
الجزء الثاني بصيت لمجدي لثواني من غير ما أرد، وكنت بحاول أستوعب إزاي الراجل اللي شاركته حياتي سنين طويلة، واللي وقفت جنبه في أصعب أوقاته، بقى شايف إن وجودي في حياته شيء ممكن يتنازل عنه بمنتهى السهولة علشان يرضي موظفة عنده. داليا رفعت عينيها ليا، وبعدها بصت لمجدي وقالت بصوت ناعم:
«مجدي، بجد أنا مش عايزة أكون سبب أي مشكلة بينك وبين نور. أنا ممكن أقعد ورا عادي، مش مستاهلة كل ده.»
لكن الغريب إنها ما اتحركتش من مكانها، ولا حتى حاولت تقوم من الكرسي.
فضلت قاعدة مستنية مجدي هو اللي يحسم الموضوع لصالحها.
ومجدي فعلًا ما خيبش ظنها.
بصلها وقال بنبرة حاسمة:
«إنتِ مش هتتحركي من مكانك يا داليا. أنا اللي قلت لك تقعدي هنا، ومش هغيّر كلامي علشان حد يزعل.»
وبعدين لف ناحيتي وقال قدام الـ12 مدير اللي كانوا قاعدين حوالينا:
«نور، خلينا واضحين من البداية. إنتِ مراتي، وده شيء أنا مقدّره، لكن ده مش معناه إن كل حاجة لازم تمشي على مزاجك. إحنا هنا في رحلة شغل، ومش ناقصين مشاكل شخصية.»
كلمة «مراتي» اللي المفروض تكون دليل على مكانتي عنده، قالها بطريقة حسستني إني مجرد لقب مالوش أي قيمة حقيقية.
ابتسمت ابتسامة صغيرة، وهزيت راسي بهدوء.
«مشاكل شخصية؟»
كررت الكلمتين كأني بحاول أتأكد إني سمعت صح.
وبعدين قلت:
«أنا ما عملتش أي مشكلة يا مجدي. أنا طلعت الطيارة، لقيت مراتي مكانها واحدة تانية، وسألتك سؤال بسيط. لكن واضح إن السؤال نفسه ضايقك.»
واحد من المديرين، اسمه شريف، رفع عينه للحظة وبص لمجدي، لكنه رجع بص في الورق اللي قدامه بسرعة.
كان واضح إن الكل حاسس بالإحراج، لكن محدش عنده الجرأة يتدخل.
مجدي ضحك ضحكة قصيرة وقال:
«نور، كفاية دراما. إحنا مش في البيت علشان نناقش كل تفصيلة صغيرة.»
داليا نزلت عينيها، لكني لمحت ابتسامة خفيفة ظهرت على وشها واختفت بسرعة.
في اللحظة دي، فهمت إن الموضوع مش مجرد تصرف عابر.
هي كانت عارفة كويس إنها بتاخد مكان مش مكانها، والأهم من كده إنها كانت واثقة إن مجدي هيدافع عنها حتى لو كان ده على حساب كرامتي قدام كل الناس.
كنت أقدر أجادله.
كنت أقدر أفكره بكل مرة سافرت معاه فيها، وبكل مناسبة وقفت جنبه فيها، وبكل مرة أجلت فيها شغلي وراحتي علشان أساعده ينجح.
لكن فجأة، حسيت إن كل الكلام ده مالوش أي لازمة.
لأن الإنسان اللي محتاج تفكريه بقيمتك بعد كل السنين دي، غالبًا هو عارف قيمتك كويس، لكنه اختار يتعامل كأنها مش موجودة.
بصيت ناحية الكرسي اللي في آخر الطيارة، وبعدها رجعت بصيت لمجدي.
وقلت بهدوء شديد:
«تمام يا مجدي. زي ما تحب.»
ظهر الارتياح على وشه فورًا.
واضح إنه كان متوقع إني هاعترض شوية، وبعدها هاقعد في أي مكان تاني وخلاص.
داليا كمان ابتسمت، ومدت إيدها تاخد زجاجة الميه اللي قدامها.
أما أنا، فلفيت جسمي ناحية باب الطيارة.
ومشيت.
من غير ما أرفع صوتي، ومن غير ما أوجه لداليا كلمة واحدة، ومن غير ما أطلب من أي حد يرجع لي مكاني.
نزلت درجات السلم واحدة ورا التانية، لحد ما وصلت لأرض المطار.
كان الهوا بارد شوية، وصوت الطيارات اللي بعيدة بيتردد في المكان الواسع.
وقفت للحظة، وخدت نفس عميق.
الغريب إني ما كنتش حاسة بالغضب اللي كنت متوقعاه.
كنت حاسة بحاجة أقرب للراحة، كأني أخيرًا بطلت أحاول أقنع نفسي إن كل شيء طبيعي، وإن تصرفات مجدي مجرد ضغوط شغل أو سوء تفاهم مؤقت.
طلعت موبايلي من الشنطة، وبصيت للشاشة.
كان عندي اتصالات فائتة من مديرة مكتبي، ورسالة من المحامي اللي بيتابع بعض شؤون العيلة.
لكن قبل ما أفتح أي رسالة، سمعت صوت خطوات سريعة جاية من ورايا.
«مدام نور! استني لحضرتك، لو سمحتي!»
لفيت، فلقيت مدير الرحلة، الكابتن حسام، جاي ناحيتي بخطوات مستعجلة.
كان راجل محترم، في أواخر الأربعينات، وسبق له إنه أشرف على رحلات كتير سافرنا فيها مع بعض.
وقف قدامي وهو بيحاول ياخد نفسه، وبص ناحية الطيارة، وبعدها رجع بص لي.
وقال بصوت منخفض:
«مدام نور، أنا آسف إني بتدخل، بس كنت محتاج أسأل حضرتك سؤال مهم قبل ما نتحرك.»
استغربت وسألته:
«خير يا كابتن حسام؟ فيه حاجة؟»
اتردد لحظة، وبعدها قال:
«حضرتك حابة نلغي الرحلة؟»
فضلت باصة له من غير ما أرد.




