منوعات

الجزء الثاني والثالث الطائرة بقلم محمد عبده

### الجزء الثاني: المضيفة اللي وقفت الطيارة كلها

بصيت للمضيفة باستغراب، وأنا لسه حاضنة الشنطة على صدري.

كانت ست في أواخر الخمسينات، شعرها فضي من الجنبين، وعلى الزي الرسمي بتاعها شارة صغيرة بتوضح إنها من أقدم أفراد طاقم الطائرة.

بصت لي مرة تانية، وبعدين نزلت لمستوى بنتي وقالت لها بابتسامة هادية:

— إنتِ اسمك إيه يا حبيبتي؟

ردت بنتي بصوت واطي:

— اسمي ليلى.

ابتسمت المضيفة وقالت:

— اسم جميل أوي يا ليلى. ممكن تقعدي مكانك شوية، عشان عايزة أتكلم مع ماما؟

بنتي هزت راسها، لكنها فضلت ماسكة إيدي.

المضيفة رجعت تبص لي، وقالت بصوت منخفض ما يسمعوش باقي الركاب:

— يا مدام، أنا شفت اللي حصل عند مقدمة الطيارة. وإنتِ مش مطالبة تشرحي لي أي حاجة، لكن محتاجة أعرف حاجة واحدة بس. هل الموظف قال لك سبب واضح لنقل مقاعدكم؟

هزيت راسي بالنفي.

— كل اللي قاله إن فيه ظروف تشغيلية.

ملامحها اتغيرت.

— ظروف تشغيلية؟!

قالتها وهي بتحاول تتحكم في غضبها.

وبعدين بصت ناحية مقدمة الطيارة، وطلعت جهاز الاتصال الصغير اللي معاها.

— محتاجة أكلم مسؤول المقصورة فورًا.

بعد أقل من دقيقة، ظهر راجل في الأربعينات، لابس بدلة رسمية وكارنيه عليه اسم الشركة. كان واضح من طريقته إنه المسؤول عن الرحلة.

وقف قدامنا وسأل المضيفة:

— في مشكلة يا أستاذة نادية؟

ردت عليه وهي بتشاور على المقعدين:

— أيوه، وفي مشكلة كبيرة. الراكبة دي وبنتها كان عندهم حجز مؤكد في الدرجة الأولى، واتطلب منهم يسيبوا مقاعدهم من غير ما يتقدم لهم تفسير واضح.

المسؤول بص لي وقال بنبرة رسمية:

— يا مدام، أنا متأكد إن فيه سوء تفاهم. إحنا بنحاول نخلي الرحلة مريحة لكل الركاب.

بصيت له بهدوء.

— وأنا كمان كنت متوقعة إن الرحلة هتكون مريحة، خصوصًا إني دفعت تمن مقاعدي من رصيدي، وبعد سنتين من التوفير.

رد بسرعة:

— أحيانًا بتحصل تغييرات في آخر لحظة.

سألته:

— تمام. مين اللي طلب التغيير؟

سكت ثانيتين.

ثانيتين بس، لكنهم كانوا كفاية عشان أعرف إنه مش مستعد يجاوب.

وبعدين قال:

— الموضوع اتعالج بالفعل، وإنتوا دلوقتي في مقاعدكم الجديدة. خلينا ما نكبرش المسألة.

نادية بصت له نظرة حادة.

— حضرتك شايف إن نقل أم وبنتها لآخر الطيارة، من غير تفسير، مجرد مسألة صغيرة؟

رد عليها:

— أنا المسؤول هنا عن إدارة الرحلة، يا نادية.

قالت له:

— وأنا بقالي أربعة وثلاثين سنة في الطيران، وشفت مشاكل كتير. لكن أول مرة أشوف حد بيتعامل مع راكبة بالطريقة دي، وبعدها يتوقع إننا نكمل وكأن مفيش حاجة حصلت.

الركاب القريبين مننا بدأوا يبصوا لبعض.

الراجل اللي كان قاعد في المقعد 1A رفع عينه أخيرًا من الموبايل.

أما المسؤول، فحاول يحافظ على هدوئه.

— يا أستاذة نادية، ممكن نتكلم في الموضوع ده بعد ما الطيارة تقلع؟

ردت عليه فورًا:

— لأ. لأن بعد ما الطيارة تقلع، هيبقى أصعب نراجع اللي حصل قبل الإقلاع.

في اللحظة دي، فهمت إن الموضوع مش مجرد نقل مقاعد.

كان فيه حاجة غلط، ونادية كانت عايزة تعرفها.

لكن أنا ما كنتش عايزة بنتي تعيش يومها كله وسط خناقة.

بصيت للمضيفة وقلت:

— أنا مقدرة إنك بتحاولي تساعديني، لكن مش عايزة بنتي تتعرض لموقف أصعب من اللي حصل.

نادية قربت مني شوية.

— وأنا مش عايزة ده يحصل لها. لكن اسمحي لي أقول لك حاجة. إنتِ مش مضطرة تتنازلي عن حقك عشان تحمي بنتك من الإحراج.

