
الفصل التالي
لم أترك لهم فرصة لطرح المزيد من الأسئلة.
أغلقت هاتفي وقلت:
> “المبلغ لسه ما دخلش حسابي بالكامل. البنك أنهى الإجراءات، والتحويل هيتم خلال أيام.”
لمعت عينا داليا.
قالت بسرعة:
> “يعني خلاص يا آدم، نقدر نسدد كل الديون ونفتح مشروع جديد!”
نظرت إليها دون أن أجيب.
أما أمي، فاقتربت مني وقالت بنبرة مختلفة تمامًا عن تلك التي سمعتها قبل دقائق:
> “يا ابني، إحنا عيلة واحدة. مهما حصل، الفلوس دي هتفضل بينا.”
كدت أضحك.
قبل دقائق فقط، كانت مريم ممنوعة من الطعام.
والآن أصبحنا فجأة “عيلة واحدة”.
قلت:
> “طبعًا يا أمي. عشان كده أنا مش زعلان منكم.”
ارتاحت ملامحها.
لكنني أكملت:
> “بالعكس… أنا عايز أعمل حاجة أحسن.”
سألتني داليا:
> “إيه؟”
قلت:
> “هفتح حساب جديد، وأحط فيه جزء من المبلغ. ومحدش هيقدر يسحب منه غيري.”
تغير وجه أمي قليلًا.
لكنها أخفت انزعاجها بسرعة.
> “أكيد يا حبيبي، دي فلوسك.”
ثم نظرت إلى مريم وقالت:
> “بس أهم حاجة دلوقتي علاج مراتك.”
نظرت إليها طويلًا.
> “دي أول حاجة هعملها.”
أخذت مريم إلى المستشفى في الليلة نفسها.
لم أسمح لأي شخص من عائلتي بالذهاب معنا.
في غرفة الطوارئ، أخبرني الطبيب أن حالتها تحتاج إلى رعاية عاجلة، وأن سوء التغذية والإهمال جعلا وضعها أصعب بكثير.
جلست بجوارها وأنا أشعر بثقل في صدري.
سألتها بهدوء:
> “ليه ما قلتيليش؟”
نظرت إليّ والدموع في عينيها.
> “كل مرة كنت هقولك، كانت أمك تهددني.”
تجمدت.
> “تهددك بإيه؟”
قالت:
> “كانت تقول إنك لو عرفت، هتسيب شغلك وتخسر كل اللي بنيته. وكانت تقول إنك هتكرهني لأني السبب في رجوعك.”
ثم سكتت لحظة.
> “وفي آخر مرة حاولت أتصل بيك، داليا أخذت تليفوني.”
أخرجت هاتفها القديم من حقيبتها.
قالت:
> “كانوا بيراقبوا مكالماتي.”
شعرت ببرودة تسري في جسدي.
لكنني لم أرد أن أظهر غضبي أمامها.
قلت:
> “خلاص. من النهارده محدش هيقرر عنك حاجة.”
في صباح اليوم التالي، اتصلت بمحامٍ كنت أعرفه منذ سنوات.
وضعت أمامه كل التحويلات البنكية التي أجريتها خلال الأربع سنوات.
ثم أعطيته صورًا للمجوهرات التي اختفت، وإيصالات بعض المشتريات، وكل ما استطعت جمعه.
قلت له:
> “أنا مش عايز أتهم حد من غير دليل.”
ثم أضفت:
> “لكن عايز أعرف بالضبط الفلوس راحت فين.”
قال:
> “هنبدأ من الحساب اللي كنت بتحول عليه.”
وهذا ما حدث.
بعد ساعات، وصلتني أول نتيجة.
كان هناك عشرات التحويلات من حساب أمي إلى حساب داليا.
ومن حساب داليا إلى محل تجميل.
ثم دفعات لشراء سيارة.
ثم مبالغ كبيرة لتجديد المنزل.
لكن المفاجأة الأكبر كانت في مكان آخر.
كان هناك تحويل شهري ثابت إلى حساب رجل لا أعرفه.
نظرت إلى اسم المستفيد.
محمود سالم.
سألت المحامي:
> “مين ده؟”
قال:
> “لسه بنبحث.”
في المساء، عدت إلى المستشفى.
وجدت مريم نائمة.
جلست بجوارها وفتحت الهاتف.
وصلتني رسالة من أمي:
> “يا آدم، عايزين نتكلم في موضوع المليون.”
ابتسمت.
لم تكن قد سألت عن حالة مريم.
لم تسأل ماذا قال الطبيب.




