
الجزء الثاني والاخير
وقفت مكاني وأنا سامعة صوت عربية فارس وهي بتقرب من مدخل القصر. حسيت إن رجلي مش شايلاني، وإن قلبي ممكن يفضحني من كتر ما كان بيدق بعنف.
سعاد مسكت إيدي وضغطت عليها برفق، وبصتلي في عيني وقالت بصوت واطي:
«خلي بالك يا مدام ليلى، مهما حصل، ماتظهريش نفسك. لازم تعرفي الحقيقة كلها قبل ما تاخدي أي قرار».
هزيت راسي بالموافقة، وشديت المريلة على جسمي، وبعدها أخدت عربية أدوات النظافة وخرجت من غرفة العاملين.
كنت طول عمري صاحبة القصر ده، لكن في اللحظة دي كنت ماشية في ممراته كأني غريبة، بخاف حد يبص في وشي ويكتشف أنا مين.
وقفت في ركن بعيد عن الصالة الرئيسية، ورا عربية التنظيف، وفضلت أراقب من فتحة صغيرة بين الحيطة وستارة طويلة.
بعد دقايق، سمعت صوت خطوات فارس.
دخل الصالة وهو بيضحك، وبيتكلم في تليفونه بنبرة عمري ما سمعتها منه معايا.
قال وهو بيبص ناحية السلم:
«كل حاجة جاهزة يا حبيبتي. البيت كله لينا الليلة دي، ومحدش هيضايقنا».
قلبي اتقبض.
بعدها بلحظات، ظهرت ست شابة من عند المدخل الجانبي. كانت لابسة روب حرير بلون النبيتي، وروب تاني كنت عارفة تفاصيله كويس جدًا.
ده كان روب الحرير المفضل عندي، اللي فارس جابهولي هدية في ذكرى جوازنا الخامسة!
كنت فاكرة إنه محتفظ بالروب في دولاب أوضة نومنا، لكن الست دي كانت لابساه وكأنها صاحبة البيت.
قربت منه بدلع، وحطت إيديها على كتفه، وقالت بابتسامة:
«وحشتني يا فارس. خمس أيام من غير ما أشوفك كانوا كتير أوي».
ضحك، ولف دراعه حواليها، ورد عليها:
«ما أنا قلتلك إني هعوضك عن كل ده. إنتِ عارفة إنك أغلى واحدة عندي».
حسيت إن الأرض بتتهز من تحتي.
عشر سنين من الجواز، وعشر سنين من الحب والثقة، اتلخصوا قدامي في مشهد واحد.
كنت عايزة أخرج من مكاني وأواجهه، أصرخ في وشه وأسأله إزاي قدر يعمل فيا كده، لكني افتكرت كلام سعاد.
أنا مش جاية أكتشف إنه بيغدرني وبس. أنا جاية أعرف هو مخبي عني إيه كمان.
مسكت الفوطة بإيدي، وفضلت واقفة من غير حركة.
الست بصت حواليها، وبعدها قالت:
«طب وليلى؟ إنت متأكد إنها مش هترجع فجأة؟»
فارس ابتسم ابتسامة باردة، وقال بثقة:
«ليلى؟ دي لو قلتلها إني مسافر آخر الدنيا، هتصدقني من غير ما تسأل سؤال واحد. أنا عارف مراتي كويس».
ضحكوا هما الاتنين.
في اللحظة دي، حسيت إن حاجة جوايا ماتت.
مش بس لأنه غدر بي، لكن لأنه كان بيستهزأ بيا، وبثقتي فيه، وبكل حاجة عملتها عشانه.
الست قعدت على الكنبة، ورفعت رجلها فوق الترابيزة، وبصت حواليها بإعجاب.
«بصراحة، القصر ده يستاهل الواحد يعيش فيه. تخيل بقى لما يبقى بتاعنا رسمي!»
الكلمة الأخيرة خلتني أركز معاهم أكتر.
فارس قعد جنبها، وناولها كوباية عصير، وقال:
«اصبري شوية. كل حاجة ليها وقتها».
هزت راسها بضيق، وقالت:
«إنت بتقولي الكلام ده من شهور يا فارس. أنا تعبت من إني أفضل مستخبية. أنا عايزة أبقى مراتك قدام الناس، وعايزة أعيش هنا من غير ما أخاف إن ليلى تدخل علينا في أي لحظة».
ابتسم فارس، ومسح على إيدها.
«هتحصلي على كل اللي إنتِ عايزاه. بس لازم نمشي خطوة خطوة».
سألته وهي بتبص في عينيه:
«طب والورق؟ خلصت موضوع نقل الملكية؟»
اتجمدت مكاني.
نقل الملكية؟!
أي ملكية بيتكلموا عنها؟
فارس طأطأ راسه شوية، وبعدها قال:
«لسه فيه كام إجراء لازم أخلصهم. المحامي بيجهز الأوراق، وأول ما كل حاجة تخلص، مش هيبقى فيه حد يقدر يقف قدامنا».
الست ابتسمت ابتسامة واسعة، وقربت منه أكتر.
«يعني أقدر أقول إن القصر ده هيبقى بتاعنا قريب؟»
رد عليها بثقة:
«مش القصر بس يا حبيبتي. كل حاجة».
حسيت ببرودة بتسري في جسمي.
أنا اللي كنت فاكرة إن المشكلة كلها غدر زوجي، اكتشفت فجأة إن فيه مخطط أكبر بكتير بيتنفذ من ورايا.
القصر ده ماكانش مجرد بيت فاخر بالنسبة لي. ده كان جزء من ممتلكاتي الخاصة، وكنت شريكة في مجموعة شركات كبيرة أسستها عيلتي قبل جوازي بسنين.
وفارس كان عارف كويس إن جزء كبير من ثروتي مسجل باسمي.
هل كان بيحاول يستولى على ممتلكاتي؟
وقبل ما أقدر أرتب أفكاري، رن تليفونه.
بص للشاشة، واتغيرت ملامحه للحظة، وبعدها قام ودخل المكتب اللي جنب الصالة.
الست فضلت مكانها، وبدأت تتفرج على الصور المعلقة على الحيطان.
أما أنا، فاستغليت الفرصة وتحركت بهدوء ناحية المكتب، وأنا بدفع عربية النظافة قدامي.
وقفت جنب الباب الموارب، وسمعته بيتكلم بصوت منخفض.
«أيوه يا أستاذ شريف، أنا محتاج الورق يخلص قبل نهاية الشهر».
سكت شوية، وبعدها كمل:
«مش مهم لو ليلى مش عارفة حاجة دلوقتي. المهم إن كل حاجة تبقى قانونية على الورق، وبعدها مش هيبقى عندها أي فرصة تعطلنا».
قلبي بدأ يدق أسرع.
ثم سمعت المحامي بيقول من الطرف التاني، بصوت كان واضح رغم انخفاضه:
«بس لازم تفهم إن توقيع مراتك مش موجود على المستندات دي، وده ممكن يعمل مشكلة كبيرة لو اعترضت».
فارس رد ببرود:
«سيب الموضوع عليّا. أنا هتصرف معاها».
وبعدين قال جملة خلت الإحساس ينسحب من عروقي:
«ليلى عمرها ما هتشك فيا، ولو اضطريت أضغط عليها شوية، هتوقّع على كل اللي أحطه قدامها».
قفلت عيني للحظة، وأنا بحاول أسيطر على غضبي.
الراجل اللي كنت مستعدة أتنازل عشانه عن أي حاجة، كان بيخطط ياخد مني كل حاجة.
لكن المفاجأة لسه ما انتهتش.
فارس أنهى المكالمة، وفتح درج المكتب، وطلع ملف أسود كبير. حطه على الترابيزة، وبدأ يقلب في الأوراق.
ومن مكاني، قدرت أشوف صورة مستند عليه اسمي بالكامل، وتحت الاسم كان فيه توقيع شبه توقيعي بشكل مخيف.
توقيع مزور باسمي!
حطيت إيدي على بقي عشان أمنع نفسي من الصراخ.
فارس كان بالفعل بيجهز أوراق باسمي من غير علمي، لكني ماكنتش أعرف لسه هو ناوي يستولى على إيه بالضبط.
وفجأة، سمعت صوت الست وهي بتناديه من الصالة:
«فارس! تعالى بسرعة، لازم تشوف حاجة!»
قفل الملف بعصبية، وحطه في الدرج، وخرج من المكتب.
أما أنا، ففضلت واقفة في مكاني، وعيني معلقة على الدرج المقفول.
كنت عارفة إن الليلة دي غيرت حياتي للأبد.
لكن قبل ما أقدر أتحرك، سمعت صوت الست وهي بتقول له:
«إنت قلتلي إن مفيش حاجة ممكن تبوظ خطتنا، صح؟ طيب، عندي خبر ليك… ليلى مش هي الوحيدة اللي إنت مخبي عنها الحقيقة!»
يتبع…
وقفت ورا عربية النظافة، وحسيت إن نفسي بيتسحب مني واحدة واحدة. الجملة اللي قالتها الست كانت غريبة، ونبرة صوتها خلتني أفهم إن فيه سر تاني أكبر من الغدر وتزوير الأوراق.