الكلام ده لمس حاجة جوايا.

لأني كنت بقالي سنين بحاول أعلّم ليلى إن القوة مش معناها إنك تزعقي، وإن الكرامة مش محتاجة صوت عالي.

لكن يمكن كنت محتاجة أتعلم أنا كمان إن السكوت مش دايمًا هو الحل.

المسؤول قطع كلامنا وقال:

— يا مدام، لو عندك شكوى، تقدري تقدميها بعد الرحلة. لكن دلوقتي لازم نلتزم بترتيبات الصعود.

نادية بصت له وقالت:

— قبل ما تطلب منها أي حاجة تانية، راجع سجل المقاعد.

اتجمد مكانه.

— إيه؟

— سجل المقاعد. شوف مين كان حاجز المقعدين 2A و2B، ومين طلب تغييرهم، وإمتى اتعمل التعديل.

حاول يضحك ضحكة صغيرة.

— يا أستاذة نادية، الموضوع مش محتاج كل ده.

لكنها ما ضحكتش.

— يبقى مش هيضايقك إننا نراجعه.

طلع جهازه اللوحي وبدأ يكتب عليه.

كنت بتابع كل ده، وفي نفس الوقت بحاول أطمن ليلى اللي كانت بتبص للمسؤول بخوف.

مديت إيدي ومسحت على شعرها.

— متخافيش يا حبيبتي. إنتِ ما عملتيش أي حاجة غلط.

همست لي:

— طب يا ماما، إحنا هنرجع لمقاعدنا؟

ما عرفتش أجاوبها.

لأني في الحقيقة ما كنتش عايزة أرجع لمقاعدي لمجرد إني أثبت إن الموظف غلطان.

كنت عايزة أفهم ليه حصل ده من الأساس.

المسؤول فضل يبص في الشاشة، وبعدها رفع عينه لنادية.

— فيه طلب تغيير اتسجل من مكتب البوابة قبل إغلاق الصعود.

سألته:

— طلب تغيير من مين؟

بص لي، وبعدين رجع للشاشة.

— مش ظاهر لي اسم الشخص اللي قدم الطلب في العرض ده.

نادية ردت فورًا:

— افتح سجل التعديلات الكامل.

المسؤول بدأ يفقد هدوءه.

— ده إجراء داخلي، ومش من حق أي حد يطلع عليه.

قالت له:

— أنا مش بطلب منك تعرض بيانات ركاب تانيين. أنا بطلب منك تتحقق من سبب تغيير مقاعد راكبة عندنا.

وبعدين أشارت ناحية مقدمة الطيارة.

— وخصوصًا إن المقعدين دول كانوا محجوزين ومؤكدين قبل الصعود.

سكت المسؤول.

وبعد لحظات، قال جملة خلت نادية تبص له كأنها مش مصدقة اللي سمعته.

— التغيير اتعمل بناءً على طلب خاص من أحد ركاب الدرجة الأولى.

سألته:

— طلب خاص؟ يعني إيه؟

رد بتردد:

— الراكب طلب المقعدين الأماميين، وقال إن عنده ظرف يستدعي كده.

بصيت له وأنا بحاول أفهم.

— وبدل ما تراجعوا الحجز أو تدوروا على حل تاني، قررتوا تنقلوني أنا وبنتي؟

ما ردش.

نادية سألت السؤال اللي كان لازم يتسأل من البداية:

— والراكب ده مين؟

المسؤول بص ناحية الصف الأول.

الراجل اللي كان قاعد في المقعد 1A قفل الموبايل، وحطه في جيبه، وبعدين وقف ببطء.

كان لابس بدلة غالية وساعة باين إنها مش رخيصة، وعلى وشه ابتسامة شخص متعود إن الناس تنفذ طلباته من غير أسئلة.

قال للمسؤول:

— أنا أعتقد إن الموضوع أخد أكبر من حجمه.

نادية بصت له.

— حضرتك طلبت نقل الراكبة دي وبنتها؟

رد بكل هدوء:

— أنا طلبت مقعدين في المقدمة، وقلت إن عندي اجتماع مهم بعد الوصول، وإن محتاج أكون قريب من الباب.

قلت له:

— وأنا مالي باجتماعك؟

ابتسامته اختفت للحظة.

وبعدين قال:

— يا مدام، أنا دفعت تمن الدرجة الأولى، ومن حقي أطلب اللي يناسبني.

رديت عليه:

— وأنا كمان دفعت تمنها.

بص ناحية الشنطة اللي على رجلي.

— على العموم، واضح إن عندك ظروف خاصة، وأنا مش عايز أدخل في نقاش شخصي.

كنت على وشك أرد، لكن ليلى سبقتني.

رفعت وشها وبصت له ببراءة وقالت:

— إحنا كمان عندنا ظروف خاصة يا عمو. بابا مات، وماما وعدتني إننا نقعد جنب الشباك عشان أشوف البحر.

الصمت اللي نزل على المقصورة كان تقيل.

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى