
الجزء الثاني — المرأة ذات الشعر المستعار في صباح اليوم التالي استيقظت قبل المنبه بساعة. كان هناك شعور غريب يضغط على صدري، وكأن شيئًا سيئًا على وشك الحدوث. أمسكت هاتفي وتحققت من حسابي البنكي. لم يصل المبلغ بعد. وضعت هاتفي جانبًا، ثم نظرت إلى أحمد. كان لا يزال نائمًا. أو هكذا ظننت.
ارتديت ملابسي وخرجت من المنزل دون أن أوقظه.
لكن قبل أن أصل إلى باب العمارة، توقفت.
كانت هناك سيارة رمادية متوقفة في الجهة المقابلة.
لم تكن السيارة موجودة في اليوم السابق.
الأغرب أن الرجل الجالس بداخلها كان يراقب مدخل العمارة.
تظاهرت بأنني أبحث عن شيء في حقيبتي، ثم التقطت صورة للسيارة بهاتفي.
بعدها تحركت إلى عملي.
في الطريق، وصلني إشعار من البنك.
تم إيداع المبلغ.
كان الحساب يحتوي الآن على قرابة ثمانمائة ألف جنيه.
حدقت في الرقم لثوانٍ.
ثم شعرت بالخوف بدلًا من الفرح.
لأنني تذكرت أسئلة سمر.
متى ينزل المال؟
أين أحتفظ به؟
وفي أي بنك؟
دخلت مكتبي، لكنني لم أبدأ عملي.
جلست أمام جهاز الكمبيوتر وفتحت الملفات القديمة التي أحتفظ بها عن التوقيعات.
كنت أحاول تهدئة نفسي.
ثم جاءني اتصال من رقم مجهول.
—أستاذة مريم؟
—نعم، من معي؟
—مع حضرتك موظف من البنك. في مشكلة في عملية التحويل، ونحتاج تأكيد بعض البيانات.
سألت:
—أي عملية تحويل؟
صمت الرجل لحظة.
ثم قال:
—العملية المتعلقة بحساب حضرتك.
شعرت بأن الدم انسحب من وجهي.
—أنا لم أطلب أي تحويل.
أغلق الرجل الخط فورًا.
أمسكت هاتفي واتصلت بالبنك من الرقم الرسمي الموجود على بطاقتي.
بعد دقائق، أخبرني الموظف:
—مدام مريم، فيه محاولة لإجراء عملية سحب كبيرة من الحساب.
—هل تمت العملية؟
—لا، العملية ما زالت تحت المراجعة.
أغمضت عيني.
ثم سألت:
—هل الشخص موجود في الفرع؟
—نعم.
توقفت أنفاسي.
—هل يمكنك أن تخبرني كيف تبدو؟
قال الموظف:
—سيدة ترتدي ملابس واسعة، ونظارة شمسية، وشعرها مختلف تمامًا عن الصورة الموجودة في البطاقة.
لم أحتج إلى أكثر من ذلك.
سمر.
لكنني لم أخبر الموظف.
قلت فقط:
—لا تسمحوا بإتمام أي عملية حتى أصل.
ثم أغلقت الهاتف.
كنت على وشك الخروج من المكتب عندما رن هاتفي مرة أخرى.
كانت سمر.
نظرت إلى اسمها على الشاشة.
ثم أجبت.
—ألو؟
جاء صوتها متوترًا:
—مريم؟ إنتِ في الشغل؟
قلت:
—أيوه.
—كويس… أنا كنت بس بطمن عليكِ.
ابتسمت رغم توتري.
—ليه؟
—مفيش سبب.
ثم سألت فجأة:
—الفلوس نزلت في حسابك؟
ساد الصمت.
عرفت وقتها أن الأمر انتهى.
لم تعد مجرد شكوك.
كانت تحاول سرقة مدخراتي.
لكنني قررت ألا أواجهها.
ليس بعد.
قلت بهدوء:
—لسه.
سمعت نفسًا مرتاحًا على الطرف الآخر.
ثم قالت:
—تمام… ربنا يوفقك.
أغلقت المكالمة.
وأرسلت رسالة إلى البنك أخبرتهم فيها أنني سأصل خلال دقائق.
لكن قبل أن أتحرك، فتحت سجل المكالمات.
ثم تذكرت سؤال أحمد منذ أيام:
“لو اكتشفتِ أنني كنت أعرف أن أختي تخطط لشيء ضدك ولم أخبرك… هل ستتركينني؟”
لم يكن سؤالًا عشوائيًا.
كان اعترافًا مقنعًا في صورة سؤال.
أخرجت هاتفًا قديمًا كنت أحتفظ به في مكتبي، واتصلت بأحمد.
لم يجب.
اتصلت مرة ثانية.
لا رد.
ثم أرسلت له رسالة:
“أنا عرفت كل حاجة.”
بعد أقل من دقيقة، ظهر أنه قرأ الرسالة.
لكن لم يرد.
وهنا تأكدت من شيء أخطر.
أحمد كان يعرف.
ركبت سيارتي واتجهت إلى البنك.
وقبل أن أصل بدقائق، وصلني اتصال من موظف البنك.
قال بصوت منخفض:
—مدام مريم، السيدة الموجودة هنا بدأت تتوتر جدًا.
سألته:
—هل ما زالت تحمل بطاقة الرقم القومي؟
—نعم.
—وهل تطابق الصورة الموجودة عليها؟
—الصورة موجودة، لكن شكلها مختلف جدًا.
قلت:
—لا تواجهوها.
—ماذا؟
—فقط انتظروا.
—لكنها تطلب سحب مبلغ كبير.
قلت:
—سأكون هناك خلال دقائق.
أغلقت الهاتف.
وعندما وصلت إلى البنك، لم أدخل من الباب الرئيسي.
دخلت من مدخل جانبي يعرفه الموظفون.
ثم وقفت خلف حاجز زجاجي يطل على منطقة خدمة العملاء.
وهناك رأيتها.
امرأة بشعر أسود طويل، ونظارة كبيرة، وملابس فضفاضة.
كانت تحاول إخفاء وجهها.
لكنني عرفتها فورًا.
كانت سمر.
كانت تتحدث مع موظف البنك بصوت مصطنع:
—أنا محتاجة بس أعمل العملية بسرعة، لو سمحت.
قال الموظف:
—حضرتك، لازم نراجع بعض البيانات.
بدأت تضرب بأظافرها على المكتب.
تك… تك… تك.
توقفت لحظة.
ثم شعرت بقشعريرة.
نفس الحركة.
نفس التوتر.
حتى وهي ترتدي شعرًا مستعارًا وتحاول تغيير صوتها، لم تستطع تغيير عادتها.
لكنني لم أخرج.
انتظرت.
كنت أريد أن أعرف شيئًا واحدًا:
من أعطاها المعلومات التي احتاجتها للوصول إلى حسابي؟
وفجأة، أخرجت سمر هاتفها.
نظرت إلى الشاشة.
ثم اتصلت بشخص ما.
سمعتها تقول:
—هي لسه ما جتش.
صمتت لحظة.
ثم قالت:
—أيوه، البطاقة معايا.
توقفت.
ثم أضافت بصوت خافت:
—بس لو اتأخرنا أكتر، البنك ممكن يشك.
في تلك اللحظة أدركت أن هناك شخصًا آخر متورطًا.
لكن المفاجأة الحقيقية جاءت عندما رفعت سمر رأسها فجأة…
ونظرت مباشرة نحو المكان الذي كنت أقف فيه.
وكأنها شعرت بوجودي.
الجزء الثالث — الأرقام الستة
ثبتت سمر عينيها على الزجاج.
للحظة شعرت أنها رأتني.
لكنني لم أتحرك.
خفضت رأسي قليلًا وأمسكت هاتفي، متظاهرة بأنني أتحدث في مكالمة.
بعد ثوانٍ، عادت سمر إلى الموظف.
—لو سمحت، أنا مستعجلة.
قال الموظف بهدوء:
—حضرتك، فيه خطوة أخيرة للتأكد من العملية.
—إيه هي؟
—هنرسل رمز تأكيد على رقم الهاتف المسجل بالحساب.
تغير وجهها.
—الرقم… مش معايا دلوقتي.
قال الموظف:
—للأسف من غير الرمز ما نقدرش نكمل.
أمسكت سمر هاتفها بسرعة.




