا مشينا لما لقينا إن كرامة الست اللي علّمتنا الشغلانة دي بقت أرخص من طبق بواقي أكل.

الكلام نزل على سعاد زي الصاعقة.

بصتلي بسرعة، وبعدها بصت لنهى، وقالت بصوت واطي:

— إنتِ عملتِ إيه بالظبط؟

نهى ردت بعصبية:

— ولا حاجة! دي أم أحمد، وأنا بس حطيت قدامها الأكل اللي يناسبها. هي أصلًا ما دفعتش جنيه في الفرح!

كنت قاعدة على كرسي موقف الأتوبيس، بسمع الكلام من غير ما أتدخل.

أحمد قرب مني، ونزل لمستوايا، وقال بصوت مرتعش:

— أمي، أرجوكي قومي معايا. الناس كلها جوه بتسأل عنك، والموضوع كبر أكتر مما تتخيلي.

بصيت له وقلت:

— الناس اللي جوه ما سألوش عني لما كنت قاعدة لوحدي قدام طبق البواقي. إيه اللي خلّاهم يفتكروا إني أمك دلوقتي؟

نزل عينيه في الأرض.

لأول مرة من ساعة ما خرجت من القاعة، ما عرفش يرد.

كنت شايفة الخوف في عينيه، لكن ما كنتش عارفة هو خايف عليّا، ولا خايف على الفرح اللي تعبوا في تجهيزه.

الحاجة زينب قربت مني، ومسكت إيدي بحنان.

— قومي يا فاطمة، إحنا مش هنسيبك هنا لوحدك.

بصتلها وابتسمت ابتسامة صغيرة.

— أنا مش لوحدي يا زينب. طول عمري كنت بعرف أقف على رجلي، ومش هتكون النهارده هي المرة اللي أحتاج فيها حد يشيلني.

وبعدها بصيت لأحمد وقلت:

— أنا مش هرجع القاعة عشان أحرجك، ولا عشان أفسد فرحتك. أنا خرجت لأنك سمحت لمراتك تهين أمك، واعتبرت إن ضحك الناس أهم من كرامتي.

وشه احمر، وحاول يقاطعني.

لكنني كملت:

— أنا مش زعلانة عشان طبق الأكل. أنا زعلانة عشان كنت فاكرة إنك مهما كبرت، هتفضل فاكر مين اللي وقف جنبك لما الدنيا كلها كانت مقفولة في وشنا.

أحمد غطى وشه بإيديه.

أما نهى، فكانت واقفة بعيد شوية، وبتبص للحاجة زينب وباقي الستات بقلق متزايد.

وفجأة، سألت بصوت متردد:

— هو إنتوا تعرفوا فاطمة منين؟ وإيه حكاية الوردة الصفراء دي؟

الحاجة زينب بصتلها طويلًا، وبعدها قالت:

— إنتِ بتشتغلي في تنظيم الأفراح، صح؟

نهى ردت بسرعة:

— أيوه، وأنا شريكة في شركة كبيرة، والحاجة سعاد عارفة شغلي كويس.

زينب هزت راسها وقالت:

— يبقى المفروض تكوني عارفة إن فيه ناس بتقضي عمرها كله وهي بتبني حاجة، وناس تانية بتفتكر إن الفلوس واللبس الغالي هما اللي بيحددوا قيمة الإنسان.

وبعدين أشارت ناحية المريلات.

— الوردة دي مش مجرد تطريز يا نهى. دي علامة عمرها أكتر من ثلاثين سنة، وكل واحدة مننا لبستها بفخر. والست اللي واقفة قدامك دي هي السبب إننا لحد النهارده واقفين على رجلينا.

نهى عقدت حواجبها وقالت:

— يعني إيه؟ هي كانت رئيسة مطبخ عندكم؟

زينب ابتسمت بحزن.

— رئيسة مطبخ؟ لأ يا بنتي، الحكاية أكبر من كده بكتير.

في اللحظة دي، خرج من القاعة راجل كبير في السن، لابس بدلة رمادي، ومعاه ملف جلدي أسود.

كان اسمه الأستاذ محمود، محاسب قانوني معروف، ومن الناس اللي اشتغلت معايا سنين طويلة.

أول ما شافني، وقف قدامي باحترام، وقال:

— أستاذة فاطمة، أنا آسف جدًا إن حضرتك اضطرّيتي تمشي بالشكل ده.

نهى بصتله بدهشة.

— أستاذة فاطمة؟! حضرتك تعرفها؟

محمود ما ردش عليها فورًا.

فتح الملف اللي في إيده، وطلع منه ورقة قديمة، لونها مائل للاصفرار، وعليها ختم وتوقيعات.

وبعدها بص ناحية سعاد وقال:

— أعتقد إن الوقت جه عشان كل الناس تعرف الحقيقة، خصوصًا إن فيه ناس هنا بنت سمعتها على حساب تعب غيرها.

سعاد اتوترت، ومدت إيدها تحاول تاخد الورقة.

— محمود، مش هنا. إحنا في فرح، ومش ناقصين مشاكل.

لكنه أبعد الورقة عن إيدها وقال:

— المشاكل بدأت قبل ما فاطمة تدخل القاعة، مش دلوقتي.

نهى بدأت تفقد أعصابها.

— أنا مش فاهمة حاجة! هو فيه إيه؟! ممكن حد يتكلم بوضوح بدل الألغاز دي؟!

محمود بص لها وقال:

— حاضر. بس قبل ما أشرح، عندي سؤال واحد ليكي.

سكت لحظة، وبعدها سألها:

— إنتِ جبتي البوكيه اللي في إيدك منين؟ ومين اللي قال لك إن قطعة القماش القديمة دي لازم تفضل مربوطة فيه مهما حصل؟

نهى بصت للبوكيه، وبعدها رفعت عينيها بسرعة ناحية سعاد.

الحركة دي ما فاتتش على حد.

سعاد حاولت تتدخل:

— دي تفاصيل تخص العروسة، ومش من حق حد يسألها عنها.

لكن محمود رد بهدوء:

— لما تبقى التفاصيل دي مرتبطة بحقوق ناس تانية، يبقى من حقهم يعرفوا.

نهى بدأت إيديها ترتعش.

وبصوت خافت قالت:

— الحاجة سعاد هي اللي ادتني البوكيه، وقالتلي إنه من الحاجات القديمة اللي كانت محفوظة عندها. وقالت إن الوردة الصفراء مجرد علامة لشغل قديم.

الحاجة زينب بصت لسعاد وقالت:

— شغل قديم؟! إنتِ لسه بتقولي نفس الكلام بعد كل السنين دي؟

سعاد سكتت.

لأول مرة، ما كانش عندها رد جاهز.

أما أنا، فكنت قاعدة مكاني، وبحاول أفهم إزاي حاجة كنت فاكرة إنها انتهت من سنين طويلة، رجعت تظهر في يوم فرح ابني بالشكل ده.

محمود قرب مني، وحط الورقة في إيدي.

— فاطمة، أنا عارف إنك مش بتحبي تتكلمي عن الماضي، لكن لازم تعرفي إن كل حاجة اتغيرت. واللي حصل النهارده خلّى السكوت مش ممكن تاني.

بصيت للورقة.

كانت صورة من عقد قديم، عليه اسمي واسم مجموعة من السيدات اللي اشتغلنا سوا في بداياتنا.

وفوق التوقيعات، كانت فيه جملة واضحة:

«مؤسسة مطبخ الأمانة للأعمال الخيرية وخدمات المناسبات».

حسيت إن الدنيا رجعت بيا سنين طويلة لورا.

لأيام كنت بشتغل فيها من الفجر لحد نص الليل، وأرجع بيتي تعبانة، لكن قلبي مليان أمل.

أيام ما كانش عندي غير ابني الصغير، وحلمي إني أقدر أأمّن له مستقبل كويس.

نهى خطفت نظرها للورقة، وبدأت تقرأ الاسم بصوت واطي.

وبعدين رفعت راسها وبصتلي، وكأنها لأول مرة تشوفني فعلًا.

— لحظة واحدة… هو حضرتك فاطمة عبد الرحمن اللي أسست مطبخ الأمانة؟

ما رديتش.

زينب هي اللي جاوبت:

— أيوه، هي نفسها. الست اللي بدأت بفرن صغير ومطبخ متواضع، وبعدها جمعت ستات كتير كانوا محتاجين شغل، وعلّمتهم الصنعة، وفتحت لهم أبواب رزق عمرهم ما كانوا يحلموا بيها.

وبعدين أشارت للستات اللي واقفين وراها.

— كل واحدة مننا ليها حكاية معاها. فيه اللي جوزها مات، واللي كانت بتربي عيالها لوحدها، واللي ما كانش عندها تمن علاج ابنها. وفاطمة عمرها ما سألت واحدة فينا هتقدر تدفع كام قبل ما تساعدها.

نهى فضلت ساكتة.

لكن الصدمة الحقيقية كانت لسه جاية.

محمود قلب الورقة، وطلع مستند تاني، وقال:

— دي مش كل الحكاية. فيه عقد تاني، اتوقّع بعد تأسيس المطبخ بسنين، وبيوضح مين صاحب الحق الحقيقي في المشروع اللي بقى النهارده من أكبر شركات خدمات المناسبات في المحافظة.

سعاد اتراجعت خطوة لورا.

أحمد رفع راسه بسرعة، وبص للمستند، وبعدها بصلي.

أما نهى، فكان واضح إنها بدأت تربط بين كلام محمود، وخوف سعاد، والوردة الصفراء اللي كانت ماسكاها طول الفرح.

محمود أخد نفس عميق، وقال:

— قبل ما نكمل، لازم تعرفوا إن الشركة اللي بتفتخر بيها الحاجة سعاد النهارده، ما كانتش هتبقى موجودة بالشكل ده لولا قرار واحد اتاخد من سنين طويلة.

وبعدين بصلي وسألني:

— فاطمة، تسمحيلي أحكي لهم إيه اللي حصل في الليلة اللي قررتي فيها تتنازلي عن كل حاجة عشان تنقذي مستقبل ابنك؟

أحمد اتجمد مكانه.

رفع عينيه ناحيتي، وصوته خرج بالكاد مسموع:

— أمي… إنتِ كان عندك شركة؟ وإنتِ عمرك ما قلتيلي؟

بصيت له، وقلبي اتوجع.

لأني أدركت إن ابني ما كانش بس ناسي تعبي…

ده كان لسه ما يعرفش الحقيقة الكاملة عن أمه.

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى