
—دي إصابتي.
الورقة الثانية:
—وده التوقيع اللي اتعمل باسمي.
الورقة الثالثة:
—وده التقرير اللي يثبت إن التوقيع مش توقيعي.
ثم وضعت التسجيل أمامهم.
—وده صوت كريم.
نظر كريم إليّ برعب.
قلت:
—لكن لسه ما وصلناش لأهم جزء.
ثم أخرجت آخر مستند.
كانت فيه حركة مالية تحمل اسم نوال.
رفعت عيني إليها.
—ماما كريم…
تجمد وجهها.
—المبلغ ده راح فين؟
لم تجب.
قلت:
—لأن عندي كشف حساب كامل.
ثم أضفت:
—والفلوس دي مش فلوس كريم وحده.
ساد الصمت.
ثم قلت الجملة التي جعلت كريم يجلس على الكرسي وكأن ساقيه لم تعودا تحملانه:
—دي فلوس أنا ساهمت في بنائها طوال سنوات زواجنا… والآن عرفت بالضبط أين ذهبت.
لكنني لم أكن قد أخبرتهم بعد عن الورقة التي أخفاها كريم داخل خزنة والدته…
والتي كانت تحمل اسم شخص ثالث لم يخطر ببالي قط.
الجزء السادس والأخير
ساد الصمت بعد كلماتي.
كانت نوال تنظر إلى الورقة، ثم إلى ابنها.
أما كريم فظل جالسًا، عاجزًا عن الكلام.
قلت:
—أنا مش عايزة أسمع أعذار. أنا عايزة أعرف مين الشخص الثالث اللي اسمه موجود في المستندات.
رفع كريم رأسه ببطء.
—سلمى، الموضوع مش زي ما إنتِ فاكرة.
ابتسمت بسخرية.
—الجملة دي سمعتها منك كتير.
ثم التفتُّ إلى الموجودين.
—قبل ما أخرج من البيت من ثلاثة أسابيع، كنت فاكرة إن مشكلتي زوج بيهينني وحماتي بتعاملني كخادمة.
وضعت الملف أمامهم.
—لكن اكتشفت إن الموضوع كان أكبر.
تدخل عم كريم:
—فين الشخص الثالث؟
لم يجب كريم.
وهنا قالت نوال بصوت مرتجف:
—كريم… قول الحقيقة.
نظر إليها.
—إنتِ عايزاني أقول إيه؟
ردت:
—الحقيقة.
فتح فمه، لكنه لم يجد الكلمات.
أخرجت ورقة أخيرة.
—أنا عارفة مين الشخص الثالث.
نظر الجميع إليّ.
قلت:
—والد كريم.
ساد الصمت.
كان والد كريم قد توفي قبل سنوات، ولذلك بدا الأمر للجميع مستحيلًا.
قال عمه:
—إزاي؟
قلت:
—الحساب اللي اتنقلت له بعض الأموال مسجل ببيانات قديمة مرتبطة باسم والده.
نظر حسام، الذي كان قد حضر معي، إلى الأوراق.
وقال:
—بعد مراجعة المستندات، اتضح أن الاسم استُخدم كواجهة لحساب قديم لم يعد صاحبه موجودًا.
ثم أضاف:
—والشخص الذي كان يدير هذا الحساب بعد وفاة صاحب الاسم هو…
توقف.
نظرت إلى نوال.
كانت عيناها ممتلئتين بالخوف.
قلت:
—نوال.
بدأت شقيقة كريم تبكي.
—ماما… إنتِ عملتي كده؟
لم تجب.
جلست على الكرسي.
غطت وجهها بيديها.
ثم قالت:
—أنا كنت بحاول أنقذ ابني.
كريم نظر إليها بغضب.
—إنتِ وعدتيني إن الموضوع مش هيوصل لكده!
رفعت رأسها.
—وأنت كنت هتعمل إيه؟ كنت هتسيب الديون تخنقك؟
صرخت شقيقته:
—ديون إيه؟
لم يجب أحد.
تدخل حسام:
—التحقيقات هي اللي هتحدد المسؤولية القانونية، لكن المستندات الحالية بتوضح إن استخدام اسم سلمى تم من غير علمها.
نظرت إلى كريم.
—كنت عايز تحطني في الواجهة.
قال بصوت منخفض:
—كنت هحل الموضوع قبل ما تعرفي.
—بس ما حلتوش.
ثم أشرت إلى تقرير الطبيب.
—ولما رفضت أعمل إفطار، جررتني من السرير.
لم ينظر إليّ.
—أنا غلطت.
قلت:
—غلطك مش إنك عصبت.
ثم أضفت:
—غلطك إنك صدقت إنني هفضل ساكتة للأبد.
—
بعد أيام، بدأت الإجراءات القانونية تأخذ مسارها.
تم فحص المستندات والتوقيعات والحسابات.
لم أتابع كل التفاصيل بنفسي.
كان حسام يتولى الأمر معي.
لكن شيئًا واحدًا كان واضحًا:
أنا لم أعد تلك المرأة التي كانت تخشى أن ترفض طلبًا على مائدة الإفطار.
قدمت كل ما أملك من أدلة.
التسجيلات.
الرسائل.
صور الإصابة.
التقارير.
وكشوف الحسابات.
وبعد فترة من المراجعة، تم التأكد أن التوقيع الموجود على المستندات المالية لم يكن توقيعي.
وهذا غيّر كل شيء.
أما علاقتي بكريم، فقد انتهت.
لم أعد أبحث عن اعتذار.
ولا عن تفسير.
ولا عن فرصة ثانية.
—
بعد عدة أشهر، تم الانتهاء من إجراءات الطلاق.
خرجت من مكتب المحامي وأنا أحمل حقيبة صغيرة.
هذه المرة لم تكن حقيبة هروب.
كانت حقيبة بداية جديدة.
أخرجت خاتمي من جيبي.
نظرت إليه للحظات.
ثم وضعته داخل صندوق صغير.
لم أرمِه.
ولم أحتفظ به كذكرى جميلة.
احتفظت به كتذكير.
تذكير بالمرأة التي كنتها…
وبالمرأة التي أصبحتها.
—
اشتريت شقة صغيرة باسمي.
عدت إلى عملي.
وترقيت بعدها بفترة قصيرة إلى منصب أعلى.
لم يكن الأمر سهلًا.
لكنني تعلمت شيئًا لن أنساه أبدًا:
الاحترام لا يُطلب بالتوسل.
والحدود لا تعني قسوة.
وأحيانًا، أكثر لحظة نظن فيها أننا خسرنا كل شيء…
تكون هي اللحظة التي نكتشف فيها أننا أنقذنا أنفسنا.
بعد عام تقريبًا، كنت أجلس في شرفتي مساءً عندما وصلتني رسالة من رقم مجهول.
فتحتها.
كانت من كريم.
كتب:
«أنا عارف إن مفيش كلام يرجع اللي حصل. بس كنت عايز أقولك إنك كنتِ أقوى مما توقعت.»
قرأت الرسالة.
ثم أغلقت الهاتف.
لم أجب.
لأنني لم أعد بحاجة إلى أن يعرف كريم مدى قوتي.
أنا نفسي كنت أعرفها الآن.
وتذكرت صباح ذلك اليوم.
الساعة الخامسة.
الأرض.
الألم.
ابتسامة نوال.
وصوت كريم وهو يقول:
«قومي اعملي الإفطار.»
ضحكت وحدي.
ليس لأن الأمر كان مضحكًا.
بل لأنني تذكرت أنني في ذلك الصباح ظننت أن حياتي انهارت.
لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.
في الخامسة صباحًا…
لم تنتهِ حياتي.
بل بدأت.
وهكذا، انتهت حكايتي مع الرجل الذي ظن أن بإمكانه استخدام اسمي، ومع المرأة التي اعتقدت أن كوني زوجة ابنها يعني أنني خادمة لها.
أما أنا؟
فخرجت من ذلك البيت بحقيبة واحدة…
وعُدت بعد سنوات إلى نفسي.
وأحيانًا تكون أكبر انتصاراتنا هي أن نغادر المكان الذي جعلنا نشك في قيمتنا.
تمت
حكايات محمد عبده




