
كنت عارفة إن السؤال ده مش طبيعي، وإنه أكيد وراه سبب أكبر من مجرد إني نزلت من الطيارة.
قلت له:
«تقصد إيه؟ ليه نلغي الرحلة؟»
قرب مني شوية، وقال بصوت أخفض:
«لأن الطيارة دي، يا فندم، مش مجرد طيارة الشركة اللي حضرتك وجوزك بتستخدموها. فيه تعليمات خاصة بخصوص الرحلات، وأنا ما ينفعش أقلع قبل ما أتأكد من موافقة صاحب الصلاحية على الرحلة نفسها.»
ضيقت عيني باستغراب.
«صاحب الصلاحية؟ مش مجدي هو اللي طلب الرحلة؟»
هز الكابتن حسام راسه وقال:
«أستاذ مجدي هو اللي طلب الرحلة، لكن فيه فرق بين اللي بيطلب الرحلة وبين صاحب الطيارة والجهة المسؤولة عن تشغيلها.»
وقبل ما أقدر أسأله سؤال تاني، شفت واحد من أفراد الطاقم بيجري ناحية باب الطيارة، وبيشاور للكابتن حسام بإيده.
الكابتن بص له، وبعدها رجع بص لي.
وقال:
«مدام نور، فيه حاجة تانية لازم حضرتك تعرفيها، لكن الأفضل نتأكد منها قبل ما أقول أي تفاصيل.»
في اللحظة دي، بدأ قلبي يدق أسرع.
مش بسبب الخوف، لكن بسبب إحساس غريب إن الموقف اللي مجدي اعتبره انتهى بمجرد ما نزلت من الطيارة، لسه في بدايته.
وفي نفس الوقت، كنت متخيلة إنه قاعد في مكانه، بيضحك مع داليا، ومقتنع إنه قدر يفرض كلمته عليّ قدام كل المديرين.
ما كانش يعرف إن الكابتن حسام خرج ورايا بنفسه.
وما كانش يعرف إن السؤال اللي اتوجه لي بره الطيارة، لو سمعه، ممكن يغيّر تعبير وشه تمامًا.
لأن بعد لحظات قليلة، الكابتن حسام رفع صوته وقال لأحد أفراد الطاقم:
«محدش يبدأ إجراءات الإقلاع دلوقتي. استنوا تعليماتي.»
وبعدها رجع لي وقال:
«مدام نور، أنا محتاج أتأكد من حضرتك شخصيًا… هل قرارك إنك مش هتسافري النهارده نهائي؟»
بصيت له وقلت بثبات:
«أيوه يا كابتن. أنا مش هسافر على الطيارة دي.»
هز راسه باحترام، وطلع موبايله علشان يجري اتصالًا.
أما أنا، فكنت لسه واقفة مكاني، مش عارفة إيه اللي هيحصل بعد كده.
لكن اللي حصل جوه الطيارة في نفس اللحظة، كان مختلف تمامًا عن كل توقعاتي.
مجدي بص من الشباك، وشاف الكابتن حسام واقف معايا، وبيتكلم في التليفون.
عقد حاجبيه، وبعدها ضغط على زر الاتصال الداخلي وطلب من أحد أفراد الطاقم يعرف له سبب التأخير.
ولما عرف إن إجراءات الرحلة اتوقفت مؤقتًا، وشاف الكابتن بيتكلم معايا بدل ما يرجع ينفذ أوامره، ابتسامته بدأت تختفي بالتدريج.
قال بعصبية:
«هو فيه إيه بالضبط؟ ليه الطيارة لسه ما اتحركتش؟»
داليا بصت له باستغراب وقالت:
«ممكن تكون مشكلة في الإجراءات يا مجدي.»
لكنه ما ردش عليها.
كان مركز عينيه عليّ من خلال الشباك، وكأنه لأول مرة بدأ يفهم إن نزولي من الطيارة ما كانش استسلامًا زي ما تخيل.
وبعدها، رن موبايله.
بص للشاشة، ولما شاف اسم المتصل، اتغيرت ملامحه فجأة.
رد بسرعة وقال:
«أيوه، أنا هنا… خير؟»
جاله صوت من الطرف التاني، ما قدرتش أسمعه من مكاني، لكني شفت إيده وهي بتشد على الموبايل، ووشه وهو بيفقد لونه بالتدريج.
وبعد ثواني من الصمت، قال بصوت متوتر:
«إنت بتقول إيه؟ مين اللي أصدر القرار ده؟»
سكت شوية، وبعدها رفع عينه وبص ناحيتي مرة تانية.
المرة دي، ما كانش في عينيه غضب.
كان فيه خوف حقيقي من حاجة ما كانش عامل حسابها.
لأن مجدي اكتشف إن المشكلة مش في إن مراته نزلت من الطيارة… المشكلة كانت في السبب اللي خلّى مدير الرحلة يسألها إذا كانت عايزة تلغي الرحلة كلها!
يتبع في الجزء الثالث… 👇
الجزء الثالث: السر اللي مجدي ماكانش يعرفه
مجدي فضل ماسك الموبايل على ودنه، ووشه اتغير تمامًا.
الراجل اللي من دقايق كان بيتكلم معايا بتعالي قدام 12 مدير، بقى مش قادر ينطق جملة كاملة.
قال بصوت متوتر:
«استنى بس، إنت أكيد فاهم الموضوع غلط. أنا مجدي الشناوي، الرئيس التنفيذي للشركة، والرحلة دي متسجلة باسمي. إزاي تتوقف من غير ما حد يرجع لي؟»
جاله الرد من الطرف التاني، فشد على الموبايل أكتر وقال:
«أنا مش فاهم! مين نور دي اللي لازم تاخدوا موافقتها؟ دي مراتي!»
أول ما قال الجملة دي، حسيت إن فيه حاجة اتغيرت جواه.
لأنه لأول مرة من بداية الموقف، بدأ يستخدم كلمة «مراتي» مش علشان يقلل من اعتراضي، لكن لأنه محتاج يفهم ليه اسمي بقى أهم من أوامره.
في اللحظة دي، داليا قربت منه وسألته:
«فيه إيه يا مجدي؟ حصلت مشكلة؟»
بصلها بعصبية وقال:
«استني شوية يا داليا!»
كانت أول مرة يكلمها بالطريقة دي قدام الناس.
أما أنا، فكنت واقفة بره الطيارة مع الكابتن حسام، وبراقب المشهد من بعيد.
الكابتن أنهى مكالمته، وحط الموبايل في جيبه، وبعدها قال لي:
«مدام نور، أنا آسف إن حضرتك اضطريتي تمرّي بالموقف ده. لكن خليني أوضح لك حاجة مهمة.»
بصيت له وقلت:
«اتفضل يا كابتن.»
قال:
«الطيارة مسجلة ضمن أصول شركة الطيران الخاصة التابعة لمجموعة استثمارية، وإحنا عندنا تعليمات محددة بخصوص استخدام الطيارة، والرحلات الخاصة، والموافقات المطلوبة عليها. واسم حضرتك موجود ضمن الأشخاص اللي لازم نرجع لهم في بعض القرارات المتعلقة بالرحلات دي.»
استغربت كلامه.
«بس أنا عمري ما تدخلت في تفاصيل شغل مجدي، ولا طلبت منكم توقفوا أي رحلة.»
ابتسم الكابتن باحترام وقال:
«أنا عارف يا فندم. وعلشان كده بالذات، لما حضرتك نزلتي، كان لازم نتأكد من موقف الرحلة قبل الإقلاع.»
فضلت ساكتة للحظة.
الحقيقة إن حياتي مع مجدي كانت معقدة أكتر مما الناس تتخيل.
كل اللي حواليه كانوا فاكرين إنه بنى إمبراطوريته بنفسه، وإنه الشخص الوحيد اللي ورا نجاح الشركة.
لكن الحقيقة كانت مختلفة.
قبل عشر سنين، لما مجدي كان لسه بيحاول يبدأ مشروعه الصغير في مجال التكنولوجيا، كان عنده فكرة ممتازة، لكن ماكانش عنده رأس المال الكافي، ولا العلاقات اللي تسمح له يدخل السوق بقوة.
في الوقت ده، والدي، الحاج عبد الرحمن السيوفي، كان واحد من أكبر المستثمرين في مجال الاتصالات والتكنولوجيا في مصر.
وأنا كنت بشتغل معاه في إدارة الاستثمارات العائلية، بعد ما خلصت دراستي في إدارة الأعمال.
لما اتعرفت على مجدي، كنت مؤمنة بقدراته، وكنت شايفة إنه ممكن يحقق نجاح كبير لو لقى الفرصة المناسبة.
وعلشان كده، لما طلب مني أساعده في الحصول على تمويل لمشروعه، عرضت الفكرة على والدي.
والدي وافق يدخل مستثمرًا في المشروع، لكن بشرط وجود نظام واضح يحافظ على حقوق جميع الأطراف.
ومع مرور السنين، الشركة كبرت، واتوسعت، وبقت واحدة من الشركات المهمة في مجالها.
ومجدي أصبح الرئيس التنفيذي، ووجه الشركة المعروف قدام الإعلام والمستثمرين.
أما أنا، فكنت بفضّل أعيش بعيد عن الأضواء.
ما كنتش بحب أظهر في المؤتمرات، ولا أتكلم عن مساهمتي في نجاح الشركة، ولا أستخدم اسم عيلتي علشان أفرض نفسي على حد.
كنت مؤمنة إن جوزي لازم ينجح بقدراته، وإن علاقتنا المفروض تكون مبنية على الاحترام، مش على مين معاه فلوس أكتر أو نفوذ أكبر.
لكن مع الوقت، مجدي بدأ ينسى حاجات كتير.
نسي مين وقف جنبه لما كان المشروع مهدد بالفشل.
ونسي مين أقنع المستثمرين إنهم يثقوا فيه.
والأهم من كل ده، بدأ يتعامل معايا كأني مجرد ست عايشة في بيته، مالهاش أي علاقة بالحياة اللي هو بناها.
ما كنتش أعرف إن داليا هتبقى السبب اللي يخليني أشوف الحقيقة بالشكل الواضح ده.
رجعت بصيت للكابتن حسام وسألته:
«هو مجدي يعرف إن اسمي موجود في تعليمات الرحلة؟»
رد بصراحة:
«على حد علمي، هو يعرف إن فيه ترتيبات وموافقات خاصة، لكن تفاصيلها مش من اختصاصي إني أتناقشها معاه.»




