روايات وقصص

الجزء الاخير بقلم محمد عبده

وضعت الذاكرة الإلكترونية أمام الأستاذ حسام، ولم أشغل التسجيل في المقهى.

قال لي:

—خليه يتفتح عندي، ونحتفظ بالنسخة الأصلية زي ما هي.

أومأت.

في المساء، اجتمعت معه في مكتبه.

أغلق الباب، ووضع الذاكرة في جهاز الكمبيوتر.

بدأ التسجيل.

في البداية كان الصوت غير واضح.

ثم جاء صوت كريم.

—الموضوع بسيط. هي مش هتسأل عن التفاصيل.

توقفت أنفاسي.

جاء صوت رجل آخر:

—بس لو راجعت الأوراق؟

ضحك كريم.

—سلمى بتثق فيا. وبعدين هي مش فاهمة في الحسابات دي.

ثم ساد صمت قصير.

قلت لحسام:

—كمّل.

استمر التسجيل.

ثم سمعت اسم نوال.

—وأمي؟

تغير صوت كريم.

—أمي مالها؟

—إنت قلت إن جزء من الفلوس هيتحول لها.

صمت كريم لثوانٍ.

ثم قال:

—التحويل هيتم بعد ما الموضوع يخلص.

نظرت إلى حسام.

كان وجهه جادًا.

ثم جاء صوت الرجل الآخر:

—ولو سلمى اكتشفت؟

ضحك كريم.

—مش هتكتشف.

توقف التسجيل.

جلست دون حركة.

كل ما كنت أعتقد أنه مجرد استغلال لبياناتي أصبح الآن شيئًا أكبر.

قال حسام:

—ده دليل مهم، لكن لازم نتحقق من مصدر التسجيل ونحافظ على النسخة الأصلية.

سألته:

—ونوال كانت عارفة؟

—التسجيل بيوضح إن اسمها اتذكر، لكنه وحده مش كفاية نعرف مدى علمها بالموضوع.

قلت:

—أنا محتاجة أعرف الحقيقة.

قال:

—وهنعرفها.

—

في اليوم التالي بدأت مراجعة كل الحسابات والمستندات.

ظهر شيء غريب.

كان هناك مبلغ كبير خرج من حساب مرتبط بالمشروع، ثم انتقل إلى شركة ابن خال كريم.

وبعد أيام قليلة، خرج مبلغ آخر من الشركة نفسها إلى حساب لم أتعرف عليه.

لكن حسام استطاع تحديد صاحب الحساب.

كان باسم نوال.

حدقت في الشاشة.

—أمي…؟

قال حسام:

—الحساب باسم والدته.

شعرت بالغضب.

—يعني كانت عارفة؟

—استني.

ثم أشار إلى تاريخ التحويل.

—التحويل تم قبل ما توصلي أصلًا للبيت في يوم الواقعة.

ثم أضاف:

—المهم نعرف هل كانت هي التي طلبت التحويل أم أن شخصًا آخر استخدم الحساب.

لم أرد أن أظلمها.

لكن كل شيء كان يشير إلى أن الأمر أعمق مما توقعت.

—

بعد يومين، تلقيت اتصالًا من كريم.

هذه المرة لم أجب.

اتصل مرة أخرى.

ثم أرسل رسالة:

«سلمى، أنا مستعد أصلح كل حاجة. بس بلاش تكملي في الإجراءات.»

قرأت الرسالة.

ثم أرسلت له ردًا واحدًا:

«ليه؟»

جاء الرد بعد دقيقة:

«علشان إحنا متجوزين، ومش عايز الموضوع يكبر.»

كتبت:

«الموضوع كبر يوم استخدمت اسمي من غير إذني.»

لم يرد.

وبعدها بساعات، وصلتني رسالة أخرى:

«إنتِ مش عارفة إنتِ بتلعبي مع مين.»

هذه المرة لم أشعر بالخوف.

صورت الرسالة وأرسلتها إلى حسام.

قال:

—احتفظي بكل حاجة.

—

بعد أسبوع، طلب حسام أن أقابله بشكل عاجل.

دخلت مكتبه.

وجدته واقفًا أمام مجموعة من الأوراق.

قال:

—في تطور جديد.

—إيه؟

—عملنا مراجعة للتوقيع.

—والنتيجة؟

—التوقيع الموجود على التفويض لا يطابق توقيعك.

تنفست براحة.

ثم أضاف:

—لكن الأهم إن في كاميرات مراقبة داخل المبنى سجلت شخصًا يدخل مكتب كريم في الوقت اللي اتعمل فيه التفويض.

سألته:

—مين؟

نظر إليّ.

—هدى.

تجمدت.

—هدى؟

—أيوه.

—بس هي اللي ادتني التسجيل!

قال:

—وده اللي مخلي الموضوع أغرب.

أخرج صورة من ملف.

كانت هدى تظهر في ممر الشركة.

لكن بجانبها كان هناك شخص آخر.

امرأة.

قلت:

—مين دي؟

قال:

—نوال.

شعرت ببرودة تسري في جسدي.

—

اتصلت بهدى فورًا.

—ليه والدته كانت في الشركة؟

صمتت.

ثم قالت:

—أنا كنت مستنية اللحظة دي.

—قولي الحقيقة.

تنهدت.

—نوال كانت بتيجي لكريم في المكتب أكتر مما تتخيلي.

—ليه؟

—علشان الفلوس.

سألتها:

—هي كانت عارفة؟

قالت:

—أيوه.

سكتُّ.

ثم سألت:

—وعرفت إن اسمي مستخدم؟

جاء صوت هدى منخفضًا:

—هي اللي اقترحت إن الملفات تتعمل باسمك.

شعرت وكأن شيئًا انكسر بداخلي.

—ليه؟

قالت:

—لأن كريم كان عليه ديون كبيرة، وكانت شايفة إن استخدام اسمك أسهل.

أغلقت عيني.

تذكرت كل مرة قالت لي فيها نوال إنني “جزء من العائلة”.

كل مرة أخبرتني أن الزوجة يجب أن تثق في زوجها.

كل مرة جعلتني أشعر أنني أنانية عندما أرفض تنفيذ أوامرها.

والآن فهمت.

لم تكن تريد مني أن أكون زوجة ابنها فقط.

كانت تريدني أن أكون الواجهة التي تحمل العواقب بدلًا عنهما.

—

في اليوم التالي ذهبنا إلى الجهات المختصة لتقديم المستندات.

تم تسجيل أقوالي رسميًا.

قدمت صور الإصابة.

والرسائل.

والتقارير.

وصور المستندات.

والتسجيل الذي حصلنا عليه.

ولم أطلب الانتقام.

كنت أريد فقط أن أثبت شيئًا واحدًا:

أنني لم أوافق على أي معاملة مالية باسمي.

بعد انتهاء الإجراءات، خرجت من المبنى.

كان الجو هادئًا.

اتصلت داليا.

—عاملة إيه؟

قلت:

—أول مرة أحس إني واقفة على أرض ثابتة.

قالت:

—وإنتِ هترجعي لهم؟

نظرت إلى خاتمي الموجود داخل حقيبتي.

قلت:

—لا.

ثم أضفت:

—بس لسه في حاجة واحدة لازم أعملها.

—إيه؟

—لازم أرجع البيت.

سكتت.

—بيت كريم؟

—أيوه.

—ليه؟

ابتسمت.

—علشان أخد حاجة نسيتها هناك.

—

بعد ثلاثة أسابيع من يوم سقوطـي على الأرض في الخامسة صباحًا، وصلت إلى منزل العائلة.

كان هناك تجمع كبير.

نوال دعت الأقارب.

وكريم كان واقفًا بجوارها.

لكن هذه المرة لم أكن وحدي.

دخلت وأنا أرتدي خاتمي.

وفي يدي تقرير الطبيب.

وفي يدي الأخرى ملف كامل.

نظر كريم إليّ.

ثم إلى الخاتم.

—إنتِ رجعتي؟

أجبته بهدوء:

—أيوه.

قالت نوال:

—كويس. أخيرًا عقلتي.

وضعت الملف على الطاولة.

—أنا مش جاية أرجع.

اختفت ابتسامتها.

—أمال جاية ليه؟

نظرت إلى الجميع.

—علشان تسمعوا الحقيقة كاملة.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى